معطيات جديدة تضعف مواقف رافضي الإصلاح

معطيات جديدة تضعف مواقف رافضي الإصلاح

  • 3 يوليو 2004

شهد شهر حزيران/يونيو 2004 تحركات سياسية أمريكية على أكثر من صعيد، في إطار تفعيل استراتيجية واشنطن الرامية إلى معالجة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل يحقق لها مصالحها ويجنبها الكثير من الأضرار، في وقت لم تطور الدول العربية استراتيجية أو رؤية عامة في المقابل، بشكل يضمن لها الحد الأدنى من المكاسب والفرص، في مواجهة سياسة اكتسبت طابعي العملية والزخم الدولي في آن.

إن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي أطلقته واشنطن لقيادة "عملية إصلاح" واسعة؛ تشمل الدول العربية كلها إلى جانب إسرائيل وتركيا وإيران وباكستان وأفغانستان، والذي قوبل برفض عدد من الدول العربية، وامتناع عدد آخر عن إبداء موقف واضح، وموافقة وتأييد عدد محدود من تلك الدول، اكتسب قوة دفع دولية، وغطاءً سياسياً أشمل، عبر ديبلوماسية أمريكية نشطة وملحة صادفت نجاحاً ملحوظاً.

مجموعة الثماني تتبنى "الإصلاح" فقد تبنى زعماء مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى خطة لدعم جهود الإصلاح تلك تحت عنوان "خطة دعم جهود الإصلاح في الشرق الأوسط الأوسع وشمال أفريقيا"، بعدما أجروا تغييراً شكلياً في العنوان المقترح من واشنطن، وتغييرات إجرائية، في مجملها، على بنود الخطة الأمريكية، وبعدما ضمّنوا خطتهم موقفاً طالب به العرب كثيراً، وتمت صياغته في فقرة تقول: "إن دعم الإصلاح يسير جنباً إلى جنب مع دعم التسوية الشاملة والعادلة والدائمة للصراع العربي-الإسرائيلي".

وتنطلق الخطة التي تبنتها الدول الثماني، في التاسع من حزيران/يونيو، من عمل هذه الدول على تنفيذ مبادرات وخطط وتدابير تتعلق بالإصلاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتسهم في تحفيز النمو الاقتصادي، وتوسيع المشاركة السياسية، وتدعيم فرص إقامة مجتمع المعرفة.

وقد أُعلن أن عدداً من دول المنطقة رحب بالمشاركة أو يشارك بالفعل في جهود محددة تنضوي تحت عملية تنفيذ تلك الأهداف؛ مثل الأردن، واليمن، والجزائر، وأفغانستان، والبحرين، والمغرب، وتركيا، وتونس، ولبنان، ومصر، والفلسطينيين. وفضلاً عن هذا، فإن الخطة تسعى إلى استحداث "منتدى للمستقبل" لتسهيل عقد اجتماعات وزارية دورية بين مجموعة الثماني وحكومات شرق أوسطية، ومبادرة لتمويل مشروعات الأعمال الصغيرة، وأخرى لتقليص معدلات الأمية، إضافة إلى إقامة "حوار مساعدة الديمقراطية".

القمة الأوروأمريكية تدعم الحكومة العراقية ولم تكتف واشنطن بهذا النجاح الذي حققته، بتجاوز معظم خلافاتها مع الأوروبيين حيال سياساتها تجاه الشرق الأوسط والموضوع العراقي خصوصاً، وبتجاوزها تحديداً للتحفظات الفرنسية، ولكنها واصلت سياساتها الرامية لتفعيل استراتيجيتها في القمة الأوروأمريكية التي عقدت في أيرلندا في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر نفسه.

فقد أنهت القمة التي عقدها الرئيس الأمريكي جورج بوش مع رئيس الوزراء الأيرلندي بيرتي آهيرن وقادة أوروبيين آخرين أعمالها باتفاق أمريكي-أوروبي على "الدعم الكامل والثابت للحكومة العراقية المؤقتة"، فضلاً عن توافق الجانبين إزاء الأوضاع في فلسطين، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة أسلحة الدمار الشامل.

إن الدعم الأوروبي الذي حصلت عليه واشنطن للحكومة العراقية يمثل نصراً معنوياً للإدارة الأمريكية من جهة، وإشارة سياسية إلى انفتاح أوروبي تجاه احتمالات ترطيب الأجواء بين الجانبين إزاء العراق من جهة أخرى، وهو الموضوع الذي مثّل قضية اختلاف ونزاعاً ديبلوماسياً مريراً عطّل الانسجام والتعاون المشترك بينهما لشهور طويلة.

تحول في "الناتو" ولم يكد شهر حزيران/يونيو يمر إلا وكانت واشنطن قد حققت اختراقاً جديداً تمّثل في نجاحها، بمساعدة حليفتها بريطانيا، في الخروج من قمة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي عقدت يومي 28 و29 من الشهر نفسه، بموافقة قادة الحلف على تقديم المساعدة المطلوبة منهم في تدريب قوات الأمن العراقية. وأفاد بيان صادر عن قادة الحلف أنهم "متحدون في دعم الشعب العراقي وتقديم التعاون التام للحكومة العراقية الجديدة في سعيها لتعزيز الأمن الداخلي وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات عامة العام 2005".

لقد كان قادة الحلف مختلفين إزاء السياسة الأمريكية في العراق، وبعض دول الحلف المهمة عارضت احتلال العراق أساساً، لكن القمة الأخيرة تجاوزت الخلاف ونحته جانباً لتصل إلى سياسات من شأنها تثبيت وتدعيم السلطة العراقية القائمة حالياً، وإطلاق عملية اقتراب أمني/عسكري، تبدأ بتدريب الجيش وقوات الأمن، وربما لا تنتهي قبل أن تتعزز مشاركة "الناتو" بقوات على الأرض في العراق.

اللافت أيضاً في هذا الصدد أن قادة الحلف استنكروا "الهجمات التي تحدث في العراق"، ووصفوها بـ "الإرهابية"، داعين إلى "إنهائها فوراً"، ومعتبرين أنها "تشكل تهديداً للدول المجاورة للعراق وللمنطقة بشكل عام".

وإزاء هذا التغير/التحول، أطلق الحلف ما أسماه "مبادرة إسطنبول للتعاون"، وهي عرض للمشاركة في نشاطات تعاون عملية في مجال الأمن مع بلدان منطقة "الشرق الأوسط الكبير"، وقد اعتبرت المبادرة "جزءاً من الطريقة التي يرد بها الحلف على التحديات الجديدة في القرن الحادي والعشرين"، وعرض الحلف خلالها تعاوناً عملياً في مجالات مكافحة الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل، والتدريب والتثقيف، والمشاركة في المناورات والتمارين.

واعتبر مراقبون أن مبادرة إسطنبول للتعاون "مكملة لقرارات مجموعة الثماني الاقتصادية، وقرارات أمريكية-أوروبية مشتركة صدرت دعماً لدعوات للإصلاح، نابعة من داخل الشرق الأوسط الكبير".

واقع جديد يحتاج سياسات جديدة يبدو أن الأداء السياسي لواشنطن في المحافل الثلاثة المهمة كان أداءً فارقاً في نجاحه، مقارنة بالتعثر الذي صاحب السياسة الأمريكية طيلة الشهور الفائتة في موضوع العراق تحديداً. إن انعكاسات هذا الأداء على الدول العربية وصانعي السياسة بها مهمة وملحة في آن.

سيعطي التوافق بين الولايات المتحدة من جهة والدول الصناعية الكبرى السبع الأخرى ودول "الناتو" والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى قدرة أكبر لواشنطن على فرض وتسريع تنفيذ سياساتها إزاء العراق والإصلاحات في الشرق الأوسط.

وستكون الدول العربية، وخصوصاً تلك التي رفضت صراحة أو امتنعت عن إبداء الرأي في المبادرة الأمريكية، التي تحولت إلى مبادرة للدول الصناعية الثماني، مطالبة بتطوير مواقفها للتوافق مع الأوضاع الجديدة.

لقد انطلقت العملية بالفعل رغم المعارضة التي تراوحت حدتها من بعض الحكومات، ورغم الانطباع السيء عنها لدى الشعوب بشكل عام. وثمة برامج وخطوات عملية خُطط لتنفيذها أو انطلقت فعلاً في إطار مفهوم "الإصلاح"، وباتت المعارضة المتكئة على عدم عدالة الموقف تجاه القضية الفلسطينية في وضع أضعف بعدما أجمع قادة مجموعة الثماني على أن "دعم الإصلاح يسير جنباً إلى جنب مع دعم التسوية الشاملة والعادلة والدائمة للصراع العربي-الإسرائيلي"، وهو التوجه الذي تم دعمه عملياً بدعوة قمة الثماني اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط إلى عقد اجتماع في المنطقة لدفع مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين".

لا يبدو أن التعاطي العربي مع مبادرة الإصلاح سيخضع للاعتبارات التي سبقت شهر يونيو/حزيران، فثمة وضع دولي جديد بدّل غطاء المبادرة، وثمة تغييرات سدت ثغرات فيها، والأهم من ذلك أنها تحولت من مجرد مبادرة إلى "عملية"، لا تكتسب عمليتها من إطارها التنفيذي المفترض فقط، ولكن أيضاً من كونها بدأت بالفعل، وعلى الأرجح ستستمر، وهو الأمر الذي يجب أن تظهر العديد من الدول العربية أنها أدركته.

Share