مضامين تلفيقية لمشكلة اللاجئين

إبراهيم عبدالكريم: مضامين تلفيقية لمشكلة اللاجئين

  • 27 أبريل 2008

تبنى مجلس النواب الأمريكي قراراً مطلع شهر أبريل/نيسان الجاري، حمل الرقم 185، يتضمن اعتبار اليهود الذين تركوا الدول العربية واستوطنوا في فلسطين المحتلة أو في دول أخرى "لاجئين"، بذريعة أنهم طُردوا أو أُجبروا على ترك تلك الدول بسبب الصراع العربي-الإسرائيلي، معززاً بذلك قراراً آخر كان الكونغرس الأمريكي قد اتخذه قبل أربع سنوات حول "قضية اللاجئين" في الشرق الأوسط، تطرق فيه لأول مرة لموضوع "اللاجئين اليهود" من الدول العربية إلى إسرائيل. وطالب القرار الجديد الرئيس الأمريكي بأن يصدر أوامره لمندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة في أي محادثات ثنائية أو متعددة الأطراف، بأن يعمل على "أن يتناول كل قرار متعلّق بتسوية شاملة ودائمة للصراع العربي-الإسرائيلي حلّ كلّ القضايا العالقة المعنية بالحقوق الشرعية لكل اللاجئين في الشرق الأوسط، بمن فيهم اليهود والمسيحيون، وغيرهم من المهجّرين من دول المنطقة".

 ولدى وضع هذا الحدث الجديد في سياقه التاريخي، صراعياً وسياسياً وحقوقياً، يبدو للمراقب أن هناك محاولة إسرائيلية-أمريكية نشطة لحقن مشكلة اللاجئين بمضامين تلفيقية، وشن هجوم معاكس على حق العودة للاجئين الفلسطينيين.. كيف؟

  ثمة ادعاء إسرائيلي تقليدي بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي "نتاج مباشر لعدوان العرب في عام 1948، والمعتدي هو الذي يتحمل كامل المسؤولية عن نتائج عدوانه، وأن إسرائيل لا تتحمل أي مسؤولية عن هذه المشكلة، وبالتالي فهي ليست جزءاً من الحل".. والآن، يثار موضوع "اللاجئين اليهود" ليظهر ما جرى بقيام إسرائيل عام 1948 بأنه كان مجرد "تبادل سكاني"، تمّ في إطاره إسكان "اللاجئين اليهود" الذين وصلوا إلى إسرائيل في مخيمات لاجئين حملت اسم "معسكرات استيعاب المهاجرين"، ثم جرى استيعابهم في "وطنهم"!!، لكن اللاجئين الذين خرجوا من إسرائيل تم إسكانهم في مخيمات لاجئين، وجرى تخليد مشكلتهم كجرح مفتوح نازف وبشكل مقصود. وبذلك يترتب على هذا التقابل الإسرائيلي المصطنع إظهار الطرفين اليهودي والفلسطيني على أنهما ضحية للصراع العربي-الإسرائيلي، على جبهتي المواجهة، مع إغفال حقيقة أن إسرائيل قامت بعملية طرد وتهجير مبرمجة للفلسطينيين من بلادهم، بالتوازي مع تسميم العلاقات بين اليهود العرب في البلاد العربية، والضغط والتآمر لحملهم على الهجرة إلى إسرائيل، لتوظيفهم في استكمال المشروع الصهيوني.

 وتبرز في هذا الشأن، رواية إسرائيلية حول انتقال اليهود من الدول العربية والإسلامية إلى دولة إسرائيل، تذهب إلى أن هذا الانتقال تمّ بشكل قسري، بسبب سياسة الطرد التي اتبعتها الأنظمة العربية، وتحت وطأة التهديد وممارسة أساليب الرعب واللجوء إلى القوة التي عرضت حياة اليهود للخطر وجعلتها لا تطاق، حتى إنه يجري الحديث عن "فظائع"، تعرض لها هؤلاء اليهود على يد حكومات مارست التطهير العرقي ضدهم، من خلال استخدام وسائل قمع متعددة، وملاحقات ومطاردة، وسن قوانين عنصرية، وانتهاك حقوقهم، وتعرض أملاكهم للنهب والمصادرة.

وحين يتعلق الأمر بالبعد الإحصائي للمسألة، تدّعي الرواية الإسرائيلية، التي كانت حاضرة في خلفية قرار الكونغرس، أن نحو 850 ألف يهودي غادروا الدول العربية في عام 1948، وحتى بداية السبعينيات تم استيعاب نحو 600 ألف شخص منهم في إسرائيل، وتقدر معطيات الأمم المتحدة عدد اللاجئين الفلسطينيين الأساسيين بنحو 720 ألف نسمة، وهو ما يبين أن عدد اليهود الذين طردوا أو تم إرغامهم على المغادرة في أعقاب الملاحقات من الدول العربية أكبر بكثير من عدد اللاجئين العرب الذين فروا أو تمّ طردهم من إسرائيل في عام 1948. كما تقدر مساحة الأراضي التي كانت بملكية اليهود في الدول العربية بنحو 100 ألف كم2، الجزء الأكبر منها في العراق، أي نحو خمسة أضعاف المساحة التي أقيمت عليها دولة إسرائيل، كما أن الممتلكات التي صودرت من اليهود في الدول العربية أكبر بمرات عدة من جميع الممتلكات التي تركها اللاجئون العرب، ففي العراق وحده ترك اليهود أملاكاً تقدر بنحو 20 مليار دولار!!. والنتيجة المترتبة على ذلك كله، هي أن الظلم الذي لحق باللاجئين الفلسطينيين صغير تماماً بالمقارنة مع الظلم الذي لحق باللاجئين اليهود من الدول العربية، وأن الدعاية الفلسطينية والعربية هي وراء تضخيم أسطورة الطرد واللجوء للفلسطينيين!!.

 وفيما يهدف قرار الكونغرس إلى مساعدة إسرائيل في التصدي لمطلب عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم، وحمايتها من الدمار عن طريق إغراقها بالفلسطينيين، يقوم هذا القرار بضخّ مضامين جديدة للفقرة التي تضمنها قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، عبر تفسير خاص واستثمار مغرض للعبارة الغامضة الواردة فيه حول "حلّ عادل لمشكلة اللاجئين"، التي لم تتضمن بالتحديد كلمة "الفلسطينيين"، ليجري تعميمها بحيث تشمل من جرت تسميتهم "اللاجئين اليهود".

 وجاء قرار الكونغرس ليعطي زخماً شديداً لحملة "استعادة الأملاك اليهودية في الدول العربية"، التي يقودها المؤتمر اليهودي العالمي، بالتعاون مع المنظمة العالمية لليهود المهاجرين من الدول العربية"(ووزاك). وكانت الجهود الصهيونية التي بذلت في هذا الصدد قد شهدت العديد من "المكتسبات" في مسار تلك الحملة، فعلى سبيل المثال؛ تضمنت مذكرة التفاهم التي وقّعها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، ووزير خارجيّة إسرائيل في حينه موشي ديان (في 4/10/1977) أنّ "حل قضية اللاجئين العرب واللاجئين اليهود تتم مناقشته في إطار القوانين التي اتفق عليها"، وخلال مباحثات كامب ديفيد الثانية (عام 2000) وافقت إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على الاعتراف بيهود الدول العربية كمهاجرين. وتمكنت التنظيمات الصهيونية من تجنيد البروفيسور أرفين كوتلر، وزير العدل السابق في الحكومة الكندية، المعروف بمكانته القانونية الدولية على صعيد حقوق الإنسان، لتولي منصب المتحدث الرسمي باسم الحملة. كما جرى خلال السنوات الماضية عقد المؤتمرات وحلقات البحث التوثيقية حول يهود الدول العربية وأملاكهم وسبل العمل لشرح قضيتهم، وأخذت هيئات أمريكية جديدة تنشط لإعادة طرح الموضوع على الأجندة العامة والسياسية، والسعي إلى تأكيد أن "مشكلة اللاجئين" ليست مقتصرة على الفلسطينيين، وأهمها: منظمة العدالة ليهود الدول العربية (JJAC) وهي ائتلاف لمنظمات يهودية تعمل برعاية مؤتمر رؤساء الاتحاد السفاردي الأمريكي، بالتعاون مع المجلس اليهودي الأمريكي والكونغرس "السفاردي" العالمي، وغيرهما. وهناك منظمة أخرى تتبنى أهدافاً سياسية مشابهة لسابقتها، تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، وتنشط من أجل يهود بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (JIMENA). وقد نجحت هاتان المنظمتان في إقناع الرئيس بوش بالإدلاء بتصريح غير مألوف، خلال زيارته لإسرائيل، أكد فيه أنه يعي "المصير الذي حلّ بيهود الدول العربية وعدد اللاجئين اليهود الذين اقتلعوا وشردوا في الفترة التالية لحرب 1948"، كما نجحت الهيئتان باستصدار قرارات من الكونغرس تدعو إلى التطرق صراحة إلى حل قضية اللاجئين اليهود من الدول العربية، ضمن بنود أي اتفاقيات سلام مستقبلية تتناول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وتمكنتا أخيراً من استصدار القرار الأخير لمجلس النواب، الذي يرسم نقطة تحول نوعي، عبر الاعتراف بوجود "مشكلة اللاجئين اليهود من الدول العربية". 

 وعلى الرغم من أن هناك احتمالاً، بعد القرار الأخير، بزيادة التركيز الإسرائيلي على استعادة أملاك اليهود في الدول العربية، إلا أن تحري أبعاد هذا القرار يستدعي ملاحظة الجوانب الإشكالية التي يثيرها مصطلح "اللاجئين اليهود" في وجه الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين. فمثلاً، يستحضر هذا المصطلح تحدياً لهوية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي تسمى بالعبرية "عالياه"(صعود) إلى "أرض إسرائيل"، لتظهر الآن بأنها "هجيراه"(هجرة) على غرار الهجرات الأخرى، وهذا يعني أن فلسطين استقبلت مهاجرين لاجئين طردوا من أوطانهم الأصلية، ولم يصلوا إليها بسبب الصهيونية التي "أعادتهم إلى وطنهم"، فضلاً عن أن هناك إمكانية لازدياد الحديث على الساحة الدولية، خلافاً للتوجهات الإسرائيلية، عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وضمناً حقهم في العودة والتعويض. وهذه مناسبة لتحرك فلسطيني عربي في هذا المنحى.. وبذلك ربما ينطبق على المحاولة الإسرائيلية الجديدة للتلاعب بهذه المشكلة المثل الصيني؛ "يرفع صخرة لتسقط على قدميه".

Share