معاهدة منع الانتشار النووي: مغزى فشل مؤتمر المراجعة

د. مصطفى علوي: معاهدة منع الانتشار النووي... مغزى فشل مؤتمر المراجعة

  • 9 يوليو 2005

تعد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لسنة 1968 والمعروفة اختصاراً باسم N.P.T. حجر الزاوية في نظام منع الانتشار النووي. وقد دخلت هذه المعاهدة حيز النفاذ في عام 1970، وتم مدها إلى أجل غير محدد في عام 1995.

وتخضع هذه المعاهدة للمراجعة في مؤتمر يعقد بالأمم المتحدة كل خمس سنوات بغرض زيادة فاعليتها ومعالجة أوجه القصور في تنفيذ بنودها. وقد عقد أحدث مؤتمرات المراجعة في مايو/أيار 2005، ولكن هذا المؤتمر انتهى إلى فشل ذريع، كشف عن العجز عن التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء بشأن كل القضايا المطروحة على جدول الأعمال، حتى إن المؤتمر لم يستطع تبني أي قرار بشأنها.

إن الفشل التام لمؤتمر المراجعة الأخير يجب أن يقرع جرس إنذار قوياً لكافة أطراف معاهدة منع الانتشار من حيث كونه مؤشراً على خطورة التحديات التي تواجه نظام منع الانتشار ذاته.

إن أهم هذه التحديات يتمثل في الطابع التمييزي Discriminatory لمعاهدة N.P.T، فهي لا تقيم نظاماً لنزع الأسلحة النووية وحظرها، ولكنها تميز بين دول استطاعت أن تقوم بالتفجير النووي قبل أول يناير/كانون الثاني من عام 1967، وأعطتها الحق في أن تكون دولاً نووية معلنة أو معترفاً بها، وبين بقية دول العالم التي لم تستطع أن تحقق ذلك الإنجاز قبل ذلك التاريخ، ومن ثم يكون عليها أن تبقى دولاً غير مالكة للسلاح النووي، ما دامت قبلت أن تكون داخل نظام منع الانتشار طواعية، وهو الأمر الذي قد تشعر معه بعض الدول بالظلم الواقع عليها، نتيجة وجودها داخل النظام والتزامها بمنع الانتشار، في الوقت الذي اختارت فيه دول أخرى أن تبقى حرة خارج ذلك النظام، فتبني قوة نووية عسكرية تحمي أمنها، حتى وإن ظلت مصنفة دولياً كدولة نووية "غير معلنة". ومع هذا التمييز، فإن الأمر قد يبدو، في نظر الرأي العام داخل الدول الملتزمة، كما لو أن الالتزام قد أنتج "عقوبة"، في الوقت الذي أنتج فيه عدم الالتزام "مكافأة". وهو إحساس يولد ضغوطاً وتحديات على نظام منع الانتشار في الأجلين المتوسط والطويل.

وبينما يقوم النظام الدولي للأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وهي أقل خطراً بكثير من الأسلحة النووية وأقل صعوبة في الإنتاج عنها، على مفهوم الحظر الكامل لتلك الأسلحة، فإن النظام الدولي للأسلحة النووية لا يفرض حظراً كاملاً، بل مجرد منع انتشار، أي إن من حاز تلك الأسلحة قبل يناير/كانون الثاني 1967 بإمكانه أن يظل محتفظاً بها وأن يطورها. ومعنى ذلك أنه كان بمقدور الدول النووية المعلنة، وهي ذاتها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أن تطور ترساناتها النووية بإنتاج أسلحة أو أجيال جديدة من الأسلحة النووية أكثر تدميراً وذات قوة نيران أكبر، وكذلك أنظمة إيصال لهذه الأسلحة أبعد في مداها، وأدق في أنظمة توجيهها، وأخطر لقدرتها على حمل أعداد متزايدة من الرؤوس النووية. أي إنه لم يمتنع على الدول النووية أن تستمر على طريق "الانتشار الرأسي" لأسلحتها النووية، أما الدول غير النووية في مفهوم معاهدة منع الانتشار فيمتنع عليها إنتاج أو نقل أو حيازة أو تطوير أية أسلحة نووية، فكأن المقصود إذن أن ينصرف عدم الانتشار إلى عدم الانتشار الأفقي بالأساس للأسلحة النووية، أي عدم توسيع دائرة النادي النووي، الذي يجب أن يظل مقصوراً فقط على الخمسة الكبار.

وفي الوقت الذي يشمل فيه حظر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية بنداً يتعلق بحظر استخدام تلك الأسلحة، وذلك ضمن حظر للتطوير والإنتاج والحيازة والنقل والاستخدام، فإن نظام منع الانتشار النووي لا يتضمن أي نص صريح يحظر استخدام الأسلحة النووية. حقاً إن محكمة العدل الدولية قد أصدرت رأياً استشارياً مهماً يذهب إلى القول بتحريم استخدام الأسلحة النووية باعتبارها أسلحة دمار شامل، ولكن يبقى الرأي الاستشاري ذا قيمة سياسية رمزية لا تصل في أهميتها إلى حد ما تمثله النصوص القانونية الملزمة والتي يترتب على انتهاكها عقوبات دولية صارمة.

ومن ناحية أخرى، فإن الدول النووية الخمس المعلنة لم تحترم أبداً التزاماتها التي تفرضها عليها معاهدة منع الانتشار بعدم مساعدة أية دولة غير نووية على تطوير أو امتلاك أو حيازة أسلحة نووية. وقد يقال هنا إنه من الصعوبة بمكان تطبيق تلك الالتزامات في ظل قدر من السيولة تتصف بها "السوق النووية الدولية" مع وجود شركات وأفراد قادرين على اختراق نظام منع الانتشار. وقد يكون ذلك صحيحاً، وهو ما يمثل دائماً، في حد ذاته، تحدياً حقيقياً لفاعلية نظام منع الانتشار النووي. ولكن الصحيح أيضاً أن مخالفة التعهد بعدم مساعدة دول غير نووية لم تتوقف عند حد الشركات والأفراد، بل تجاوزت ذلك إلى مستوى تورط دول وحكومات.

فالبرنامج النووي العسكري الإسرائيلي ما كان لينشأ ويتطور لولا تعاون رسمي بدأ سرياً مع فرنسا؛ الدولة والحكومة، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ثم ما لبثت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أن تورطت أيضاً في مساعدة البرنامج النووي الإسرائيلي.

وبالمثل تعاون الاتحاد السوفييتي السابق، الذي تبعه تعاون الولايات المتحدة بسياسة غض الطرف على الأقل، مع برنامج الهند النووي العسكري. وحدث شيء مماثل من جانب الصين مع برنامج الباكستان النووي العسكري.

وهذا يعني أن الدول النووية الخمس تورطت، دون استثناء، في مخالفات صريحة لالتزاماتها الدولية بموجب معاهدة منع الانتشار، وكانت لها أدوار صريحة في مساعدة الدول النووية الثلاث غير المعلنة (إسرائيل، والهند، والباكستان) على بناء برامجها النووية العسكرية.

وليس أقل خطورة أن المواد أو التصميمات أو التكنولوجيا أو الكوادر التي وظفت في بناء برامج نووية لدول أعضاء في نظام منع الانتشار، قيل إنها كانت برامج ذات جانب عسكري، وبخاصة في حالات العراق وكوريا الشمالية وليبيا وإيران، قد جاءت من دولة أو أخرى من الدول النووية الخمس المعلنة دائمة العضوية في مجلس الأمن، أو من شركات تابعة لهذه الدول، وإن كان بعضها قد جاء من السوق النووية الدولية (السوداء).

وإذا كانت معاهدة منع الانتشار تفرض التزاماً بتقديم المساعدة للدولة غير النووية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، فإن الدول النووية المعلنة أصبحت تتبع في هذا الشأن سياسات "تمييزية" ضد دول غير نووية كثيرة، لدوافع أو لتقديرات سياسة خاصة أو غير منصفة. وهو الأمر الذي يدفع بهذه الدول مسافات بعيداً عن روح معاهدة منع الانتشار، ولعل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مدعوة في المرحلة المقبلة إلى مراجعة جذرية لهذه المسألة حتى تحسن أوضاع نظام منع الانتشار المعتلة.

وأخيراً، فإنه إذا كانت معاهدة منع الانتشار تطالب الدول النووية الخمس بالسعي إلى نزع السلاح النووي، فإن النص الضعيف في هذا الشأن، وكذلك الخبرة الطويلة منذ 1970، والتي عرفت مزيداً من الانتشار النووي بدلاً من أية جهود لنزع السلاح النووي، وكذلك التمديد اللانهائي للمعاهدة في 1995، فضلاً عن الخلل الفظيع في توازنات القوة لصالح الدول النووية، كلها عوامل تجعل من نزع السلاح النووي حلماً بعيد المنال.

وبعد ذلك كله، هل لم نفهم بعد لماذا كان الفشل الذريع نصيباً لمؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي في مايو/أيار 2005؟ لا أظن.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات