معضلة هونغ كونغ في العلاقات الأمريكية-الصينية

  • 2 أغسطس 2020

تشهد العلاقات الأمريكية-الصينية توتراً إضافياً على خلفية إقرار بكين القانون الجديد للأمن القومي، الذي تم تطبيقه مؤخراً في مقاطعة هونغ كونغ، حيث تؤكد واشنطن أن هذا القانون سوف يمهّد للقضاء على الحكم الذاتي الذي تتمتع به المقاطعة؛ في الوقت الذي ترفض فيه بكين هذا الموقف الأمريكي، وتعدُّه تدخلاً في الشؤون السيادية للصين.
يزدحم ملف العلاقات الأمريكية-الصينية بالعديد من الخلافات التي تفاقمت خلال الفترة الأخيرة، بعد أن ظلت مكتومة سنوات عدَّة؛ ومن بين هذه الخلافات معضلة هونغ كونغ، التي لا تُعَدُّ من المراكز الاقتصادية الرائدة في العالم فقط، وإنما لها تاريخ ممتد ضارب في القدم، حيث تقول المصادر التاريخية إنها سُكنت منذ عصور ما قبل التاريخ، لكنها ظلت عبارة عن قرية صغيرة للصيد حتى نهاية العصور الوسطى، وقد وقعت هونغ كونغ تحت سيطرة الإمبراطورية البريطانية بعد ما تُسمى حرب الأفيون الأولى (1839-1842)، وتوسعت حدودها لتضم شبه جزيرة كولون، ثم عدداً من الأقاليم الجديدة بعد ذلك، وفي منتصف القرن العشرين أثناء حرب المحيط الهادئ تعرَّضت هونغ كونغ للاحتلال الياباني، لكنَّ بريطانيا عملت على استعادتها بعد نهاية الحرب، وظلَّت على هذه الحال تابعة لبريطانيا حتى عام 1997، حيث تمت إعادة ملكيتها إلى الصين، إلا أنها بقيت تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية ونظام سياسي تعددي مختلف عن نظيره القائم في البر الصيني، تبعاً لمبدأ «بلد واحد، ونظامان مختلفان» الذي يكرّس لهونغ كونغ حكمها الذاتي، الذي يضمن أنها مستقلَّة قضائياً، وتملك قانوناً أساسياً مستقلاً.
وعلى هذا الوضع ظلت هونغ كونغ، ولكنَّ الصين عملت في الفترة الأخيرة على تكريس تبعية هونغ كونغ لها، وتقليص استقلاليتها الذاتية؛ وقد جاء هذا المسعى الصيني على خلفية احتجاجات عارمة، شهدتها هونغ كونغ الصيف الماضي، ضد قانون جديد سعت بكين إلى تطبيقه في المقاطعة، ورفضته معظم القوى السياسية في هونغ كونغ التي رأت فيه محاولة لخنق حريات الرأي والتعبير، وبسط النفوذ الصيني على المقاطعة.
وفي ظل محاولات الصين ترسيخ سيادتها على هونغ كونغ جاء قانون الأمن القومي المثير للجدل، الذي أقرّتهَ بالإجماع اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان) في بكين. ومن أبرز النصوص التي تضمنها القانون، تأسيس مكتب جديد في هونغ كونغ يتولى التعامل مع الحالات الأمنية، كما سيكون قادراً أيضاً على مراقبة شؤون التعليم وعلاقتها بالأمن القومي. وبموجب القانون، كما نُشِر عنه، سيكون الرئيس التنفيذي في هونغ كونغ مخولاً أن يعين قضاة يتولون مهمة النظر في القضايا الأمنية، وهذه الصلاحية تثير مخاوف بشأن استقلالية القضاء عن الحكومة. وبحسب مراقبين؛ فإن القانون قد يخضع للتأويل الذي تريده بكين، وفي حال ظهر أي تعارض بين قانون الصين وقانون هونغ كونغ؛ فإن الكلمة الفَصْل ستكون لقانون بكين.
وقد برَّرت الصين صدور هذا القانون الذي يستهدف، وفقاً لمراقبين، مؤيدي الاستقلال، أو حتى بعض الدول الأجنبية المتهمة بتأجيج التظاهرات في هونغ كونغ عبر دعم المحتجين، بأنه سيجرّم «الانفصال والتخريب ضد الحكومة المركزية الصينية»، و«الإرهاب والتواطؤ مع القوات الأجنبية». وبالتأكيد فإن القانون جاء في إطار رد بكين على الحركة الاحتجاجية المطالِبة بالديمقراطية، وغلّ يد الصين عن التدخل في الشؤون الداخلية لهونغ كونغ، الذي تنامى خلال الفترة الأخيرة، وتخشى الصين أن تتطور هذه الحركة لما قد يؤدي إلى التهديد بانفصال هونغ كونغ، التي تمثل كنز الصين الثمين.
وقد فجَّر القانون الجديد جدلاً وخلافاً بين الصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، وبدأت واشنطن، فور التصديق على القانون الجديد، في إنهاء الوضع الخاص لهونغ كونغ في القانون الأمريكي؛ فأوقفت صادرات الدفاع، وحدَّت من إمكانية تصدير منتجات التكنولوجيا المتقدمة إليها. وقال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مؤتمر صحفي، إن قانون الأمن الوطني الذي أقرَّته الصين في هونغ كونغ انتهاك سافر، ومأساة للشعب هناك. وأضاف: «سننهي المعاملة الخاصة لهونغ كونغ؛ لأنها لم تعُد تتمتع بالحكم الذاتي». وأكد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في شهادة له أمام الكونجرس عقب إقرار القانون، أنه لا يمكن اعتبار أن هونغ كونغ تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي عن الصين؛ ولذلك لا يمكن أن تواصل استحقاق معاملة خاصة وفق القانون الأمريكي. وأعلن بومبيو في بيان: «في حين أن الولايات المتحدة كانت تأمل أن تقدم هونغ كونغ الحرَّة والمزدهرة نموذجاً للصين الاستبدادية؛ فمن الواضح الآن أن الصين تجعل هونغ كونغ نموذجاً مطابقاً لها». ووصف القانون بأنه «مخزٍ ومهين لجميع الدول».
وبدوره أدان الاتحاد الأوروبي القانون الجديد، وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورزولا فون دير لاين، إن المفوضية «قلقة للغاية». وأضافت أن المفوضية تعدُّ القانون الجديد انتهاكاً للالتزامات الدولية للصين. وأدان رئيس المجلس الأوروبي، تشارلز ميشيل، خطوة الصين؛ وقال: «هذا القانون يخاطر بشدَّة بتقويض القدر الكبير من الحكم الذاتي الذي تتمتع به هونغ كونغ، كما أن له تأثيراً ضاراً في استقلال القضاء وسيادة القانون؛ نشعر بالأسف لهذا القرار».
ولم يقتصر رد الفعل المندّد بالقانون -الذي وصفه نشطاء ديمقراطيون بأنه ثاني عملية تسليم لهونغ كونغ، بعد التسليم الأول الذي حدث عام 1997- على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فقط، بل شمل كذلك اليابان، الحليف القوي لواشنطن، حيث قال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيد سوغا، إنه «من المؤسف أن قانون الأمن القومي تم سنُّه على الرغم من المخاوف القوية للمجتمع الدولي، وسكان هونغ كونغ». وأكد أن «القانون سيضر بالثقة الدولية بمبدأ الدولة الواحدة بنظامين؛ واليابان تودُّ الاتصال مع الدول ذات الصلة لاتخاذ الإجراءات المناسبة».
وعلى الصعيد الداخلي في هونغ كونغ قوبل القانون برفض واسع من قادة الحركة الاحتجاجية التي تصاعدت خلال الصيف الماضي؛ حيث أعلن الناشط جوشوا وونغ -الذي كان قد التقى هو ونشطاء آخرون دبلوماسيين أجانب، وقدم شهادته بشأن حريات هونغ كونغ أمام الكونجرس الأمريكي- انسحابه من الحزب السياسي الذي شارك في تأسيسه عام 2016، كما أعلنت نائبة الحزب السابقة ناثان لو، التي تم عزلها من المجلس التشريعي المحلي عام 2016، والناشطة أغنيس تشو، انسحابهما أيضاً. وفي المقابل؛ فإن «التحالف الديمقراطي لازدهار هونغ كونغ»، وهو أبرز حزب مؤيد لبكين في هونغ كونغ، أعلن بطبيعة الحال، تأييده القانون.
وقد امتدَّ الاحتجاج على القانون، الذي جاء قبل حلول الذكرى الثالثة والعشرين لتسليم بريطانيا هونغ كونغ للصين، ليشمل منظمات حقوقية دولية، حيث رأت «منظمة العفو الدولية»، في بيان لها، أن تمرير قانون الأمن القومي «هو لحظة مؤلمة لشعب هونغ كونغ، ويمثل أكبر تهديد لحقوق الإنسان في التاريخ الحديث للمدينة. ومن الآن فصاعداً ستكون للصين سلطة فرض قوانينها الخاصة على أي مشتبه جنائي تختاره». وأضافت المنظمة أن «السرعة والسرية، اللتين تعاملت بهما الصين في هذا التشريع، تؤكدان المخاوف من أن بكين صنعت قانوناً قمعياً لاستخدامه ضد منتقدي الحكومة، بمن في ذلك الأشخاص الذين يعبّرون عن آرائهم، أو يحتجون سلمياً فقط». ورأت «منظمة العفو الدولية» أن «حماسة الصين لتمرير هذا القانون بسرعة هي أيضاً إشارة مشؤومة إلى الانتخابات التشريعية المقبلة في هونغ كونغ»، وهي الانتخابات التي كان يفترَض أن تُجرى في سبتمبر المقبل، ولكن تم تأجيلها إلى العام المقبل؛ بالنظر إلى ما يمر به العالم حالياً من ظروف استثنائية فرضتها جائحة فيروس «كورونا المستجد» (كوفيد-19).
وهكذا تبرز هونغ كونغ بصفتها معضلة جديدة في ملف العلاقات الأمريكية-الصينية التي تعاني العديد من القضايا الخلافية، ويبدو أن هذه المعضلة، على وجه التحديد، ستؤدي إلى تفاقم الخلاف المكتوم بين الدولتين، الذي يدور في أعلى مستوياته حول قضية النفوذ والسيادة على النظام العالمي؛ حيث إن واشنطن تخشى النفوذ المتنامي للصين على الساحة الدولية، وربما يكون سعيها إلى الحد من استقلالية هونغ كونغ عاملاً مهماً في هذا السياق؛ كونه يبعث برسالة مفادها، أن الصين قد تكون مستعدة للتضحية بالمكاسب التي يحققها النموذج القائم لهونغ كونغ في سبيل أن تبسط سيادتها على جزء رئيسي من التراب الصيني.

Share