مشكلة الجزر الإماراتية المحتلة: قراءة في المواقف الإيرانية الأخيرة

فتوح هيكل: مشكلة الجزر الإماراتية المحتلة: قراءة في المواقف الإيرانية الأخيرة

  • 12 يونيو 2008

شهدت قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران منذ عام 1971 (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) زخماً واضحاً خلال الفترة الأخيرة، مع تصاعد نبرة التشدد في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني تجاه هذه المشكلة، لاسيما بعد التحركات الناجحة التي قادها رئيس المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان)، عبد العزيز الغرير، لتأكيد الدعم العربي والدولي لحق الإمارات في استعادة هذه الجزر وتسوية المشكلة بالطرق السلمية، والتي كان أبرزها زيارته لمجلس الشيوخ الروسي، الذي أبدى استعداده للقيام بدور الوساطة بين الإمارات وإيران لتحريك هذه القضية وإيجاد حل سلمي لها.

وقد جاء رد الفعل الإيراني سلبياً كعادته؛ حيث رفضت الخارجية الإيرانية على لسان المتحدث باسمها، محمد علي الحسيني، فكرة الوساطة الروسية، معتبرة أن ما بين الإمارات وإيران "سوء تفاهم" يمكن حله في الإطار الثنائي دون الحاجة إلى تدخل أطراف خارجية. ولا شك أن الحديث عن مجرد "سوء تفاهم" وليس "نزاع حدود" يمثل استمراراً للسياسة الإيرانية التي تنفي وجود مشكلة حدودية أصلاً بين البلدين، بدعوى أن تبعية الجزر الإماراتية لها أمر غير مطروح للنقاش!!. ولذا جاء الرفض الإماراتي لهذا التوجه واضحاً وصريحاً؛ حيث أكد الغرير أن "وصف إيران للخلاف الكبير حول الجزر الثلاث المحتلة غير صحيح؛ فهذا ليس سوء تفاهم، وإنما قضية احتلال ومطالبة بحق تاريخي وقائم"، كما نسبت مصادر إعلامية لمسؤول في وزارة الخارجية في دولة الإمارات، قوله "ليس هناك سوء تفاهم بيننا، وإنما هناك احتلال حقيقي"، مشيراً إلى أنه لا توجد أراض محتلة أكثر قدسية من أي أراضٍ أخرى؛ فالاحتلال هو الاحتلال، سواء كان إسرائيلياً أو إيرانياً أو من أي دولة أخرى.

هذا الموقف الإيراني ليس جديداً؛ فخلال زيارته لدولة الإمارات في مايو/أيار من العام الماضي (2007) حاول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد القفز على مشكلة الجزر الإماراتية المحتلة بتجاهلها وإنكارها، قائلاً: "لا توجد قضية جزر إلا لدى الإعلام والأعداء الذين يريدون زرع الفتنة والتشويش على العلاقات بين إيران ودول المنطقة"!!، رغم ما أشيع قبل هذه الزيارة في بعض وسائل الإعلام عن "مبادرة سياسية" يحملها الرئيس الإيراني لتسوية هذه المشكلة. ولكن الجديد واللافت هو التصاعد غير المبرر في لهجة الخطاب الإيراني بشأن هذه المسألة خلال الشهور القليلة الماضية، والذي اتخذ صوراً وأشكالاً غير معتادة، من ذلك مهاجمة أية مواقف إقليمية أو دولية تدعم حق الإمارات في استعادة جزرها الثلاث المحتلة؛ حيث وصفت بيان المجلس الوزاري العربي في مارس/آذار 2008، الذي ساند هذا الحق الإماراتي، بأنه "تدخل في الشؤون الإيرانية"!!، فيما انتقد وزير خارجيتها منوشهر متقي البيان الختامي لقمة دمشق العربية الصادر خلال الشهر نفسه لتبنيه الموقف الإماراتي، وطالب الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بالتركيز على قضية فلسطين بدلاً من قضية الجزر، كما وصفت طهران قرار قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في قمتهم التشاورية الأخيرة في الدمام بأنه "غير مسؤول"!!.

وذهبت طهران إلى أبعد من ذلك في انتقادها للمواقف الداعمة للإمارات بخصوص هذه القضية عندما استدعت في مايو/أيار الماضي (2008) السفير العراقي بطهران للاحتجاج على معلومات تحدثت عن دعم بغداد لحق دولة الإمارات في استعادة الجزر، في محاولة للتأثير على الموقف العراقي بهذا الشأن. ولا يمكننا هنا تجاهل خطورة الموقف السلبي الذي كان قد عبر عنه الوفد البرلماني العراقي في اجتماعات المؤتمر الثالث عشر للاتحاد البرلماني العربي الذي عقد في مدينة أربيل في مارس/آذار الماضي (2008)، والذي تحفظ فيه على الفقرة الخاصة بـ"تأييد كافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها دولة الإمارات لاستعادة سيادتها على جزرها المحتلة بما في ذلك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية"؛ فهذا الموقف يثير كثيراً من علامات الاستفهام حول المدى الذي وصل إليه النفوذ الإيراني في العراق، وكيفية تعاطي هذا الأخير مع القضايا العربية بشكل عام، خاصة أن مشكلة الجزر الإماراتية كانت ومازالت محل إجماع عربي على المستويين الرسمي والشعبي. ولا يقلل من خطورة هذا التحول إعلان الرئيس العراقي جلال طالباني رفضه لهذا الموقف الذي تبناه الوفد البرلماني لبلاده، وتأكيده أن "العراق ملتزم بالقرارات التي أقرتها الجامعة العربية، لاسيما المتعلقة بالجزر الإماراتية".

ومن التحولات السلبية في الموقف الإيراني، المظاهرات الاحتجاجية التي قام بها عدد من القوميين والمتشددين الإيرانيين أمام السفارة الإماراتية في طهران، في محاولة على ما يبدو للإيحاء بوجود تأييد شعبي للموقف الإيراني الرسمي المتشدد تجاه قضية الجزر. ففي مايو/أيار الماضي تظاهر نحو ألف شخص أمام السفارة الإماراتية في طهران للاحتجاج على التحرك الإماراتي بشأن الجزر المحتلة، وجاءت هذه التظاهرة بعد أقل من شهر من تنظيم تظاهرة أخرى في نهاية أبريل/نيسان 2008 أمام السفارة الإماراتية أيضاً، طالبت بإغلاقها وطرد السفير الإماراتي، بحجة الاعتراض على تغيير الإمارات اسم "الخليج الفارسي" إلى الخليج العربي. ورغم الطبيعة الجماهيرية لهذه المظاهرات، فإن من يعرفون طبيعة النظام السياسي في إيران يدركون أنها لا يمكن أن تتم دون ضوء أخضر رسمي، كما لا يمكن تجاهل حقيقة استخدام السياسيين لمشكلة الجزر في كسب التعاطف الجماهيري من خلال رفع شعارات "وحدة الأراضي الإيرانية"، والتصدي "للمؤامرات الخارجية".. إلخ.

لا يجد المرء أي مبرر منطقي يفسر هذه النبرة التصعيدية في الموقف الإيراني من مشكلة الجزر؛ فالإمارات أكدت باستمرار أنها ستواصل محاولاتها لاستعادة هذه الجزر من خلال الوسائل السلمية فقط. وطرحت منذ البداية تصورين أساسيين حول السبل التي يمكنها انتهاجها للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع؛ الأول: يعتمد على خيار المفاوضات الثنائية المباشرة مع إيران حول مسألة السيادة على الجزر، من دون شروط مسبقة، إلا ضرورة أن يتم الوصول إلى اتفاق في إطار حد زمني للمناقشات. وهذا المسعى تعثر بسبب رفض إيران الاعتراف حتى بوجود قضية سيادة موضع نزاع، بالرغم من حقيقة أن سيطرتها على الجزر تأسست على الاحتلال العسكري الذي تم في عام 1971.

 وارتكز التصور الثاني على أن تتم تسوية المسألة من خلال التحكيم سواء بواسطة تشكيل هيئة تحكيم دولية أو بالرجوع إلى محكمة العدل الدولية. وفي إطار طرحها هذا الاقتراح، أعلنت دولة الإمارات أنها ستقبل أي قرار يصدر عن هذه العملية باعتباره ملزماً. وقد رفضت إيران أيضاً قبول هذا الاقتراح، بالرغم من أنها هي ذاتها سبق أن اقترحت هذا النهج نفسه بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أعلنت حكومة طهران لأول مرة ادعاءاتها بشأن الجزر الثلاث.

ورغم هذا التعسف الإيراني بشأن قضية الجزر؛ فإن الإمارات لم تضع العراقيل أمام تطور علاقاتها الاقتصادية مع طهران، بل على العكس عملت على دفع هذه العلاقات كمدخل لتنقية الأجواء وخلق مناخ من الثقة يسمح بتسوية المشكلات العالقة كافة، وفي مقدمتها مشكلة الجزر المحتلة، بشكل سلمي وحضاري، وبما يدعم فرص الأمن والاستقرار الإقليمي، دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال تجاهل أو نسيان الحق التاريخي الثابت والمشروع للإمارات في استعادة جزرها المحتلة.

ثمة تساؤل بديهي يطرح نفسه عند مناقشة الطرح الإيراني بخصوص قضية الجزر، وهو: إذا كانت طهران مقتنعة بأحقيتها في السيطرة على هذه الجزر الثلاث، ولديها الوثائق والأدلة التي تثبت ملكيتها وتبعيتها لها، فلماذا ترفض المقترح الإماراتي بعرض هذا النزاع على محكمة العدل الدولية أو أي هيئة تحكيم دولية أخرى؟ لا شك أن هذا الرفض غير مبرر أو منطقي، إلا إذا كانت إيران لا تملك بالفعل الأدلة التي تثبت ملكيتها لهذه الجزر، ومن ثم عدم شرعية احتلالها، وهذا هو الأرجح. إن استمرار الموقف الإيراني الرافض الاعتراف بوجود قضية نزاع على السيادة وبحقيقة حدوث احتلال للجزر الإماراتية الثلاث، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره نوعاً من التعسف غير المبرر، كما أنه يتناقض مع المواقف الإيرانية الداعية لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين ضفتي الخليج العربي؛ فاستمرار التعاون بين أي طرفين يتطلب وجود نيات صادقة لحل كافة المشكلات العالقة بينهما بطرق سلمية وحضارية، ولاسيما إذا كانت هذه المطالب تتعلق بمطالب سيادية مشروعة لا يمكن تجاوزها أو نسيانها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات