مصر ومحاولة تفكيك هيمنة تركيا في غرب ليبيا

  • 4 يناير 2021

شهدت طرابلس مؤخرًا زيارتين متتاليتين؛ كل منهما على طرفي النقيض من حيث الرؤى والأهداف؛ كانت الأولى يوم السبت 26 ديسمبر لوزير الدفاع التركي خلوصي أكار وقادة كبار في الجيش التركي، أما الثانية فكانت في اليوم التالي لوفد أمني ودبلوماسي مصري رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس جهاز المخابرات المصرية ومدير الملف الليبي به اللواء أيمن بديع.
جاءت زيارة الوفد التركي المفاجِئة بعد نحو أسبوع من تصديق البرلمان التركي على تمديد إمكانية إرسال جنود أتراك إلى ليبيا لمدة ثمانية عشر شهرًا أخرى، وفي اليوم التالي لكلمة المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي في 25 ديسمبر بمناسبة ذكرى استقلال ليبيا الـ 69 التي قال فيها: «استعدوا أيها الضباط والجنود الأبطال.. ما دامت تركيا ترفض منطق السلام واختارت لغة الحرب، فاستعدوا لطرد المحتل».

التقى أكار خلال الزيارة نظيره في حكومة الوفاق الليبية صلاح الدين النمروش ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وألقى كلمة أمام القوات التركية العاملة في ليبيا هدد فيها قوات المشير حفتر وداعميه بقوله: «ليعلم المجرم «حفتر» وداعموه أننا سنعتبرهم هدفًا مشروعًا في جميع الأماكن بعد كل محاولة اعتداء على قواتنا».

استهدفت الزيارة تأكيد الحضور العسكري التركي في غرب ليبيا، وعدم خروج المرتزقة، والسعي لإفشال نتائج الحوار السياسي الذي أسفرت عنه اجتماعات اللجنة العسكرية (5 + 5) واللجنة الدستورية في القاهرة، والعمل على إشعال توترات أمنية لعودة الأمور إلى الاقتتال مجددًا.

أما زيارة الوفد المصري لطرابلس فهي الزيارة الرسمية الأولى منذ إغلاق السفارة المصرية فيها في يناير 2014 إثر تعرض عدد من موظفيها للاختطاف على أيدي ميليشيات مسلحة. وبرغم أنها أتت في اليوم التالي لزيارة الوفد التركي فإنها لم تكن رد فعل عليها، وإنما كانت في إطار استراتيجية القاهرة لتوسيع أطر انفتاحها على القوى السياسية والعشائرية من جميع أقاليم ليبيا، والاتجاه نحو بلورة «نمط تعاون» مع السلطات في «طرابلس» بالتوازي مع مسار الحوار السياسي الذي يجري تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة.

وخلال الزيارة، ناقش نائب رئيس المخابرات المصرية مع رئيس المخابرات الليبية عماد الطرابلسي، وزير الخارجية محمد سيالة، والداخلية فتحي باشاغا عددًا من القضايا المهمة؛ من أبرزها: تأكيد وقف إطلاق النار، والتعاون الأمني، وخاصة في المجال البحري، وإعادة الرحلات الجوية بين القاهرة وطرابلس، واحتمالية إعادة فتح السفارة المصرية قريبًا. وفي اليوم التالي اتصل وزير الخارجية المصري سامح شكري هاتفيًّا بنظيره الليبي محمد سيالة وشكره على استقبال الوفد المصري، وأعرب عن حرص القاهرة على استمرار التعاون، وأمله أن تكون الزيارة خطوة جدية في هذا الاتجاه.
وتشير زيارة الوفد المصري إلى طرابلس، بعد زيارة فايز السراج وفتحي باشاغا، كلًا على حدة في أكتوبر 2020 إلى القاهرة، ثم استضافة مصر اجتماعات الحوار السياسي الليبي، إلى محاولة اختراق مصرية لمناطق النفوذ والهيمنة التركية، وإتاحة الفرصة لبلورة «تفاهمات» أكثر ميلًا نحو الموقف العربي من الحل السياسي للصراع في ليبيا بهدف تشجيع «حكومة الوفاق» على الوفاء بمتطلبات الحوار السياسي وإخراج المرتزقة ومنع تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقد علّق وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الأربعاء 30 ديسمبر 2020 عقب اجتماع تقييم أداء وزارته خلال العام الماضي 2020 بمقر الخارجية التركية، على زيارة الوفد المصري لطرابلس وأنها غير مرتبطة بزيارة الوفد التركي، وأكد أن بلاده لا ترغب في الصدام مع مصر في الملف الليبي، وهي حريصة على عدم تضارب مصالحها مع القاهرة، سواء في ليبيا أو غيرها من الملفات الإقليمية، كما قال: «من الطبيعي أن تؤثر الأحداث في ليبيا في جارتها مصر، على غرار تأثر تركيا بتطورات الأوضاع في سوريا العراق».
ويرجح أن تركيا شعرت أن مفاوضات الحل السلمي قد تتقدم بوتيرة أسرع، مع إمكانية سحب مصر البساط من تحت قدميها في غرب ليبيا؛ ما يجعل مغادرة القوات التركية والمرتزقة ليبيا مسألة وقت. ومن ثم تناور تركيا، في الآن ذاته، بخطاب الحوار والتفاهم مع مصر حتى لا تخسر على جميع المحاور.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات