مطلوب "يونيفيل" أقوى للبنان

د. عماد حرب: مطلوب "يونيفيل" أقوى للبنان

  • 8 يوليو 2007

تشكل الأزمة السياسية اللبنانية الحالية والمعارك المستمرة بين الجيش اللبناني وبقايا تنظيم "فتح الإسلام" الإرهابي في مخيم نهر البارد للاجئين تهديداً كبيراً للدولة اللبنانية. من جهة أخرى، يضع الهجوم على دورية الكتيبة الإسبانية المشترِكة في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، والذي وقع في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، هذه القوة في خطر واضح. وفي ظل غياب الحلول السريعة لمظاهر الأزمة السياسية الراهنة، يصبح في غاية الأهمية أن يؤكد العالم العربي والمجموعة الدولية التزامهما باستمرار وتقوية مهمة "اليونيفيل" كضامن للسلام الأهلي اللبناني وللشرعية الدولية للدولة وللحكومة اللبنانيتين.

 تأسست "يونيفيل" عام 1978 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في آذار/مارس من ذلك العام (عملية الليطاني) وصدور قراري مجلس الأمن الدولي 425 و426. وكانت مهمتها المحددة هي التأكد من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان (والذي لم يتحقق حتى عام 2000)، وإحلال السلام في المنطقة، وتأكيد سلطة الدولة عليها. وبعد حرب إسرائيل على لبنان في الصيف الماضي وصدور القرار 1701 الذي أنهى هذه الحرب، جرى تقوية هذه القوة بزيادة عددها إلى خمسة عشر ألف جندي، وأضيف إلى مهمتها في مساعدة الحكومة اللبنانية من أجل بسط سيطرتها على الجنوب اللبناني، مهمة تقديم العون للحكومة في تأمين الحدود اللبنانية والحد من تهريب السلاح غير الشرعي إلى هذا البلد. وقد حققت مهمة "يونيفيل" في الجنوب نجاحاً كبيراً رغم استمرار تحليق الطائرات الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية، ورفض تل أبيب تسليم خرائط شاملة تبيّن أماكن القنابل العنقودية التي استعملها الجيش الإسرائيلي في الحرب، ورفضها أيضاً القبول بالعملية التي اقترحتها الأمم المتحدة لترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. ونتيجة لذلك قامت الحكومة اللبنانية مؤخراً بطلب تمديد مهمة هذه القوة الدولية بعد انتهاء سنتها الأولى في نهاية شهر آب/أغسطس المقبل.

ما لم تحققه "يونيفيل" هو النجاح في السيطرة على الحدود مع سورية ووقف تسرب الأسلحة غير الشرعية عبرها، فبحسب آخر تقرير للأمم المتحدة حول تنفيذ القرار 1701، والذي قدمه أمينها العام "بان كي-مون" في نهاية حزيران/يونيو الفائت، فإن منظمات مثل حزب الله اللبناني، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، وفتح الانتفاضة، وكلها منظمات صديقة لسورية، مازالت تتلقى الأسلحة وتقوم بتدعيم مواقعها داخل لبنان. ودعا "بان" في تقريره المجموعة الدولية للمساعدة في تأمين الحدود مع سورية، كما دعا سورية وإيران إلى احترام الحظر الدولي المفروض على نقل وتقديم الأسلحة للمنظمات غير الرسمية في لبنان. ومن المسائل الأخرى التي شكلت تحدياً لمهمة "يونيفيل" ولسيطرة الدولة اللبنانية كان إطلاق مجهولين لصواريخ الكاتيوشا على إسرائيل في 17 حزيران/يونيو ورد هذه الأخيرة بإطلاق خمسة صواريخ على الأراضي اللبنانية.

ولاشك أن مهمة "يونيفيل" ستضعف بشكل خطير إذا تكرر الهجوم الذي وقع على الدورية الإسبانية في حزيران/يونيو الماضي، وتسبب بمقتل ستة جنود وجرح اثنين آخرين من أفراد هذه الدورية. ورغم أنه لم تعرف حتى الآن بشكل قاطع هوية مرتكبي هذا الهجوم، فإنه أثار انتقادات وتساؤلات كثيرة؛ حيث صدرت بيانات الشجب على قتل الجنود عن العديد من الفرقاء اللبنانيين، وهو أقل ما يمكن أن يحصل، كما قامت كل من قيادة القوة الأممية والحكومة اللبنانية وقيادة حزب الله بالتحقيق في هذا الهجوم. ولكن ما أقلق الحكومة اللبنانية وأصدقاءها في الداخل والخارج كان هو الخوف من التداعيات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة لمهمة القوة الدولية وقدرتها على الاستمرار فيها عندما تتجدد بعد سنتها الأولى. وقد تبدد هذا القلق بعد أن أصدرت الحكومة الإسبانية وقيادة "يونيفيل" بيانات تؤكد ثباتها رغم المخاطر والصعاب.

وثمة ضرورة الآن لحث العالم العربي والمجموعة الدولية على التحرك لاستخراج التزام دولي بتوسيع وتدعيم وتقوية مهمة "يونيفيل" في المرحلة القادمة، فالمهمة الأساسية لهذه القوة كما رسمها القرار 1701 تتجنب استعمالها كقوة قتالية في أعمال هجومية، لكن ذلك لا يمنع من قيامها بمهام وأعمال يمكن أن تساعد الجيش اللبناني في تطبيق هذا القرار. ونتوقع أن يساعد تقوية وتدعيم "يونيفيل"، تحديداً، في الأمور الآتية:

أولاً: تأكيد الدعم العربي والعالمي للدولة اللبنانية التي تواجه اليوم تهديداً إرهابياً على يد إحدى الفصائل المتعاونة مع تنظيم القاعدة، أي "فتح الإسلام" التي ترصدت وقتلت جنوداً لبنانيين، ومنظمات أخرى غير رسمية داخل وخارج المخيمات الفلسطينية وعلى طول الحدود مع سورية. وفي الحقيقة، فإن تقديم هذا الدعم سيؤكد الالتزام العربي والدولي بسيادة القانون، التي هي جزء لا يتجزأ من سيادة الدولة، من ناحية، وعلى الأهمية المستمرة لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، من ناحية ثانية. كما أن مساعدة الدولة اللبنانية الآن ستمثل، في نفس الوقت، دعماً للحكومة الشرعية برئاسة "فؤاد السنيورة" في قيادة هذا البلد في المرحلة الحرجة الحالية من التحضير للانتخابات الرئاسية والتخطيط للنهوض الاقتصادي.

ثانياً: يمكن لقوة دولية مثل "يونيفيل" أن تأخذ على عاتقها مهمة مراقبة الحدود اللبنانية-السورية لمنع تهريب الأسلحة غير الشرعية وضبط حركة الأفراد. وقد تحتاج هذه المهمة لمزيد من الأفراد والعتاد وقد تستعمل الطائرات أو المراقبة من خلال الأقمار الاصطناعية، فلم تستطع السلطات اللبنانية وقوى الجيش حتى الآن أن تؤمن مراقبة فعالة للحدود ونقاط العبور بين لبنان وسورية، رغم النجاح في اعتراض بعض الشاحنات المحملة بالأسلحة. وفي الواقع، سيحتاج هذا العمل إلى موافقة وتعاون سورية وإلى خطة دقيقة تضعها الأمم المتحدة لترسيم وتحديد الحدود بين البلدين؛ حيث ترفض سورية حتى الآن طلبات الحكومة اللبنانية عقد محادثات حول قضية الحدود، وخاصة في منطقة مزارع شبعا في الجنوب الشرقي من لبنان، كما أن أصدقاء دمشق في المعارضة اللبنانية يستعملون الأمر للنيل من الحكومة اللبنانية على أنها تعمل على الانشقاق عن الصف العربي والذي يتمثل لهم من خلال علاقات متينة مع سورية.

ثالثاً: إن دوراً قوياً "لليونيفيل" سيساعد الدولة اللبنانية على إعادة بسط سلطتها في الجنوب والتصدي لأي عمل إسرائيلي ضد أراضيها. فمن المعروف أنه منذ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني عام 2000 وحتى عام 2006، وبسبب قرار اتُخذ أثناء السيطرة السورية على القرار السياسي اللبناني، كان هناك وجود رمزي فقط للجيش اللبناني على الحدود، وكانت مسائل الأمن والدفاع في عهدة حزب الله كقوة موجودة على الأرض، وهو ما استغله حزب الله الذي حاول أن يتصرف وكأنه دولة ذات سيادة فقام بعمله العسكري ضد إسرائيل في تموز/يوليو الماضي، والذي أدى إلى نشوب حرب الأسابيع الخمسة التي انتهت بقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي أعاد بدوره الجيش اللبناني إلى الجنوب. وهكذا ستكون تقوية "يونيفيل" عوناً للدولة اللبنانية على إعادة بسط سيطرتها على أراضيها في الجنوب وعلى اضطلاعها بمهمة الدفاع الوطني من خلال قواتها المسلحة.

لقد أظهر العالم منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان التزاماً بدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتقوية حكومتها الشرعية. وكانت مهمة "يونيفيل" عندما أُقرت في صيف عام 2006 الخطوة الصحيحة. لكن ما هو المطلوب الآن هو تقوية هذه القوة وتدعيم مهمتها كي تستطيع الدولة والحكومة بسط سلطتهما الشرعية على كل الأراضي اللبنانية ومحاربة إرهابيي الشرق الأوسط الذين يعبثون بأمن لبنان.

Share