مصير "طالبان باكستان" بعد مقتل زعيمها بيت الله محسود

دز عبدالعزيز شادي: مصير "طالبان باكستان" بعد مقتل زعيمها بيت الله محسود

  • 13 سبتمبر 2009

أثارت أنباء مقتل زعيم حركة "طالبان باكستان"، بيت الله محسود، متأثراً بجراحه التي أصيب بها جراء القصف الأمريكي، كثيراً من القراءات والتوقعات حول مصير هذه الحركة، التي تمر بمرحلة مصيرية، ليس فقط في تصديها للقوات الأمريكية والباكستانية، وإنما أيضاً في الحفاظ على تماسكها واحتواء الخلافات الداخلية التي نشبت وسط صفوفها وبين قياداتها على خلافة بيت الله محسود.

وكان بيت الله محسود قد ولد في عام 1970 في قرية "لاندي دهوك" في منطقة بانو في إقليم وزيرستان بباكستان، وهو ينتمي إلى قبيلة محسود، أكبر قبائل جنوب وزيرستان، والتي يمثل أفرادها نحو 60% من سكان هذه المنطقة البالغ عددهم 700 ألف نسمة. ولم يلتحق بيت الله محسود بأي مدرسة حكومية أو دينية، لكن النشأة الجهادية التي تربى عليها جاءته من بيئته التي نشأ فيها؛ حيث عمل مساعداً لشقيقه قائد حركة "طالبان باكستان" السابق عبد الله محسود، وحارب في سن مبكرة ضد قوات الاحتلال السوفيتية في أفغانستان. وعندما قُتل شقيقه عبد الله في تبادل لإطلاق النار في أواخر يوليو 2007 في منطقة زهوب بإقليم بلوشستان، أصبح بيت الله قائداً وحيداً لا منازع له في منطقة جنوب وزيرستان وما حولها، ثم تولى قيادة الحركة، وتعدى تأثيره الحدود الباكستانية ليصل إلى العاصمة الأمريكية على الرغم من صغر سنه.

وعمل بيت الله محسود كهمزة وصل بين حركة "طالبان باكستان" وتنظيم القاعدة، الذي ازداد نفوذه وتأثيره على هذه الحركة منذ عام 2007، وتحديداً بعد أحداث المسجد الأحمر،  كما كان يشكل همزة وصل بين "طالبان باكستان" و"طالبان أفغانستان"، وساعده على ذلك أنه عمل لفترة مع طالبان أفغانستان، بالرغم من تبني هذه الأخيرة استراتيجية مختلفة عن تلك التي كان يتبناها بيت الله محسود؛ حيث كان يجيز القتال ضد الجيش الباكستاني، في حين كانت حركة طالبان أفغانستان تدعو إلى القتال ضد الاحتلال والوجود الأجنبي في أفغانستان ويطالبون بعدم إثارة مشكلات للقوات الباكستانية، بالرغم من وجود عناصر داخل حركة طالبان أفغانستان كانت تؤيد نظريات وأفكار بيت الله محسود.

وكان بيت الله محسود يمثل رمزاً لحركة "طالبان باكستان" ولوحدتها وتماسكها؛ حيث تمكن من إنهاء الانقسامات التي كانت موجودة بين 13 قبيلة وفصيلاً، وتوحيدهم تحت سيطرته بعد توليه منصب أمير الحركة في ديسمبر سنة 2007. كما أعاد للشبكة الجهادية في باكستان وأفغانستان عنفوانها، وجمع أمراء الحرب من قبائل البشتون والمجاهدين من إقليم البنجاب؛ إذ كان المسؤول الأول عن سلسلة الاعتداءات التي أدت إلى سقوط أكثر من ألفي قتيل في مختلف أرجاء البلاد خلال سنتين. وتتهمه السي‏.‏آي‏.‏إيه ونظيرتها الباكستانية بالوقوف وراء العديد من الهجمات الإرهابية، من بينها الاعتداء الذي أودى بحياة زعيمة المعارضة الباكستانية بي نظير بوتو.

وفي فبراير 2008 شكَّل محسود مع خصومه "مولاي ناظر" الذي يبسط هيمنته على سهول جنوب وزيرستان المنخفضة وتلالها، و"حافظ ?ول بهادور" في شمال وزيرستان تحالفاً أطلقوا عليه اسم "مجلس المجاهدين المتحد" من أجل التصدي لمقدم 21 ألف جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان في وقت لاحق.

‏وبالتالي فإن مقتل محسود سيكون له بالضرورة تأثيره على حركة "طالبان باكستان" تنظيمياً وعسكرياً، ولاسيما في ظل الأجواء غير العادية التي تعيشها الحركة، لجهة اشتداد الحملة التي تشنها القوات الأمريكية والجيش الباكستاني عليها في منطقة القبائل، وحالة الاقتتال الداخلي التي نشبت بين بعض قادة الحركة على خلافة محسود، والتي أدت إلى مقتل واحد أو عدد من قادة الفصائل المتصارعة.

وعلى الرغم من حقيقة أن مقتل بيت الله محسود قد يكون له تأثيره السلبي على حركة "طالبان باكستان"، فإن المراهنة على ضعف الحركة أو انهيارها بعد وفاته لن تكون مبنية على أسس واقعية، وذلك بالنظر إلى عدة أمور: أولها؛ أن حركة طالبان لا تقوم على أفراد، وإنما أصبحت تمثل فكراً في تلك المنطقة، ولا يعني مقتل شخصية قيادية من تلك الحركة أنها ستنتهي، بل قد تأتي قيادات أقوى من السابقة لتقود الحركة، وتطور الحركة يؤكد ذلك. فقد ظهرت هذه الحركة إلى الوجود عام 2002 تحت قيادة "نيك محمد"، الذي استمر في قيادتها إلى شهر أكتوبر 2004، حين قتل في قصف صاروخي أمريكي موجه، ليخلفه شخص آخر ربما يكون أكثر قوة وهو عبدالله محسود، الذي استهل نشاطه بقتل بعض الرهائن الصينيين وارتكاب عمليات قتل ضد الجنود الباكستانيين، قبل أن تتم تصفيته في نوفمبر 2007،  ليخلفه بيت الله محسود الذي زاد من فاعلية وقوة الحركة ودمويتها.

وثانيها: أن المراهنة على دخول قادة الحركة في اقتتال داخلي على الخلافة، يضعف من قوتها ويسهل من عملية تصفيتها، سرعان ما ثبت عدم دقتها بعد تدخل الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، والرجل القوي في "طالبان أفغانستان"، المولوي سراج الدين حقاني، لإنهاء النزاع على قيادة الحركة؛ حيث توسط الرجلان بين القادة المتصارعين في الحركة، وتمت الدعوة إلى احترام رغبة بيت الله محسود في أن يستخلفه حكيم الله محسود في قيادة "طالبان باكستان"، ونجحت هذه الوساطة بالفعل في تثبيت حكيم الله في منصب "الأمير" الجديد للحركة. وإذا استقرت الأمور على هذا النحو وتحقق الإجماع الداخلي على قيادة "حكيم الله محسود"، فإن هذا سيعني أن نفوذ تنظيم القاعدة على حركة "طالبان باكستان" سيتعاظم في المرحلة القادمة، الأمر الذي يعني أن هذه الحركة قد تتجه نحو مزيد من التشدد والتطرف وليس العكس.

الأمر الثالث، أن مقتل بيت الله محسود، قد يدفع الحركة إلى تنفيذ عمليات انتقامية ويزيد من إصرارها على مواصلة "الجهاد المسلح" ضد القوات الأمريكية والباكستانية، وقد شنت الحركة في الفترة الأخيرة بالفعل بعض العمليات الانتقامية، ومن ذلك الهجوم الذي تعرض له وزير الشؤون الدينية، حامد سعيد كاظمي، في الثاني من سبتمبر الجاري، والذي أسفر عن مقتل سائقه، وإصابته هو وحارسه الشخصي إصابات خطرة.

ومع ذلك فإن هناك من المحللين من يرى أن مقتل بيت الله محسود قد يضعف من "طالبان باكستان" ويدفعها إلى تغيير استراتيجيتها، وربما التنسيق مع الحكومة الباكستانية، التي ترغب في إعلان الهدنة في منطقة القبائل، ووقف جميع العمليات العسكرية فيها، بل إن بعض هؤلاء ذهب إلى حد مطالبة الجيش الباكستاني بتكثيف عملياته العسكرية للاستفادة من الظروف الراهنة التي تمر بها الحركة من حيث التشرذم والانقسام لإضعافها وتصفية قادتها، أسوة بما فعل في وادي سوات، بالرغم من أن نتائج الحملة على سوات لم تكن على المستوى المأمول، محذرين من أن عدم استغلال هذه الفرصة سيدفع القاعدة إلى تعزيز هيمنتها على الحركة، الأمر الذي سيشكل تهديداً أكبر لباكستان والمنطقة.

ليس من الواضح بعد حدود التأثير الذي سيتركه مقتل بيت الله محسود على حركة "طالبان باكستان"، ولكن الواضح بشكل جلي أن هذه الحركة لن تنهار أو تضعف بموت زعيمها، ولكنها قد تغير من استراتيجيتها بحسب طبيعة الظروف السائدة، وستحدد الأيام المقبلة حدود هذا التغيير المحتمل، وما إذا كان سيكون إيجابياً أم سلبياً لباكستان والمنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات