معاناة الفلسطينيين في الضفة والقطاع

إبراهيم عبدالكريم: معاناة الفلسطينيين في الضفة والقطاع

  • 23 مايو 2007

يتفق المشتغلون في ميادين علم الاجتماع على أن التغيرات الكمية في المعاناة البشرية تؤدي إلى تغيرات نوعية تطال مستويات الوعي والحياة المعيشية. وحين يتعلق الأمر بالفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، كحالة دراسية للتحولات، فإن مفردات هذه الحالة توضح أن الأوضاع التي يعيشها هؤلاء الفلسطينيون، تشكل بيئة مناسبة لنشوء تطورات خطيرة، على غرار ما شهدته المناطق الفلسطينية في فترات سابقة، وربما أخطر.

 وتنتج المعاناة الفلسطينية من الظروف العامة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على مناطقهم، التي تعمد إسرائيل لإخراجها من نطاق انطباق القانون الدولي عليها، بحيث تكون سلطات الاحتلال هي ذاتها المرجع الذي تستند إليه ممارساتها. وتتجسد الهيمنة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية بنهج واضح المعالم يطبق ضد الفلسطينيين في ظل انعدام الحماية الدولية لهم. ومن أبرز معالم هذه الهيمنة: إحكام السيطرة على حدود المناطق الفلسطينية ومعابرها وأجوائها، والاستيلاء على غالبية مصادر المياه وفق سياسة التعطيش الرامية للتضييق على السكان، والتحكم بالشؤون الاقتصادية وبحركة البضائع المصدرة والمستوردة وحركة العمال والضرائب وعمليات الصرف الحكومي، وممارسة القبضة الحديدية على تنقل الفلسطينيين وأنشطتهم المتعددة، ومحاولة القضاء على مختلف أشكال العمل النضالي التحرري عبر عمليات القتل والاعتقال والقصف والعقوبات الجماعية والحصار التام، واستباحة المدن والقرى والمخيمات ومختلف أرجاء المناطق الفلسطينية، والتدخل الفظ السافر في ممارسة السلطة الفلسطينية صلاحياتها، والسيطرة على سجل السكان الفلسطينيين وتحديد الذين تنطبق عليهم التعاريف السكانية..إلخ.

 وكعينات من تفصيلات المعاناة الفلسطينية التي تنشرها أجهزة السلطة الفلسطينية، وخاصة مركز المعلومات الوطني الفلسطيني في الهيئة العامة للاستعلامات، بلغ عدد الشهداء الذين سقطوا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى (في 28/9/2000 وحتى 30/4/2007) 5115 شهيداً، وعدد الجرحى 50075 جريحاً. وبلغ عدد الأسرى نحو 11 ألف أسير وأسيرة (منهم 553 أسيراً قبل الانتفاضة)، موزعين على 30 سجناً ومعسكراً ومركز توقيف وتحقيق، وارتفع عدد حالات الاعتقال خلال الانتفاضة الحالية إلى 60 ألف حالة اعتقال في أكبر عملية اعتقال تسجل في تاريخ الصراع. ولا يزال في سجون الاحتلال 41 نائباً في المجلس التشريعي الفلسطيني. أما عدد المباني العامة والمباني والمنشآت الأمنية المتضررة فقد بلغ 645 مقراً عاماً ومنشأة أمنية، وإجمالي المنازل التي تضررت كلياً أو جزئياً 72737 منزلاً. وتم إغلاق 12 مدرسة وجامعة بأوامر عسكرية، وتعطيل الدراسة في 1125 مدرسة ومؤسسة تعليم عال، وبلغ عدد مؤسسات التربية والتعليم التي تعرضت للقصف الإسرائيلي 359 مدرسة ومديرية ومكاتب تربية وتعليم وجامعة. وقامت قوات الاحتلال بتجريف 80712 دونماً، واقتلاع 1357296 شجرة، وتدمير 425 بئراً ، وتجريف 33792 دونماً من شبكات الري، وتدمير 788 مزرعة دواجن وحظائر حيوانات، فضلاً عن القضاء على عشرات الآلاف من المواشي، وإتلاف الكثير من الممتلكات الأخرى.

 كما بلغت نسبة العاطلين عن العمل في المناطق الفلسطينية نحو 28.4%، بعد أن رفضت إسرائيل السماح للعمال الفلسطينيين من قطاع غزة بالعمل في مجالها منذ الانتخابات التشريعية (يناير2006). وارتفعت نسبة الفقر جراء الإغلاق والحصار إلى أكثر من 70%، وتعرض الصحافيون إلى 1147 حالة اعتداء، في حين نصبت قوات الاحتلال 5001 حاجزاً عسكرياً ونقطة عسكرية جديدة، وقصفت تلك القوات الأحياء السكنية 36724 مرة. ووصل إجمالي مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها لخدمة جدار الفصل العنصري (منذ 29/3/2003) إلى 247291 دونماً، وتعرضت 432 منشأة صناعية إلى الأضرار والخسارة الناتجة عن الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية.

 وخلال الحديث عن المعاناة الفلسطينية، تبرز التأثيرات التدميرية للاستيطان في هذا المنحى. ويستدل من معطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية أن عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية حالياً يبلغ 268.163 نسمة، وتستمر سلطات الاحتلال بنشر المناقصات لبناء آلاف من الوحدات السكنية الاستيطانية، خلافاً لالتزاماتها في "خارطة الطريق". كما يستدل من معطيات "معهد القدس للدراسات الإسرائيلية" أن عدد المستوطنين اليهود في القدس ازداد ـ من نحو 198 ألف نسمة عام 1967ـ إلى نحو 480 ألف نسمة حالياً، يشكلون نحو 66% من مجموع سكان القدس اليهود والعرب، مقابل نحو 234 ألف عربي ( نحو 34% من المجموع).

 وتجمع التقارير الدولية على مأساوية الحالة الفلسطينية، ولعل من أبرز التوصيفات لهذه الحالة، التقرير الذي أصدره "البنك الدولي" (في الأسبوع الأول من أيار/مايو الجاري) والذي يؤكد أن إٍسرائيل تحد من حرية الحركة للفلسطينيين عبر تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مقطعة الأوصال، وتمنعهم من الوصول إلى 50% من مساحة الضفة، بما في ذلك المناطق التي تقع تحت مناطق نفوذ المستوطنات(خط التماس، غور الأردن، شرقي القدس، الطرق المخصصة للمستوطنين فقط، والمناطق العسكرية المغلقة). ويعدّ الجمع بين الحواجز وسياسة الأوامر الإدارية والتصاريح التي تقيد حرية الفلسطينيين وسيلة لتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام (شمال، وسط، جنوب) بالإضافة إلى 10 مقاطع وجيوب. ويضطر الفلسطينيون إلى المرور من نقاط تفتيش من أجل التنقل بين هذه الأقسام والمقاطع والجيوب. ويمنع الفلسطينيون من الدخول لحوالي 41 طريقاً مخصصة لتنقل المستوطنين.

 في كل هذه الأشكال، وسواها، من الممارسات الإسرائيلية، تريد سلطات الاحتلال توليد قوى داخلية لدى الفلسطينيين تدفعهم للهجرة. وحمل الذين يظلون صامدين في وطنهم على الانصياع لمشيئة الاحتلال والتعامل مع الحلول الإسرائيلية المطروحة لحل مشكلتهم، على النحو الذي يجري فيه إجهاض تطلعاتهم الوطنية وإلحاقهم بعجلة الاحتلال واجتثاث جذور تطورهم الكياني المستقل.

 ولدى تحرّي مدى نجاح مخططات الاحتلال، تبين الإحصائيات الإسرائيلية والفلسطينية أن 10 آلاف فلسطيني يهاجرون من المناطق الفلسطينية، كمتوسط سنوي، خلال السنوات الست الماضية، حتى بلغ عام 2005 نحو 16 ألف مهاجر. وحسب معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية، تقدم 45 ألف طلب للهجرة منذ أواسط 2006 للممثليات الدبلوماسية الأجنبية في المناطق، غالبيتهم من المثقفين وأصحاب رؤوس الأموال، وهو ما يعني تآكل الطبقة الوسطى تدريجياً. وفي سياق الهجرة، وطبقاً لإحصائية فلسطينية حديثة، غادر 400 مصنع الأراضي الفلسطينية خلال العاميين الماضيين. ووفق استطلاع للرأي نظمه مركز الأبحاث في جامعة بير زيت (في عام 2006) عبّر 32% من أفراد العينة المدروسة عن رغبتهم بالهجرة من المناطق الفلسطينية، وكانت نسبة الشباب (من فئة 20-30 سنة) هي الأعلى (44%) من حيث الرغبة في الهجرة. وفي استطلاع مشابه أجرته جامعة النجاح في نابلس أعرب 38% عن رغبتهم بالهجرة. وفي استطلاع أجراه مركز أبحاث بيت ساحور برئاسة الدكتور "نبيل كوكلي" تم الحصول على نتيجة مشابهة.

 غني عن البيان أن الاحتلال مسؤول عن نزيف الهجرة الذي لا ينفصل عن مخططات الترحيل (الترانسفير) التي يجري تنفيذها باعتماد سياسة الحصار والتضييق المدروسة ضد الفلسطينيين. ويجدر الانتباه إلى الجانب الآخر لنتائج هذه السياسة، المتمثل في المردود العكسي لها، أي نشوء قوى ذاتية ضاغطة للاستمرار في المواجهات والصدامات الدامية، التي تضاف الاعتبارات المعيشية والاقتصادية إلى بواعثها الأخرى (الوطنية، السياسية، الأيديولوجية، النفسية..).

 ومع أن تبرعات الدول المانحة وأموال الدعم العربي، الخليجي بالدرجة الأولى، كان لها دور هام نسبياً في تخفيف وطأة الاحتلال عن الشعب الفلسطيني، إلا أن الإصرار الإسرائيلي على التنكر لحقوق الفلسطينيين يزيد سوية معاناتهم التي بلغت منسوباً خطيراً، يهدد بانفجار غير مسبوق، وقد يكون من المتعذر السيطرة على لهيبه.

Share