معركة كسب القلوب والعقول في باكستان: الفرص والتحديات

معركة كسب القلوب والعقول في باكستان: الفرص والتحديات

  • 1 يونيو 2009

عندما قررت الحكومة الباكستانية إرسال حملة عسكرية لتطهير المناطق الشمالية الغربية، وفي قلبها وادي سوات، من مسلحي حركة طالبان وحلفائها من تنظيم القاعدة، في أواخر أبريل 2009، ربما لم تكن تدري أنها بدأت معركة جد طويلة ذات أهداف متعددة، وأن الجولة العسكرية فيها لا ينبغي أن تطول أكثر من اللازم. ومن خلال متابعة سير العملية العسكرية والوضع السياسي القائم في باكستان، يمكن تعداد أهداف هذه المعركة في القضاء على نفوذ المسلحين وسيطرتهم في المناطق الحدودية، وهو الهدف المباشر، والحؤول دون تحول باكستان إلى دولة فاشلة، ومن ثم سد ذرائع التدخل الأجنبي والدولي في شؤونها، والحفاظ على وحدة الدولة وقوتها، والأهم من ذلك هو كسب عقول وقلوب الباكستانيين؛ فذلك وحده هو الذي يقطع دابر المسلحين، ويبني سداً بينهم وبين المواطنين.

ويعرف المحللون الاستراتيجيون والقادة السياسيون جميعاً أن العمليات العسكرية ضد حركات التمرد تشكل مرحلة البداية أو التمهيد لمعركة أكبر حجماً وأوسع نطاقاً وأبعد مدى، هي معركة كسب القلوب والعقول. في هذا الصدد، ثمة عدة مؤشرات تشير إلى أن الحكومة الباكستانية يمكنها كسب هذه المعركة.

أول هذه المؤشرات أن طالبان-باكستان لا تتمتع بتأييد واسع بين عموم الباكستانيين، الذين لا يؤيدون المتطرفين بشكل عام، وأن سكان المناطق الشمالية الغربية، التي كانت مناطق فراغ، حيث تخف أو تنعدم السيطرة الحكومية، وتنشط طالبان وحلفاؤها من تنظيم القاعدة، ربما كانوا يظاهرون الحركة لأنه لم يكن لديهم خيار آخر. وقد وضح ذلك من آراء النازحين من جحيم القتال في وادي سوات والمناطق المجاورة. علاوة على ذلك، ثمة دعم (سياسي واقتصادي) دولي وإقليمي واسع لجهود الحكومة الباكستانية في مواجهة الطالبانيين وغيرهم من العناصر المتطرفة المنتشرة في المناطق الحدودية والقبلية. والأهم من ذلك أن معظم الباكستانيين يؤيدون الجيش وقادته، طالما لا يتورطون في السياسة. كما أن الجيش هو أحد أهم رموز الفخر القومي للبلاد، ويريد المواطنون الباكستانيون أن يظل جيشهم قوياً مقتدراً مسيطراً على كل أرجاء البلاد، طولها وعرضها.

ومع ذلك، ثمة تحديات جمة أمام الحكومة الباكستانية في سعيها لكسب معركة القلوب والعقول، يجدر بها معالجتها بصورة عاجلة وليست آجلة. أول هذه التحديات هو مقاومة إغراء الانتصار، ومن ثم إطالة أمد الحرب حتى يتم تحقيق هدف حكومي مستحيل، وهو تصفية كل عناصر حركة طالبان والقاعدة في باكستان. فأولاً، ثمة شكوك في أن لدى الحكومة الباكستانية معلومات استخباراتية مؤكدة عن حجم أعضاء الحركة من المسلحين وغيرهم؛ ذلك أن الحركة نفسها ليست كياناً موحداً أو تنظيماً متناسقاً، بل تضم خليطاً مختلفاً رخواً ومهلهلاً، بلا رابطة تنظيمية متماسكة. وثانياً، أن الإصرار على تحقيق ذلك الهدف يعني إطالة أمد الحملة العسكرية أكثر من اللازم؛ بما له من تداعيات استراتيجية خطيرة على الاستقرار السياسي واستئناف جهود التنمية الشاملة، خاصة في الأقاليم الحدودية، وهما الدعامتان اللتان يجب أن ترتكز عليهما سياسة الحكومة الباكستانية في معركتها لكسب القلوب والعقول. فضلاً على ذلك، فإن زيادة أمد العمليات العسكرية سوف يخدم حركة طالبان، التي أقرت، وإن بصورة غير رسمية، بهزيمتها عندما أعلن الناطق باسمها في سوات، مسلم خان، انسحاب المسلحين من "مينجورا" كبرى مدن وادي سوات وطالب المدنيين النازحين من الوادي بالعودة إلى ديارهم، وإن أضاف، لحفظ ماء الوجه، أن مقاتلي الحركة "سيواصلون القتال حتى النهاية أو حتى آخر رمق". كما يمكن لطالبان التورط لسنوات طويلة قادمة في حرب عصابات أو الانخراط في نمط من القتال يعتمد على التفجيرات والعمليات الانتحارية، واستهداف المدنيين والمنشآت الحكومية. والأهم من ذلك، أنه كلما طالت العملية العسكرية، جازفت الحكومة الباكستانية بفقدان تأييد المواطنين ودعمهم.

وثمة تحد أكثر خطورة، وهو توسيع مجال العمليات العسكرية، لتبلغ مناطق وأقاليم أخرى في باكستان. فقد هددت حركة طالبان بنقل مواجهاتها مع الجيش الباكستاني من وادي سوات والمناطق الشمالية الغربية إلى وزيرستان ومناطق أخرى من البلاد، بل إلى المدن الرئيسية؛ لتخفيف الضغط عن عناصرها وللثأر من الحكومة. في هذا الخصوص، أمر زعيم الحركة، بيت الله محسود، مسلحيه بمهاجمة قوات الجيش في وزيرستان الجنوبية، منهياً بذلك هدنة استمرت نحو عامين في الإقليم. وفي أول استعراض للقوة، شنت طالبان هجوماً، في 24 مايو 2009، على موقع عسكري باكستاني في المنطقة، أسفر عن مقتل سبعة جنود وإصابة ثامن، أعقبه في (27 مايو) تفجير استهدف مقراً للشرطة والمخابرات العسكرية، في لاهور عاصمة إقليم البنجاب، وخلف نحو ثلاثمائة وثلاثين ضحية بين قتيل وجريح. وفي اليوم التالي، نفذ مسلحو محسود أربع هجمات في بيشاور وضواحيها وديرة إسماعيل خان، في شمال غرب باكستان، أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 10 أشخاص على الأقل وإصابة 115 آخرين.

ويرى مراقبون أنه ليس من مصلحة باكستان أن تخوض "حرب عصابات واسعة تشمل كل أقاليم باكستان"، كما صرح الرئيس آصف زرداري، أو خوض "معركة مستمرة"، كما أشار محمد خان قائد الشرطة بالإقليم الحدودي الشمالي الغربي، وإنما من مصلحتها أن تنخرط في حرب واسعة طويلة ومستمرة على محور التنمية الشاملة؛ كون ذلك هو الضمانة الحقيقية لكسب المواطنين إلى جانبها ضد المتطرفين. وعلى العكس تماماً، فإن توسيع مجال العمليات العسكرية، وهو هدف طالباني، يمكن أن يجعل الجيش في موقف ضعيف، ينبع أساساً من القتال على جبهات عدة، وفي مناطق ذات طبيعة وعرة غالباً.

على أن أكبر التحديات التي تواجهها الحكومة الباكستانية هو مشكلة النازحين من مناطق القتال، والذين يقترب عددهم من ثلاثة ملايين. وينبغي على الحكومة والمجتمع الدولي التركيز على معالجة هذه المشكلة، قبل أن يحل بالنازحين أو بالمحاصرين في الوادي كارثة إنسانية وشيكة، كما حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من منظمات الإغاثة الدولية، أو أن يصبحوا مشروع مجندين أو موالين لحركة طالبان وحلفائها، كما حدث قبل ذلك في بيشاور، أو أن يزعزعوا استقرار البلاد بتغيير التوازنات العرقية والسياسية فيها؛ كونهم ينتمون إلى العنصر الباشتوني. وفي الحقيقة، فإن أحوال كل من المحاصرين والنازحين تزداد سوءاً يوما بعد آخر. ففي ضوء استمرار العمليات العسكرية، يتعرض المحاصرون للقصف والقتل، ويعانون من الجفاف ومشكلات صحية جمة. أما أحوال النازحين، والذين سجلوا أحد أعلى معدلات النزوح في العالم، فحدث ولا حرج، وهم في حاجة إلى مساعدات غذائية وصحية عاجلة، وإلى الانخراط فوراً في برنامج لإعادة الإعمار في وادي وسوات؛ حتى يتسنى إعادة السكان إلى المنطقة.

ومن أجل تعزيز الانتصار في هذه الحرب، يرى بعض المحللين أن الحكومة الباكستانية مطالبة بمعالجة مسألة الهجمات الصاروخية الأمريكية، التي تنفذها طائرات بدون طيار، على أهداف متعددة في وادي سوات وغيره من البقاع الباكستانية. وعلى الرغم من الإدانات المعلنة المتكررة من جانب الحكومة لهذه الهجمات، فإن الاعتقاد الشائع بين المحللين أنها تتم بالتنسيق بين الولايات المتحدة وباكستان. ويدعم ذلك أن مسؤولي البنتاجون أعلنوا أن الولايات المتحدة، منذ إعلانها استراتيجيتها الجديدة تجاه كل من أفغانستان وباكستان، في أواخر مارس الماضي، بدأت تزود الحكومة الباكستانية بمعلومات أكثر عن هذه الهجمات. فيما أشارت تقارير صحفية إلى أن المسؤولين الباكستانيين أصبح يخول لهم سيطرة أكبر على هذه الهجمات، سواء من ناحية اتخاذ قرار إطلاقها أو تحديد أهدافها، على الرغم من إنكار الجيش الباكستاني ذلك. ويرى المراقبون أن هذه العمليات تثير حنق الباكستانيين على الحكومة، والولايات المتحدة، وربما تدفعهم إلى تأييد مسلحي طالبان الذين يخاتلونهم ليل نهار بالثأر لضحايا هذه الضربات، وغالبيتهم من المدنيين. في هذا الخصوص، يُذكر أن معدل إصابة الهدف لهذه العمليات هو 2%؛ بمعنى أنه يذهب ضحيتها خمسون مدنياً مقابل كل مسلح يطرح أرضاً من طالبان وغيرها. ووفقاً للمصادر الحكومية الباكستانية، فإن هذه الهجمات، على مدى ثلاث سنوات، أردت 14 مسلحاً فقط، فيما أدت إلى مقتل المئات من المدنيين. ووفقاً للمحللين الأمريكيين أنفسهم، فإن وقف هذه الهجمات سوف يخدم مصالح كل من باكستان والولايات المتحدة، ولكن استمرارها سوف يجعل من مشكلات باكستان أكثر استعصاءً على الحل.

وليس من شك في أن الجيش الباكستاني سوف يكسب في معارك وادي سوات وضواحيه، ولا سيما أن ما حققه إلى الآن مثيرٌ للإعجاب؛ فقد سيطر على معظم ـ إن لم يكن كل ـ معاقل طالبان في الوادي، وفي مقدمتها مدينة مينجورا عاصمة الإقليم، وأردى نحو ثلث مقاتلي الحركة. لكن معالجة التحديات المذكورة عالية مسألة جوهرية لتعزيز الانتصارات العسكرية، وكسب قلوب وعقول الباكستانيين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات