معركة وزيرستان والتوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية

معركة وزيرستان والتوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية

  • 21 أكتوبر 2009

من المفارقات في الحرب الدائرة رحاها في شمال غربي باكستان أن الانتقام جاء قبل الهجوم. فحتى قبل أن يشن الجيش الباكستاني هجومه الكبير على حركة طالبان-باكستان في إقليم وزيرستان الجنوبية، حيث معقل الحركة بالقرب من منطقة الحدود مع أفغانستان، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2009، نفذ الإرهابيون سلسلة من الهجمات القوية في ثلاثة من أقاليم باكستان الأربعة بداية هذا الشهر (أكتوبر/تشرين الأول). وقد راح ضحية هذه الهجمات، والتي تضمنت أزمة رهائن أو احتجاز عسكريين في قيادة الجيش في روالبندي، نحو 170 شخصاً. ويعتقد الخبراء أن تلك الضربات الإرهابية كانت تستهدف ردع الجيش من تنفيذ هجومه على معاقل الحركة في منطقة القبائل، الذي أطلق عليه "طريق النجاة". ولكن أثبتت هجمات طالبان عدم جدواها؛ تركت الحكومة الباكستانية بلا خيار سوى شن الهجوم، بحسب وزير الداخلية الباكستاني، رحمن مالك.

وهكذا، أطلق الجيش الباكستاني حملته العسكرية المخطط لها منذ فترة بضرب قواعد المسلحين، الذين يقودهم حكيم الله مسعود، في وزيرستان الجنوبية، في هجوم بري ثلاثي المحاور، من الشرق والغرب والشمال؛ ينفذه نحو 28 ألف جندي، مدعومين بالدبابات والمدفعية وسلاح الجو، ضد ما يقرب من 10 آلاف من مسلحي طالبان والقاعدة يحوزون قذائف صاروخية ومدافع ثقيلة وخفيفة. وقد فر آلاف المدنيين (بلغوا نحو مائتي ألف حتى هذا التاريخ) من المنطقة تحسبا للهجوم العسكري أو في أعقابه.

ولكن ما يزيد تعقيد الوضع المعقد أصلاً في باكستان أن ثمة توترات جديدة بدأت تظهر بين الأخيرة والولايات المتحدة فيما يتعلق بمعالجة ملف التمرد والإرهاب في المنطقة، على الرغم من محاولات حكومتي البلدين التقليل من شأنها. فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2009، فإن الولايات المتحدة وباكستان اتفقتا على ألا تتفقا فيما يتعلق بالحملة العسكرية التي يتابعها الجيش الباكستاني ضد مقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة في وزيرستان الجنوبية. ولعل ذلك يفسر زيارة مسؤولين أميركيين كبار إلى باكستان مؤخراً، ولقاؤهم مع القيادات العسكرية والمدنية الباكستانية بشأن الأزمة. وقد طلب رئيس الوزراء الباكستاني، سيد يوسف رضا جيلاني، من الولايات المتحدة تسريع دفع أكثر من بليون دولار لدعم الجيش الباكستاني، كما طالبها وحلف الناتو بمنع تسلل المسلحين من أفغانستان إلى باكستان.

في غضون ذلك، نشرت صحيفة ذي نيوز انترناشيونال الباكستانية واسعة الانتشار تقريراً، في 19 أكتوبر 2009، بعنوان: "مع أي جانب تقف الولايات المتحدة على أية حال؟" ذكرت فيه أن "مصادر مقربة من الحكومة الباكستانية، وكذلك استراتيجيين عسكريين شاركوا في التخطيط لعملية وزيرستان، قالوا خلال عطلة نهاية الأسبوع إن الأمريكيين أخلوا ثماني نقاط تفتيش أمنية على الجانب الأفغاني من الحدود قبل خمسة أيام فقط من عملية الجيش الباكستاني. كما تشير أحدث التقارير إلى أن الأمريكيين حركوا بعض المواقع إلى القرب من وزيرستان الشمالية؛ ما قد يشجع مسلحي حركة طالبان الأفغانية على عبور الحدود إلى الجانب الباكستاني. وقد أثارت التحركات الأمريكية دهشة كثيرين في دوائر الحكومة والمؤسسة العسكرية، وأثيرت آراء عبرت عن وجود مصالح متصارعة (بين باكستان والولايات المتحدة) وخطط أمريكية مريبة". وأضاف التقرير أن بعض المحللين يرون أن هذه التحركات خطوة تكتيكية من جانب الولايات المتحدة لتقليل الضغط على قواتها في أفغانستان، والتي تواجه مقاومة شديدة من جانب طالبان الأفغانية.

ومن جانبهم، يرى بعض المحللين الأمريكيين أن باكستان تواجه فقط المسلحين الذين يمثلون تهديداً لأمنها، ولكنها تتجاهل العناصر الأخرى التي تعارض الولايات المتحدة. وللتدليل على ذلك، يشيرون إلى أن الجيش الباكستاني أبرم صفقة مع زعيمين قبليين قويين مناهضين للولايات المتحدة، وهما مولاي ناظر، الذي يبسط هيمنته على سهول وتلال وزيرستان الجنوبية، وحافظ جول بهادور، في وزيرستان الشمالية؛ ليظلا بعيداً عن المعارك الراهنة، وللسماح للجيش للتحرك في مناطقهما. ففي مقابلة مع صحافة الإنترنت الحرة، في 20 سبتمبر/أيلول 2009، اعترفت السفيرة الأمريكية في باكستان، آن باترسون، بأن "ما نختلف بشأنه (مع باكستان) هو بالطبع طريقة التعاطي مع المجموعات التي تهاجم قواتنا في أفغانستان. وهذا ينطبق على (سراج الدين) حقاني وناظر وجول بهادور".

وفي الحقيقة، يكمن التوتر المتنامي في العلاقات الأمريكية الباكستانية خلف قضايا عدة مثيرة للنزاع. ومن أهم هذه القضايا قانون الشراكة المعززة مع باكستان للعام 2009، والمعروف أيضا باسم قانون "كيري- لوغر"، والذي صوت عليه الكونجرس بالإجماع في نهاية سبتمبر/أيلول الفائت، ووقعه الرئيس باراك أوباما، في 15 أكتوبر/تشرين أول الجاري. يهدف القانون إلى تقديم مساعدات أمريكية لباكستان تبلغ قيمتها 7,5 مليار دولار، خلال السنوات الخمس المقبلة. بيد أنه يتضمن مجموعة من الشروط لحصول باكستان على هذه المساعدات؛ ما أثار حفيظة الباكستانيين. وعلى الرغم من موافقة الحكومة الباكستانية على الشروط الواردة في حزمة المساعدات الأمريكية، فإن الجيش الباكستاني وأحزاب المعارضة، فضلاً على منظمات المجتمع المدني وقطاع واسع من وسائل الإعلام، قد انتقدت هذه الشروط، ووصفت قبول الحكومة لها بأنه "يعرض سيادة الدولة للخطر".

ومن ضمن هذه الشروط أن تسلم إسلام آباد تقارير إنفاق المساعدات إلى الولايات المتحدة للتأكد من أن الأموال تم إنفاقها على الأغراض المحددة. كما يطالب القانون باكستان باتخاذ إجراءات عملية ضد التنظيمات الإرهابية، وأن تضمن منع المؤسسة العسكرية من التدخل في الشؤون السياسية. علاوة على ذلك، ثمة نقطة أخرى رئيسة مثيرة للتوتر في قانون "كيري- لوغر" تتعلق بمطالبة باكستان بالعمل على تفكيك مراكز المسلحين من القاعدة وطالبان في مدينة كويتا بإقليم بلوشستان (حيث يزعم القانون أن زعيم طالبان الأفغانية، الملا عمر، يختبئ هناك) وفي مدينة  مريدكي في إقليم البنجاب (والتي تعتبر مركزاً لتنظيم لشكر طيبة وجماعة الدعوة). وهاتان المدينتان بعيدتان جداً عن وزيرستان، حيث يدور القتال حالياً بين قوات الجيش الباكستاني وطالبان-باكستان. يرى كثير من المعلقين الباكستانيين أن هذه الادعاءات والتأكيدات والاشتراطات في تشريع أمريكي يمس أو ينتهك سيادة الدولة. وقد نصح هؤلاء الولايات المتحدة أن تمد الجيش الباكستاني بمعلومات استخبارية موثوق فيها أو مؤكدة حول نشاط المسلحين في كويتا ومريدكي من خلال القنوات العسكرية الملائمة، بدلا من التصريحات العامة التي يمكن أن تصور أنها تدخلٌ واستخدام لأسلوب القهرٌ من جانب الولايات المتحدة.

ولسوء الحظ، يأتي قانون كيري لوغر في وقت تشهد فيه باكستان جدلاً واسعاً حول تنامي التأثير الأمريكي في البلاد، بعيد الأنباء عن تشييد مبنى جديد وضخم للسفارة الأمريكية في إسلام آباد. فكثير من السياسيين وقطاع واسع من المواطنين الباكستانيين يشعرون بالحنق إزاء خطة البيت الأبيض للمشروع الذي سيتكلف 736 مليون دولار لبناء هذه السفارة، والتي قيل إنها لمنافسة السفارة الأمريكية العملاقة في بغداد. كما انتاب الوكالات الاستخبارية والعسكرية الباكستانية شعورا بالقلق حيال الحضور المتنامي لشركات الأمن الأمريكية الخاصة الموكول إليها حماية الدبلوماسيين الأمريكيين.

فوفقاً لتقرير أعدته جين بيرليز، تحت عنوان "محاولة الولايات المتحدة الانتشار في باكستان تلقى اعتراضات"، نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2009، فإن الخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة لنشر مساعداتها إلى باكستان تؤدي إلى إثارة الرأي العام المعادي لأمريكا. ويضيف التقرير أن الوجود الأميركي بمعدلاته الراهنة يثير مشاعر الاحتلال بين الساسة والمسؤولين الأمنيين في باكستان. وبصفة خاصة، فإن وجود شركة دنكورب الأمنية الخاصة، التي تعاقدت معها واشنطن لحماية الدبلوماسيين الأمريكيين في باكستان، أثارة ضجة انتباه الرأي العام، ولاسيما بعدما أشارت وسائل الإعلام أن بلاك ووتر، وهي شركة أمن خاصة أخرى أثارت جدلاً بسبب تكتيكاتها العدائية في العراق، تعمل أيضا في باكستان. كما أن هناك من يخشى أن تستغل واشنطن شركة دنكورب وغيرها في إقامة شبكة أمنية واستخبارية موازية داخل باكستان. من ناحية أخرى، يجادل المعلقون الأميركيون أنه بعد الاختراق الأمني للقوات الباكستانية بمكتب الأمم المتحدة في العاصمة إسلام آباد، ومقر قيادة الجيش الباكستاني في روالبندي، فإن الولايات المتحدة في حاجة إلى عمل ترتيباتها الخاصة لتوفير حماية أمنية لدبلوماسيها في باكستان.

وقد أثار المعلقون الباكستانيون أيضا التساؤل حول القلق المتكرر في وسائل الإعلام الأمريكية حول سلامة وأمن الأسلحة النووية الباكستانية، على الرغم من تأكيد مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى على ثقتهم في إجراءات الأمن والضبط المتوفرة بواسطة الجيش الباكستاني. كما أن هؤلاء المراقبون قلقون أيضاً من اقتراح نائب الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن، بأن الولايات المتحدة يجب أن تحول تركيزها الرئيس في الحرب ضد القاعدة وطالبان من أفغانستان إلى باكستان؛ معللاً ذلك بأنه في المعسكرات على الأرض الباكستانية توجد القيادات الإرهابية، ويتلقى الإرهابيون المحتملون التدريب. وهكذا، فإن الجبهة الرئيسة في الحملة العالمية ضد الإرهاب يراد لها التحرك جنوب أفغانستان إلى الإقليم المستحدث والمعروف بالإقليم الأفغاني-الباكستاني. وهذا يدفع إلى مزيد من إثارة المحللين السياسيين الباكستانيين؛ لأنهم يخشون من تزايد التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لبلادهم.

وفيما تحاول الولايات المتحدة استكشاف استراتيجية جديدة في حربها ضد طالبان في أفغانستان، وبينما تنخرط باكستان في حملة مزدوجة ضد الإرهاب والتمرد، فإن من الأهمية بمكان أن تتجاوز الدولتان الرئيستان في الحملة العالمية ضد قوى الإرهاب خلافاتهما البسيطة حول قضايا تتعلق بحزمة المساعدات والتحركات التكتيكية، وتطورا علاقات قائمة على الثقة والتعاون؛ لإعطاء الإرهاب ضربة قاصمة نهائية في جبهته الرئيسة. في هذا الخصوص، فإن تعليقات السيناتور الأمريكي، جون كيري، كانت صائبة حينما حذر: "نحتاج إلى ضمان أن طالبان ووجودنا نفسه لن يكون عامل عدم استقرار فيما يتعلق بباكستان وجهودها لمواجهة حركة طالبان (الباكستانية) والمجموعات المتطرفة الأخرى التي تهدد حكومتها". 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات