معاقبة أوبك.. حدود التحرك الأمريكي وتداعياته

فتوح هيكل: معاقبة أوبك.. حدود التحرك الأمريكي وتداعياته

  • 5 يوليو 2007

تبرز بين فترة وأخرى تحركات جادة داخل الولايات المتحدة الأمريكية تستهدف الضغط على صانع القرار الأمريكي لاتخاذ إجراءات مشددة أو حتى فرض عقوبات سياسية واقتصادية على منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" تحت دعاوى الاحتكار والتلاعب بأسعار النفط العالمية، لاسيما في الفترات التي ترتفع فيها هذه الأسعار إلى مستويات يراها هؤلاء مهددة لنمو الاقتصادين الأمريكي والعالمي على السواء، وقد تجسدت آخر هذه التحركات في موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو/حزيران الماضي (2007) على مشروع قانون يطالب بإلغاء الحصانة السيادية التي تتمتع بها الدول الأعضاء في أوبك ضد أي إجراء قانوني أمريكي، الأمر الذي يسمح للحكومة الاتحادية بمقاضاة هذه الدول أمام المحاكم الأمريكية بتهمة التلاعب بالأسعار!. وهذه التحركات ليست جديدة بطبيعة الحال؛ حيث سبقتها تحركات كثيرة في هذا الاتجاه، ففي عام 1978 على سبيل المثال، قامت جماعة عمالية بمقاضاة "أوبك" بمقتضى قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي، لكن محكمة الاستئناف الأمريكية رفضت الدعوى في عام 1981 على أساس أن أعضاء المنظمة يتمتعون بحصانة ضد الإجراءات القانونية الأمريكية لأن قراراتهم هي قرارات دول، وهو ما دفع بعض الجماعات إلى التحرك في اتجاه إلغاء هذه الحصانة، وفي أبريل/نيسان 2005 بحث مجلس الشيوخ مشروع قانون تقدم به أحد الأعضاء تحت اسم "مشروع محاسبة أوبك" لم يلق التأييد الكافي من باقي الأعضاء، لكن المجلس وافق بعد ذلك بأقل من شهرين (يونيو/حزيران 2005) وبشكل مبدئي على تعديل تم إجراؤه في قانون الطاقة تحت مسمى "لا أوبك" يسمح لوزارة العدل الأمريكية بمقاضاة "أوبك" بتهمة التلاعب بالأسعار أيضاً، واعتبر هذا التعديل أنه من غير القانوني قيام أي منظمة أو مجموعة دول بالحد من إنتاج أو توزيع النفط أو تحديد سعره أو اتخاذ أي موقف يؤثر على تجارة النفط، مشيراً إلى أن أي دولة تقوم بذلك لن تكون محمية تحت بند الحصانة من المساءلة أمام المحاكم الأمريكية.

 ورغم إعلان الإدارة الأمريكية رفضها لهذا التحرك الأخير من جانب مجلس الشيوخ وتحذير كثير من المراقبين من الانعكاسات السلبية لهذا المشروع، في حال تم تبنيه كقانون ملزم، على العلاقات بين واشنطن والدول الأعضاء في "أوبك"، لاسيما في ظل الاعتماد الأمريكي المتزايد على واردات النفط الخام الذي يأتي معظمه من هذه الدول، فإن هذا التحرك يثير أكثر من علامة استفهام حول أهدافه والأسباب الكامنة خلفه، فهناك من يرجع هذا التحرك إلى أسباب اقتصادية بحتة تتعلق أساساً بالارتفاع القياسي الذي شهدته أسعار النفط في السنوات الأخيرة والذي تسبب في تحميل الاقتصاد الأمريكي أعباء مالية ضخمة، فقد ارتفع سعر البرميل من 25 دولاراً في صيف عام 2003 إلى 78 دولاراً في صيف 2006، علماً بأن ارتفاع سعر البرميل بنحو 10 دولارات يكلف الاقتصاد الأمريكي نحو 50 مليار دولار إضافي (0.4% من الناتج المحلي الإجمالي). وقد تسبب هذا الارتفاع القياسي في أسعار النفط في ارتفاع قيمة الواردات النفطية الأمريكية في عام 2006 إلى أكثر من 250 مليار دولار، وهو ما انعكس بشكل واضح على ارتفاع أسعار البنزين إلى ما يزيد عن ثلاثة دولارات للجالون الواحد، الأمر الذي أثار سخط المواطنين الأمريكيين.

 وأرجع فريق آخر السبب في هذا التحرك نحو معاقبة "أوبك" إلى النفوذ المتزايد لجماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة بشكل عام وداخل أروقة الكونجرس بشكل خاص، فهذه الجماعات التي تعمل باستمرار، طبقاً لمنطق هذا الفريق، على الإضرار بمصالح الدول العربية، بدأت تصور التدفقات المالية الضخمة إلى دول الخليج نتيجة ارتفاع أسعار النفط على أنها تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، من خلال الزعم بأن جزءاً من هذه الأموال تذهب إلى المدارس والجامعات الدينية التي تنشر أفكاراً معادية للولايات المتحدة، فيما يذهب جزء آخر منها لتمويل نشاطات الجماعات الإرهابية في المنطقة مثل "حماس" و"حزب الله". كما تحاول جماعات الضغط هذه إقناع الولايات المتحدة بإنهاء أو تقليص تبعيتها النفطية لمنطقة الشرق الأوسط حتى تتمكن من التصرف بحرية في هذه المنطقة بما يحفظ أمنها القومي ويساعدها على مواجهة التهديدات القادمة من هذه المنطقة، معتبرين أن استمرار هذه التبعية هو أكبر مصادر التهديد للأمن القومي الأمريكي. ويضرب بعض أعضاء هذه الجماعات ومناصروها مثالاً على ذلك بالتعامل الأمريكي مع الأزمة النووية الأمريكية، مشيرين إلى أن خوف واشنطن من إقدام إيران على حظر تصدير النفط، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب في أسواق النفط العالمية، يمثل أحد العوامل الرئيسة التي تمنعها من ممارسة مزيد من الضغوط على طهران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، رغم ما يمثله ذلك من خطورة بالغة على أمنها القومي. لكن هؤلاء لم يحددوا ماهية المصادر البديلة التي يمكن اللجوء إليها لتقليل التبعية النفطية للخارج في الوقت الذي تتزايد فيه باستمرار الواردات النفطية الأمريكية.

 وبصرف النظر عن حقيقة الأهداف الكامنة خلف هذا التحرك الأخير نحو معاقبة "أوبك"، فإن الاتهام الرئيس الذي يستند إليه القائمون بهذا التحرك، وهو التلاعب بالأسعار، ليس صحيحاً، فالمنظمة عملت منذ نشأتها على محاولة تحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية، وضبط أسعار هذه السلعة الاستراتيجية للاقتصاد العالمي بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء، فعندما ترتفع الأسعار إلى المستوى الذي تشعر معه أنه يضر بأداء الاقتصاد العالمي وبمصالح الدول المستهلكة، تتدخل بزيادة الإنتاج لتخفيض الأسعار، وعندما تتجه هذه الأسعار نحو الهبوط بشكل يضر بمصالح الدول المنتجة يتم التدخل بتقليص كمية الإنتاج النفطي، وبالتالي فالتدخل يتم في حدود ضيقة جداً وبهدف ضبط مستوى الأسعار وليس التلاعب بها.

 ولا يمكن إنكار حقيقة أن الأسعار شهدت في الفترة الأخيرة ارتفاعاً قياسياً؛ حيث استقرت غالباً فوق حاجز الـ 60 دولاراً أمريكياً، وتخطت في فترات معينة حاجز الـ 75 دولاراً، لكن لا يمكن أيضاً تحميل منظمة "أوبك" مسؤولية هذا الارتفاع القياسي في أسعار النفط، فقد لعبت عوامل كثيرة دورها في هذا الإطار، من ذلك الزيادة المضطردة في حجم الطلب العالمي على النفط، نتيجة النمو المتسارع للاقتصاد العالمي، وتزايد طلب القوى الاقتصادية الصاعدة لاسيما الهند والصين على النفط الخام؛ حيث تشير تقديرات هيئة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الطلب العالمي على النفط سينمو بنحو 5 ملايين برميل يومياً في غضون ثلاث سنوات، وأن نمو الاستهلاك العالمي من النفط سيزداد بنسبة 1.4% سنوياً ليصل إلى نحو 117.6 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030. في الوقت الذي قد لا يستطيع فيه العرض تلبية هذا الطلب المتنامي على النفط بسبب عدم وجود طاقة إنتاجية إضافية يمكن تسويقها لدى كثير من الدول المنتجة وتراجع الاحتياطيات المؤكدة لدى دول أخرى نتيجة الاستخدام الكثيف لها. كما أن هناك كثيراً من المشاكل الأمنية-السياسية في الدول المنتجة للنفط، والتي تؤثر في مستويات الأسعار، من ذلك على سبيل المثال الأوضاع الأمنية المتردية في العراق والتي كثيراً ما تتسبب في وقف إنتاجه النفطي الذي لا يتجاوز 1.5 مليون برميل يومياً، والاضطرابات الأمنية التي حدثت في نيجيريا، والتي تسببت بوقف الإنتاج وتخفيضه في هذا البلد، إضافة إلى التهديدات الأمريكية المستمرة بضرب إيران، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط، وتهديد الأخيرة باستهداف المنشآت النفطية في باقي دول الخليج، فكل هذه العوامل هي التي دفعت بالأسعار إلى الارتفاع، وليس سياسات منظمة أوبك. وإضافة لذلك، فإن هناك عاملاً آخر مهماً يرتبط بالدول المستهلكة نفسها لاسيما الولايات المتحدة ويتمثل في الضرائب المرتفعة التي تفرضها هذه الدول على المنتجات النفطية، بالشكل الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود بشكل قياسي، وفي الوقت الذي ترفض فيه هذه الدول تخفيض الضرائب التي تفرضها على المنتجات النفطية، والتي تمثل بدورها جزءاً مهماً من عائداتها المالية، نجدها تطالب الدول المنتجة للنفط الخام بتخفيض أسعاره في الأسواق العالمية دون النظر إلى تأثير ذلك على موازنات هذه الدول!.

 ورغم الشعبية الكبيرة التي حظي بها مشروع القانون الأخير الداعي إلى مقاضاة "أوبك" داخل مجلس الشيوخ، فإن هناك تياراً كبيراً أيضاً من العقلاء داخل الولايات المتحدة يدركون خطورة هذا التوجه، ليس على الدول الأعضاء في "أوبك" فقط، ولكن أيضاً، وبالدرجة الأكبر، على الأمريكيين أنفسهم؛ فالاتجاه إلى سياسة التهديد وفرض العقوبات قد يدفع المنظمة إلى تخفيض مستوى الإنتاج وربما حظر التصدير إلى الولايات المتحدة، وهو ما أشار إليه صراحة السيناتور الجمهوري "بت دومينيتشي" قائلاً: "هذه الخطة لا يمكن تطبيقها وقد تضر بمصالح المستهلك الأمريكي أكثر مما تضر أوبك، فمنتجو النفط يمكنهم أن يوقفوا بيع النفط لنا بعد ذلك.. سيخسرون هم بعض الأرباح لكن اقتصادنا برمته قد يتوقف"، بل يمكن القول إن الدول المنتجة لن تخسر شيئاً إذا أوقفت بيع النفط للأمريكيين، فهناك أسواق جديدة يمكن أن تعوض السوق الأمريكية بسهولة، لاسيما في ظل الطلب المتنامي على النفط في الهند والصين واليابان وغيرها.. وبالتالي فإذا ما قرر أي مسؤول أمريكي الاستجابة لهذه التحركات وفكر في معاقبة "أوبك"، فإنه سينتهي به الحال إلى معاقبة الشعب الأمريكي نفسه وليس أحد آخر.

 ما يتعين أن يدركه الأمريكيون جيداً هو أن سياسة التهديد والملاحقات وفرض العقوبات، لا يمكن أن تسهم في حل أية مشكلة، بل على العكس قد تزيد الأمور تعقيداً، لاسيما إذا ما تعلق الأمر بقضية محورية كقضية "أمن الطاقة"؛ فعلاج الخلل في أسواق النفط العالمية ودعم استقرار سعر هذه السلعة الاستراتيجية، المحركة لعجلة الاقتصاد العالمي، يمكن أن يتحقق بسهولة من خلال الدخول في حوار بناء بين الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة له، بهدف الوصول إلى سياسة مشتركة تضمن مصالح الطرفين على السواء، وتحقق الاستقرار المنشود لسوق النفط العالمي، أما استخدام لغة التهديد والعقاب، فلن تؤدي إلا إلى إثارة التوتر بين الطرفين، وقد تؤثر على تدفق الإمدادات النفطية العالمية، بما يضر في النهاية وبالدرجة الأولى الدول المستهلكة، التي فشلت حتى الآن في إيجاد أية بدائل حقيقية لهذه السلعة الحيوية للاقتصاد العالمي.

Share