معركة خلافة أولمرت في حزب كاديما

إبراهيم عبدالكريم: معركة خلافة أولمرت في حزب كاديما

  • 6 أغسطس 2008

فيما كانت الأنظار تركز على نتائج التحقيق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ورئيس حزب كاديما إيهود أولمرت في قضية "مغلفات الأموال"، التي ادعى الملياردير اليهودي الأمريكي "موريس تالانسكي" أنه قدمها إليه، تلاحقت التطورات الخاصة بهذه القضية؛ حيث استجاب مجلس حزب كاديما  للضغوط الداخلية والخارجية، ومصدرها الرئيسي حزب العمل؛ فقرر إجراء انتخابات تمهيدية لاختيار رئيس جديد للحزب خلفاً لأولمرت، الذي أعلن يوم 30 يوليو/تموز 2008، أنه لن يرشح نفسه في هذه الانتخابات التمهيدية، وأنه سيقدم استقالته من رئاسة الحكومة لدى انتخاب رئيس جديد للحزب.

وقد بدت هذه الخطوة منطقية ومتسقة مع تحديد سابق لمجلس حزب كاديما بأن من ينتخب رئيساً للحزب سيكون هو مرشحه لرئاسة الحكومة. وأصبح من الواضح أن زعامة أولمرت وصلت إلى الأسطر الأخيرة في الفصل الأول من قصة الحكومة الائتلافية الحالية بزعامة حزب كاديما، فيما راحت عيون المراقبين تتابع الفصل الثاني الذي سينتهي بالانتخابات التمهيدية للحزب، على خلفية الإدراك بأن الأمر ليس مجرد تنافس على رئاسة حزب سياسي، وإنما يتركز على شأن استراتيجي لحزب حاكم، يسعى للحفاظ على الطور الحالي لأدائه، ببقائه كحزب سلطة ائتلافية، على الأقل حتى نهاية الولاية البرلمانية للكنيست الحالية السابعة عشرة (أوائل عام 2010).

وقد لوحظ في مستهل هذا الطور، أن المعركة الجارية في حزب كاديما تتركز على من سيخلف أولمرت في رئاسة الحزب، ليقوم بتشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة (البديلة)، مع تجنب الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، إلا في حالة انسداد الطريق أمام تشكيل تلك الحكومة. وهو ما جعل المسألة تتداخل مع الحسابات المعقدة لأحزاب الائتلاف والمعارضة.

من الناحية الإجرائية، حددت لجنة الانتخابات الداخلية في حزب كاديما موعد جولة الاقتراع الأولى في 17/9/2008، وإذا لم تحسم الانتخابات في هذه الجولة، ستجرى جولة ثانية بعدها بأسبوع تكون رئاسة الحزب بنتيجتها لمن يفوز بالعدد الأكبر من الأصوات. وقد برز في مشهد التنافس على قيادة الحزب شخصان مركزيان، هما وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ووزير المواصلات شاؤول موفاز، وآخران ثانويان، هما وزير الأمن الداخلي آفي ديختر، ووزير الداخلية مئير شطريت.

وعلى خط التنافس الحزبي، واصل هؤلاء المتنافسون محاولاتهم، مستعينين بشركات وخبرات متخصصة، لاقتسام أصوات منتسبي الحزب البالغ عددهم نحو 65 ألف شخص. ومعروف أن اتجاهات هؤلاء الأعضاء تتركز أساساً حول "الوسط" بالمضامين الأيديولوجية والسياسية والأمنية، وداخل هذه الاتجاهات تحظى تسيبي ليفني بتأييد شريحة من "الوسط ويساره"، بينما يحظى شاؤول موفاز بتأييد شريحة من "الوسط ويمينه"، ومثله تقريباً آفي ديختر ومئير شطريت. وفي ظل التوقعات بتدني شعبية ديختر وشطريت، وربما خروجهما من السباق، يبدو من المبرر تركيز الأنظار على ليفني وموفاز، والسعي إلى تكوين صورة أولية لكل منهما تتضمن خصائصه وتوجهاته، في منظور الذات والآخر، وتأثير ذلك على مكانته في العملية الانتخابية للحزب، التي ستشهد كما هو متوقع توترات حادة وصفقات وأحابيل إعلامية وشعارات أمنية وسياسية وشخصية.

في هذه العملية، ترى تسيبي ليفني نفسها، أنها شخصية قيادية مؤهلة، تشكلت على مدى سنوات طويلة من النشاط العام والبرلماني والحكومي (نحو عشر سنوات في الكنيست، ووزيرة في سبع وزارات)، وأنها في حال ترؤسها حزب كاديما ستضمن له الاستمرار في الحكم. وتعتقد ليفني أنها تمتلك ميزة مهمّة، تعدّ "كلمة السر" في القيادة المناسبة، هي: الحضور والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرارات، وما يرتبط بذلك، من وجود رؤية وعمود فقري أخلاقي وبوصلة داخلية توحد الدولة وتوجه زعماءها.

وتتباهى ليفني بنشاطها في إطار مهمتها كوزيرة للخارجية، ومشاركتها في إنجاز خطوات سياسية مركزية، مثل "فك الارتباط" عن قطاع غزة، وتشكيل حزب كاديما، ومشاركتها في اتخاذ قرارات أمنية من الدرجة الأولى إلى جانب رئيس الوزراء ووزير الدفاع. وتتعمد ليفني التذكير بدورها في اتخاذ القرارات الحاسمة في مجال الأمن القومي، ومنها مثلاً مساهمتها الواضحة في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1701 خلال حرب لبنان الثانية، الذي اعتبرته أفضل مفصل في الحرب لمصلحة إسرائيل، وضغطها لإنهاء هذه الحرب وإنقاذ إسرائيل من الغرق الطويل في الوحل اللبناني، كما كشف تقرير فينوغراد أنها لم تؤيد القرارات الخاطئة خلال الحرب.

وتعكس مقابلة أجرتها إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" مع ليفني جانباً من نظرتها لذاتها؛ حيث شددت على تجربتها الأمنية التي راكمتها سابقاً في الموساد، ولاحقاً في السنوات الأخيرة، كعضو في المجلس الوزاري السياسي?الأمني، ومشاركتها في اتخاذ قرارات مهمّة حول موضوعات أمنية صعبة. وحاولت توضيح أن الأمن ليس سجلاً عسكرياً فقط، وأنها في حال ترؤسها الحكومة ستعين وزير دفاع جيد (ربما تقصد إيهود باراك!).

أما في منظور الآخرين؛ فتتنوع الأحكام على ليفني، تبعاً لمصدرها؛ فهي في نظر الجمهور، تحتل مرتبة متفوقة على جميع الشخصيات الإسرائيلية، حتى أن فرصها في الفوز بالانتخابات العامة وتشكيل الحكومة الجديدة أصبحت أكبر من فرص رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو، الذي اعُتبر في السنتين الأخيرتين المرشح الأبرز لتشكيل الحكومة في حال تم إجراء انتخابات عامة. يضاف إلى هذا انطباع إسرائيلي واسع النطاق نسبياً بأن خلف وجه هذه المرأة الشقراء الناعمة وذات التأثير في وسائل الإعلام، تختبئ قدرات صلبة "حمراء" مناسبة لإدارة الصراع، في شكليه العادي والمتفجر.

وبالرغم من ذلك؛ فإن هناك في الأوساط السياسية والصحفية من يطالب ليفني بعدم الانسياق وراء إغراء استطلاعات الرأي العام، وهناك من يوجه لها أسئلة مثبطة، على غرار؛ ما الذي فعلتيه لإسرائيل؟ وماذا فعلتِ حتى الآن في وزارة الخارجية التي تعج بالمتذمرين منك؟.. وماذا يؤهلك لأن تتخذي قرارات ترتبط بمصير الشعب؟

كما تحدثت تقارير عدة عن توتر ليس له مثيل بين أولمرت وليفني، في موضوعات داخلية وأخرى تتعلق بالمفاوضات مع الفلسطينيين وسورية. ومن التسريبات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية، وظلت من دون نفي أو تأكيد، عبارات نقلها مقربون من أولمرت عنه، وصف فيها ليفني بأنها "غدارة وكاذبة"، وأنها لم تفعل أي شيء مهم، وأن فكرة إيداع مسؤوليات عن شؤون مصيرية بين يديها هو أمر خطير. كما نقلوا عنه قوله: "إنني أخشى على مستقبل دولة إسرائيل إذا وصلت ليفني إلى سدة الحكم، فهي عديمة القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية، وهي تنجرّ وراء الآخرين وتفتقر للثقة بالنفس"، واتهم أولمرت ليفني بأنها كذبت على لجنة فينوغراد، من أجل التهرب من مسؤوليتها عن الحرب، ورأى أن أياً من المتنافسين الآخرين على رئاسة كاديما أفضل منها.

وبالانتقال إلى شخصية القطب الآخر المنافس، شاؤول موفاز، يلاحظ المراقب أن التقارير الصحفية تركز على شخصيته، من جانبين؛ الأول يتعلق بميزاته وتوجهاته الخاصة، والثاني يتعلق بنظرته إلى منافسته ليفني. ومما ينقل عنه، تأكيده المتكرر على تجربته العسكرية الهائلة (36 عاماً)، والتي شغل خلالها العديد من المناصب مثل رئيس أركان، ووزير دفاع، ومشرف على عملية "السور الواقي" ضد الفلسطينيين، ثم مسؤول عن الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وهو يعتقد أنه يمتلك قدرة كبيرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في المجال الأمني، معتبراً أن أساس العمل الإسرائيلي لا يزال أمنياً، ورئيس الوزراء يجب أن يواجه الضغوط اليومية، ويحافظ على التروي، وعلى الهدوء النفسي، ويحتاج الأمر إلى الكثير من التجربة ورباطة الجأش.

ويعتقد موفاز أنه مرشح أكثر ملاءمة بكثير من ليفني لمنصب رئيس الوزراء، ويقول مقربوه إنه ينوي التشديد في حملته على تجربته كرئيس للأركان، لإبراز انعدام تجربتها. وفي المنحى ذاته، تتواتر التقارير التي تنسب إليه هجومه العنيف على ليفني، متهماً إياها بأنها تسعى للظهور بصورة المرأة المستقيمة. ويقول موفاز: "هي نظيفة اليدين، مثلي، ولكن الاستقامة ليست أداة العمل الوحيدة لإدارة دولة". وحسب موفاز، فإن ليفني تتصرف بشكل هستيري، والإنجازات السياسية التي تتباهى بها ليست مثيرة جداً للانطباع. كما أنه هاجم القرار 1701، ووصفه بأنه قرار سيئ لم يحقق شيئاً؛ فحزب الله ترسخ في لبنان والجنديان لم يعودا بفضله.

ويلاحظ أن هذه الاتهامات تجري في بيئة حزبية يفترض فيها أن تشكل حاضنة لاختيار رئيس جديد لحزب كاديما، يستطيع أن يحافظ على وحدة الحزب ومنطلقاته السياسية والأمنية. ومن الطبيعي أن يدور جزء من المنافسة حول استقطاب كبار الشخصيات في كتلة الحزب ومجلسه، أمثال؛ حاييم رامون، وروني بار أون، وداليا ايتسك، وتساحي هنغبي، وزئيف بويم، وسواهم. وهناك تقدير بارز بأن معظم كبار كاديما يميلون إلى تأييد ليفني بسبب قدرتها على الانتصار في الانتخابات البرلمانية القادمة، استناداً للاستطلاعات. ولكن تظل هناك علامة استفهام حول اتجاه المؤيدين الكثيرين لأولمرت في الحزب، وكيف ستتوزع أصواتهم بين المرشحين الذين يتنافسون على خلافته؟!.

على الصعيد العام، عني بعض الخبراء والمفكرين وأصحاب الرأي، بتقديم النصائح لانتهاج  طريق التنافس المنضبط، من أجل الحفاظ على "التقاليد الديمقراطية"، عبر الالتزام بقواعد ناظمة، من شأنها أن تساعد الرئيس القادم للحزب، رئيس الحكومة البديلة، في قيادة الدولة. ويتعزز الأمل في الساحة الإسرائيلية بأن تتوصل ليفني وموفاز إلى تفاهم يمنح فيه المنتصر في الانتخابات التمهيدية الخاسر منصباً مهماً في الحكومة، وأن يتعاونا على تنظيف الحزب من الفساد، ومواصلة المبنى الائتلافي الحالي الذي تقع في مركزه الشراكة بين حزبي كاديما والعمل، مع إمكانية توسيع الحكومة لتكون "حكومة وحدة وطنية"، والحفاظ على "إرث شارون" السياسي والأمني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات