مصر وحزب الله: حدود التوتر وأبعاده

مصر وحزب الله: حدود التوتر وأبعاده

  • 15 أبريل 2009

دخلت العلاقة المتوترة بين مصر و"حزب الله" اللبناني مرحلة جديدة من التصعيد، بعد إعلان السلطات المصرية، مؤخراً، إلقاء القبض على شبكة تابعة للحزب تضم 49 شخصاً من المصريين واللبنانيين والفلسطينيين، بتهمة التخطيط لتنفيذ "عمليات عدائية" داخل الأراضي المصرية، والسعي إلى "نشر الفكر الشيعي" في مصر، واعتراف الحزب نفسه بأن أحد أعضائه تم اعتقاله بالفعل ضمن هذه الشبكة، بالرغم من نفيه للاتهامات المصرية.

وبطبيعة الحال، لا يمكن فهم طبيعة التوتر الحالي في العلاقة بين مصر و"حزب الله" بمعزل عن التطورات الإقليمية السابقة، والتي تباينت مواقف الجانبين بشأنها بدرجة كبيرة وصلت إلى حد الصدام وتبادل الاتهامات، وكانت البداية خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف عام 2006، عندما حمّلت القاهرة "حزب الله" مسؤولية جر لبنان إلى هذه الحرب، التي تسببت في مقتل أكثر من 1200 لبناني وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحية في هذا البلد، عبر القيام بأسر جنديين إسرائيليين في العملية التي أطلق عليها اسم "الوعد الصادق" لمبادلتهم بأسرى لبنانيين، وهو الموقف الذي اعتبره الحزب بمنزلة عدوان على المقاومة، وتشجيع لإسرائيل والولايات المتحدة على مواصلة عدوانهما بهدف القضاء على الحزب.

وتفاقم هذا التوتر بين الجانبين خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي (2008)، عندما وجه أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله انتقادات قوية لمصر بدعوى أنها شاركت في الحصار المفروض على غزة من خلال إغلاق معبر رفح، وأنها كانت على علم مسبق بالعدوان الإسرائيلي على القطاع، بل تمّ اتهامها بالتنسيق مع إسرائيل في شن هذا العدوان وبأنها شريكة في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الرامي إلى فرض ما قال إنها تسوية مذلة على العرب، وذهب إلى أبعد من ذلك بتدخله غير اللائق في الشؤون الداخلية المصرية عندما حرض المصريين والعسكريين على الخروج إلى الشارع للضغط على النظام المصري من أجل فتح معبر رفح، وهي التصريحات التي وصفها وزير الخارجية المصري بأنها "حرب معلنة ضد مصر"، متهماً نصر الله بالسعي إلى نشر الفوضى في المنطقة خدمة لمصالح قوى معينة.

وعلى الرغم من أن الأزمة الأخيرة بين مصر و"حزب الله" تمثل امتداداً للأزمات السابقة، فإنها تعكس تطوراً أكثر خطورة؛ ففي الأزمات السابقة كان الأمر يدور حول اختلاف في وجهات النظر السياسية إزاء كيفية معالجة بعض القضايا والملفات الإقليمية، مع الاعتراف بعمق هذه الاختلافات، أما الأزمة الحالية؛ فتتجاوز مجرد الاختلاف السياسي لتصل إلى حد قيام الحزب، ربما للمرة الأولى، بانتهاك مباشر للسيادة المصرية من خلال إرسال عناصر تابعة له للقيام بمهام محددة على الأراضي المصرية دون علم من الدولة، بصرف النظر عن طبيعة هذه المهمات أو الهدف منها، وهو أمر لم ينفه الحزب، بل أكده أمينه العام السيد حسن نصر الله عندما اعترف بأن اللبناني، سامي شهاب، الموقوف لدى السلطات المصرية، عضو بالحزب، وأنه كان يدير عمليات لوجيسيتة على الحدود المصرية-الفلسطينية، لمساعدة الفلسطينيين في نقل عتاد وأفراد لمصلحة المقاومة في داخل الأراضي المحتلة، وكأن الأرض المصرية أصبحت أرضاً مستباحة يحق للحزب وغيره استخدامها كمنطلق لتنفيذ أهدافهم.

وإذا ما تم أخذ هذا التطور بعين الاعتبار، إضافة إلى وجود قناعة مصرية تامة بأن "حزب الله" اللبناني هو مجرد ذراع لإيران ينفذ أجندتها ويأتمر بأوامر قيادتها، وأداة تستخدمها في سعيها لفرض هيمنتها الإقليمية، فإنه يمكننا أن نفهم سبب الحملة العنيفة التي شنتها وسائل الإعلام المصرية، وتلك المحسوبة على "تيار الاعتدال" العربي، ضد الحزب وأمينه العام، والتي وصلت إلى حد اتهامه بتصدير الإرهاب إلى مصر، والمطالبة بمحاكمته كمجرم حرب، ونعته بألفاظ غير لائقة. وركزت هذه الحملة على توجيه انتقادات عدة للحزب وقيادته، أولها: أن ما قام به يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة المصرية لا يمكن قبوله أو تبريره تحت أي ذريعة من الذرائع، حتى لو كان هذا المبرر هو دعم الفلسطينيين ومساعدتهم، وهو المبرر الذي أصبح الشماعة التي يتم تعليق كل الأخطاء عليها، ويتم استخدامها للقيام بكل ما هو مشروع وغير مشروع، فهذا المبرر هو نفسه الذي استخدمه صدام حسين في غزوه للكويت، واستخدمه بن لادن في تبرير هجماته الإرهابية التي ضربت مناطق مختلفة من العالم، ويستخدمه الآن حزب الله في نشر الفوضى والتعدي على سلطة الدولة داخل لبنان وخارجها. وثانيها: أن الحزب، ومن خلال هذا السلوك، كان ينفذ أجندة إيرانية تستهدف زعزعة الاستقرار في مصر، وربما توريطها في حرب إقليمية، بهدف إضعافها والنيل من مكانتها، باعتبار أنها تمثل حجر عثرة أمام فرض الهيمنة الإيرانية على المنطقة. أما ثالث هذه الانتقادات فركزّ على اعتبار أن ما قام به "حزب الله" يمثل سابقة خطيرة في التطاول على مصر يتعين الرد عليها بقوة، ولاسيما أن الحزب لا يجرؤ على القيام بمثل هذا السلوك على الجبهة السورية-الإسرائيلية، أو عبر الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، التي مُنع الحزب من القيام بأي أدوار عسكرية فيها بموجب القرار 1701، وهو ما يؤكد أن هدف الحزب من هذه العملية ليس مساعدة الفلسطينيين بقدر ما كان يمثل محاولة للإضرار بالأمن القومي المصري.

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى "حزب الله" على الأطراف المحسوبة على "تيار الاعتدال"، بل وجد هذا السلوك من ينتقده حتى من داخل الطائفة الشيعية نفسها؛ حيث أكد المرجع الشيعي اللبناني، على الأمين، أن الحزب لا يتصرف بقراره وإنما بقرار إيراني، وأن ما قام به يمثل سلوكاً مرفوضاً لأنه يمثل تدخل في شؤون دولة أخرى لها سيادتها وإرادتها ومن حقها أن تمنع ما تراه متعلقاً بأمن شعبها، مؤكداً أن الحزب لا ينبغي أن يحدد بمفرده الطريقة التي يتم من خلالها دعم الشعب الفلسطيني ورفع الأذى عنه، وكان عليه أن يعود إلى السلطات المصرية، ولاسيما أن مصر كانت ومازالت أكبر داعم للقضية الفلسطينية وقدمت لها الكثير.

وأمام هذه الحملة العنيفة، سارع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله إلى الرد على هذه الاتهامات، نافياً ما ورد فيها بشأن الإضرار بالأمن القومي المصري، أو نشر التشّيع في مصر، أو استهداف المناطق السياحية، ومؤكداً أنه لا يتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عربية، وأن ما كان يقوم به عضو الحزب على الحدود المصرية-الفلسطينية هو فقط تقديم الدعم للمقاومة الفلسطينية، وهو أمر اعتبره مدعاة للفخر، ولا يمثل جريمة. وقد وجد نصر الله من يدافع عن سلوكه، ولاسيما من قبل حلفائه في "محور الممانعة"؛ حيث أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني، علي لاريجاني، أن الضجة الإعلامية المفتعلة ضد حزب الله تهدف إلى التأثير على الانتخابات التشريعية اللبنانية، معتبراً أن ما قام به حزب الله يمثل مصدر فخر واعتزاز له بسبب وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني. ولم تكن وسائل الإعلام المصرية لتفوت هذا الموقف الإيراني الذي اعتبرته دليلاً إضافياً على وقوف إيران خلف هذا المخطط الذي كان ينفذه "حزب الله" في مصر.

كما رأى المدافعين عن الحزب أن هذه الحملة تهدف إلى زعزعة مكانة الحزب الشعبية كمدافع عن الفلسطينيين، من خلال تشويه صورته عبر الزعم بأن سلاح المقاومة لم يعد موجهاً ضد إسرائيل بل ضد العرب، ورأى آخرون أن هدف هذه الحملة المصرية هو تحويل الأنظار عن المأزق الداخلي المتفاقم للنظام المصري عبر البدء عن طرح تصورات عن وجود عدو خارجي، فيما اعتبر فريق ثالث أنها تهدف إلى التغطية على الدور الذي تقوم به مصر في إضعاف حركة حماس عبر المشاركة في الجهود الإسرائيلية والأمريكية المبذولة لوقف تهريب الأسلحة إلى داخل قطاع غزة.

وبصرف النظر عن حقيقة أيٍّ من المبررات السابقة؛ فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن "حزب الله" أخطأ في حق مصر، وكشف من خلال هذا التصرف أنه لا يحترم سيادة الدول الأخرى، وهي حقيقة تتأكد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الاتهامات الأخرى التي سبق أن وجهتها بعض الدول العربية للحزب بالمسؤولية عن أعمال التوتر التي تشهدها، مثل الاتهامات البحرينية للحزب بالتورط في تغذية أعمال التوتر والاضطراب الداخلي التي تشهدها المملكة، والاتهامات اليمنية لبعض عناصر الحزب بدعم تمرد الحوثيين في اليمن، وبالتالي فإن الحزب مطالب بإعادة النظر في كثير من مواقفه وسياساته، وأن يتصرف كحزب سياسي، وليس كدولة داخل الدولة، وأن يبتعد عن المخططات الإقليمية التي تستهدف زعزعة استقرار المنطقة العربية، وإلا فقد الكثير من رصيده لدى العالم العربي، وشعبيته الواسعة التي حققها من خلال سنوات طوال من الصراع المشرف مع إسرائيل وليس مع الدول العربية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات