معركة الجنوب من أجل نظام عالمي جديد

  • 29 سبتمبر 2003

في عام 1991، بعد "عاصفة الصحراء"، تحدث الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) عن بزوغ فجر نظام عالمي جديد، وعقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر اعتبر عدد كبير من الخبراء أن الحرب ضد الإرهاب قد عدلت بشكل جذري هيكلية العلاقات الدولية، كما ظهرت أنماط تحالف جديدة كانت حتى وقوع هذه الاعتداءات مستبعدة تماما. وأيا كان التوصيف الاستراتيجي لهذه التحولات الانقلابية في العلاقات الدولية، فإنها طرحت جدلا حول ماهية وحدود تأثيراتها. وفي مواجهة هذه الرؤى الاستراتيجية، يرى فريق آخر من الخبراء أن مؤتمرات كانكون ونيويورك ودبي، أفرزت تحولات جديدة مما يمكن أن يطلق عليهم أقطاب الجنوب أو كبريات الدول النامية والاقتصادات الصاعدة في سعيها لإقامة نظام عالمي جديد "أكثر عدالة وإنسانية"، ما دفع البعض إلى القول إن المشهد والتفاعلات الدولية الراهنة تعيد العالم إلى حقبة السبعينيات من القرن العشرين، حيث كان سائدا ما سمي وقتذاك بـ "حوار الشمال والجنوب". ويعتقد مؤيدو هذا الطرح أن الأحداث المتوالية في العراق قد حجبت الأنظار -ولو جزئيا- عن تحولات عميقة تجري في النظام الدولي، حيث شهدت الفترة الأخيرة صعود نجم ثلاث دول كبرى تنتمي إلى الجنوب أبرزها الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وهي ثلاث دول ديمقراطية تعتمد اقتصاد السوق وتمثل في الوقت ذاته ثلاث قارات، وتتبعها على هذا الدرب أيضا بلدان كثيرة من المكسيك إلى إندونيسيا، حيث تلتقي مصالح هذه الدول ومطالبها مع قوى اقتصادية كبرى مثل الصين، ما يعني أن نحو ثلثي تعداد سكان العالم يرغبون في تعديل "قواعد اللعبة" في المؤسسات الدولية، وأنهم يسعون بالفعل إلى إحداث نقلة نوعية في منظمة الأمم المتحدة.

خلال اجتماع منظمة التجارة العالمية الأخير في كانكون، برز نجم وزير الصناعة والتجارة الهندي آرون جايتلي ولقبه البعض بـ "بطل كانكون" لأنه قاد جبهة معارضة الجنوب، مركزا على ضرورة تغيير النهج الأمريكي والأوروبي في حماية الأسواق، وكان هذا الحديث قد فتح باب جدل واسع انتهى بفشل اجتماع كانكون، وتكرار الأمر بشكل أوضح خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث شهدت أروقة المنظمة الدولية لقاء ثلاثيا ضم رئيس الوزراء الهندي آتال بيهاري فاجبايي ورئيس جنوب أفريقيا ثامبو امبيكي والرئيس البرازيلي سيلفا دي لولا، حيث أطلقوا مبادرة مشتركة من أجل إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف وجعل تمثيل الجنوب متلائما مع حجمه الديمجرافي والسياسي. ولا تقتصر مطالبة الجنوب على إعادة هيكلة الأمم المتحدة، بل إن البرازيل والهند وجنوب أفريقيا قد طالبت في "دبي 2003" بمزيد من الأصوات في مجلس إدارة صندوق النقد والبنك الدوليين.

التحولات الجارية مع صعود الجنوب -رغم عدم تسليط الأضواء عليها إعلاميا- تعبّر في نظر الكثيرين عن "تغير وجه العولمة"، وتطرح في الوقت ذاته تحديا كبيرا أمام الغرب الصناعي لقبول هذه التحولات أو المغامرة باستمرار الجدل، بما ينطوي عليه خيار كهذا من انعكاسات سلبية على الاستقرار العالمي سياسيا واقتصاديا.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات