مصر وإسرائيل.. توتر عابر أم أزمة بنيوية!!

فتوح هيكل: مصر وإسرائيل.. توتر عابر أم أزمة بنيوية؟

  • 13 يناير 2008

مرت العلاقات المصرية-الإسرائيلية بموجات متتالية من المد والجزر، تخللتها العديد من الخلافات والأزمات التي حرص كلا الطرفين على محاولة احتوائها وعدم تصعيدها إلى الحد الذي يمكن أن يعيدها مجدداً إلى دائرة الصراع، إلا أن هذه العلاقات شهدت توتراً ملحوظاً ومتصاعداً في الفترة الأخيرة، وصل، ربما للمرة الأولى منذ توقيع معاهدة السلام بينهما عام 1979، إلى درجة تهديد كل طرف بشكل صريح بالإضرار بمصالح الطرف الآخر، فيما عُد مؤشراً على أزمة عميقة بين البلدين، تضع كثيراً من علامات الاستفهام على مستقبل هذه العلاقات واتجاهات تطورها.

ويرجع التوتر الحالي بين الجانبين إلى الخلافات بينهما حول مسالة أمن الحدود؛ حيث وجهت إسرائيل اتهامات قوية لمصر اتهمتها فيها بالتساهل في ضبط حدودها مع قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، وعدم القدرة على وقف عمليات تهريب الأسلحة إلى عناصر المقاومة الفلسطينية، الذين تصفهم إسرائيل بالإرهابيين، عبر الأنفاق الممتدة على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة، ووصل الأمر إلى حد قيام وزيرة الخارجية الإسرائيلية "تسيبي ليفني" بوصف أداء مصر في مجال منع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة بأنه "سيئ" معتبرة أن ذلك يمكن أن تكون له تبعات إقليمية، وهو الأمر الذي دفع الرئيس المصري حسني مبارك إلى القول بأن الوزيرة الإسرائيلية قد تخطت "الخطوط الحمراء" في انتقادها لمصر.

كما قامت إسرائيل بإرسال "شريط فيديو" مصور إلى الولايات المتحدة يُظهر، وفق ما تدعيه، جنود شرطة مصريين وهم يساعدون عناصر من حركة حماس في تهريب الأسلحة إلى داخل حدود قطاع غزة، وهو الشريط الذي وصفته القاهرة بأنه "مفبرك" ويستهدف الإضرار بالعلاقات المصرية-الأمريكية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث شجعت إسرائيل "اللوبي اليهودي" الموالي لها داخل الولايات المتحدة الأمريكية على التحرك للإضرار بالمصالح المصرية من خلال الضغط على الكونجرس الأمريكي، الذي قرر بدوره تعليق 100 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر حتى تقوم بتحسين أدائها الأمني على الحدود وتبرهن أنها تفعل ما فيه الكفاية لوقف تهريب السلاح إلى قطاع غزة!!.

وقد أشعل هذا الإجراء الأخير الغضب المصري تجاه تل أبيب؛ حيث وجه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط تهديدات قوية لإسرائيل بأن مصر يمكنها الإضرار بمصالح إسرائيل، إذا ما استمرت هذه الأخيرة في الدفع نحو الإساءة إلى العلاقات المصرية-الأمريكية أو تهديد مصالح القاهرة، وقال، بحسب ما نقلت عنه وسائل الإعلام المختلفة، "نحن لنا مخالب قادرة في كل الاتجاهات والمجالات، وكلها مجالات دبلوماسية لا تتجاوز العمل الدبلوماسي الذي يلحق بالغ الضرر". غير أن إسرائيل ردت على هذه التصريحات بمزيد من التصعيد؛ حيث أوصت وزارة الخارجية الإسرائيلية بمقاطعة وزير الخارجية المصري معتبرة إياه "غير ذي صفة ومتطرفاً"، وحصر الاتصالات مباشرة مع الرئيس مبارك ومدير المخابرات عمر سليمان، وهو الأمر الذي نفاه أكثر من مسؤول إسرائيلي لاحقاً، كما اعتبر نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي "شاؤول موفاز" أن الضغط الأمريكي على مصر سيكون أكثر فاعلية لمنع تهريب الأسلحة من اقتراح القاهرة زيادة عدد قواتها المنتشرة حالياً على خط الحدود!!.

ويمكن القول بشيء من اليقين إن هذه الحملة التحريضية الإسرائيلية المسعورة ضد مصر، تتجاوز مجرد الخلاف القائم بين البلدين حول مسالة أمن الحدود وتهريب الأسلحة، ويمكن تبرير هذه الحملة في ضوء عوامل عدة؛ أولها: محاولة الضغط على القاهرة للمشاركة بشكل أكثر فاعلية في تشديد وإحكام الحصار المفروض على قطاع غزة وحركة حماس. فلا عجب أن تستعر هذه الحملة بعد ساعات قليلة من قيام السلطات المصرية بإنهاء أزمة الحجاج الفلسطينيين العالقين على الحدود والسماح لهم بالعودة إلي بيوتهم عبر معبر رفح، وهي الأزمة التي كانت قد سببت حرجاً بالغاً للحكومة المصرية، وجعلتها تبدو وكأنها تساهم في زيادة معاناة الفلسطينيين وحصارهم؛ حيث انتقدت إسرائيل هذه الخطوة المصرية، وزعمت أن عدداً كبيراً من هؤلاء الحجاج ينتمون إلى حركة حماس وبعضهم ناشطون إرهابيون ربما يكونون قد قاموا بتهريب الأموال إلى حماس، واعتبرت أن السماح لهم باجتياز معبر رفح البري غير الخاضع للمراقبة للوصول إلى قطاع غزة أمر يدعو للقلق الشديد، ويؤثر على جهود مكافحة الإرهاب.

إن ما تريده إسرائيل هو أن تفرض سيطرتها التامة على الحدود بين مصر وقطاع غزة وأن تتحكم بشكل كامل في حرية دخول وخروج الفلسطينيين عبر هذه الحدود؛ ونظراً لأن قواتها غير موجودة على طول هذه الحدود منذ أن انسحبت من قطاع غزة عام 2005، فإنها تريد من مصر أن تقوم بتأمين هذه الحدود لها دون أن تتحمل التكلفة الباهظة التي كانت تدفعها أثناء احتلالها لغزة، بمعنى آخر تريد إسرائيل أن تتولى مصر حماية أمنها، وتكون وسيلتها لإحكام الحصار على الفلسطينيين حتى بعد انسحابها من القطاع، وهو دور أعلنت الحكومة المصرية أكثر من مرة أنها لن تقوم به، مؤكدة أن مهمة قواتها القليلة الموجودة على الخط الحدودي هو تأمين الحدود المصرية. ومع ذلك فقد كثفت السلطات المصرية جهودها لمنع عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود وقامت بالفعل بإغلاق أكثر من 160 نفقاً تستخدم لهذا الغرض، وتقدمت باقتراح في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لزيادة عدد القوات المنتشرة على خط الحدود والتي تبلغ حالياً 750 شرطياً فقط، وهو الاقتراح الذي رفضته إسرائيل، بشكل أثار كثيراً من علامات الاستفهام حول موقف الدولة العبرية في هذا الشأن.

وثمة من يرى أن سبب هذه الحملة هو الضغط على مصر لقطع أي وسيلة اتصال وتواصل بينها وبين حركة حماس وعرقلة الجهود المصرية الرامية إلى التقريب بين حركتي فتح وحماس وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وهو أمر لا ترغب إسرائيل في حدوثه؛ لأن من شأنه أن يضعف الفلسطينيين ويجعلهم ينشغلون بالتقاتل فيما بينهم، الأمر الذي يساعد بلا شك الدولة العبرية في تنفيذ مخططاتها الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.

أما العامل أو المبرر الثاني لهذه الحملة التحريضية الإسرائيلية؛ فيتمثل في محاولة إسرائيل تحويل الانتباه عن ممارساتها غير المشروعة، لاسيما لجهة تعزيز سياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية ومواصلة سياسة القتل والترويع ضد الفلسطينيين، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، و التغطية على عدم التزامها بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في مؤتمر أنابوليس الذي استضافته الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ويتمثل العامل الثالث على ما يبدو في الاستياء الإسرائيلي من التقارب المصري مع إيران، والذي شهد خطوات متسارعة في الفترة القليلة الماضية، تمثلت في تصريحات الجانبين الإيجابية بشأن تطبيع العلاقات بينهما، والزيارات الرسمية المتبادلة، وهو أمر تنظر له تل أبيب بقلق بالغ، باعتبار أنه يشكل خرقاً في جدار "الاعتدال العربي" الذي تحاول إسرائيل والإدارة الأمريكية توظيفه والاعتماد عليه في محاصرة "محور الشر" الذي يضم إيران وسورية وجماعات المقاومة في فلسطين ولبنان. ومن الأمور ذات الدلالة في هذا الصدد، أنه بينما كان وزير الدفاع الإسرائيلي "إيهود باراك" يزور شرم الشيخ لتخفيف حدة التوتر الحادث مع مصر، كان عضو المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "على لاريجاني" يزور مصر لبحث سبل دفع العلاقات المصرية-الإيرانية.

وبصرف النظر عن ماهية المبررات التي وقفت خلف هذه الحملة التحريضية الإسرائيلية ضد مصر، فإنها تكشف عن أزمة بنيوية في العلاقات بين مصر وإسرائيل نتيجة السياسات الاستفزازية الإسرائيلية، والتي تسببت في خلق أزمة ثقة مستمرة بين الطرفين، فشلت ما يقرب من ثلاثة عقود من السلام البارد بينهما في تجاوزها أو رأبها، ورغم الحرص الذي أبداه الجانبان المصري والإسرائيلي لتطويق الأزمة الراهنة ومنع تجاوزها للحدود التي يسمح بها الطرفان، فإن ذلك لن يكون كافياً لمنع تكرار أو حدوث مثل هذه الأزمات في المستقبل طالما استمرت أزمة الثقة الناجمة عن الممارسات الإسرائيلية قائمة.

كما تكشف هذه الأزمة بعداً آخر أكثر خطورة وهو الاستخدام الفج لورقة المعونة الأمريكية للضغط على مصر لتبني سياسات معينة قد لا تتفق بالضرورة مع المصلحة المصرية أو العربية؛ فما إن بدأت إسرائيل حملتها التحريضية ضد مصر، حتى سارعت جماعات اللوبي اليهودي الموالية لها في واشنطن في الضغط على أعضاء الكونجرس للتلويح بورقة المعونة وهو ما حدث بالفعل. ويستدعي هذا الأمر وقفة جادة من الحكومة المصرية التي أعلنت بالفعل رفضها ربط المعونة الأمريكية بأية شروط مسبقة؛ فمصالح الدول وقراراتها السيادية لا ينبغي المساومة عليها؛ وإذا كان ثمة مصلحة لمصر في الحصول على هذه المعونات، فالمؤكد أن للولايات المتحدة مصلحة أكبر في استمرار هذه المعونة، وإلا لما استمرت في تقديمها حتى الآن. كما يستدعي الأمر تحركاً عربياً لدعم الموقف المصري، ليس من خلال تقديم المعونات، ولكن من خلال تعزيز فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع مصر لدعم قوتها وقدرتها على الصمود في وجه أية ضغوط تستهدف المصالح المصرية والعربية عموماً.

Share