مشروع سلام فياض لبناء الدولة الفلسطينية

  • 14 أبريل 2010

ستحتفل البشرية، في السنة القادمة، بمولد الدولة الفلسطينية.. لدينا الحق في دولة فلسطينية على الأرض التي احتلت عام 1967، بما في ذلك شرقي القدس.. ونحن نعدّ البنية التحتية لاستيعاب اللاجئين" .. هكذا صرح رئيس حكومة السلطة الفلسطينية سلام فياض، في مقابلة خاصة مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الصادرة في الثاني من أبريل/نيسان الجاري. وأعرب فياض في هذه المقابلة عن أمله في "أن يشارك الإسرائيليون أيضاً في احتفالات الاستقلال الفلسطيني". كما تحدث عن "دولة سيادية، لا يسيطر عليها آخرون.. ليست دولة ميكي ماوس أو دولة فتات".

حديث فياض هذا، بكل ما جاء فيه، تضمن التعبيرات ذاتها التي درج عليها، وبصورة خاصة، منذ صيف عام 2009، حين عرض على الأسرة الدولية "خطة مفصلة" لبناء المؤسسات الفلسطينية، وطرح جدولاً زمنياً لاستكمالها خلال سنتين، ثم تتوجه السلطة الفلسطينية والجامعة العربية إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، بطلب الاعتراف بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967. وقد صدرت تصريحات فلسطينية، شبه متواترة، تفيد أن السلطة الفلسطينية تعتزم تنفيذ هذا التحرك.

ويراهن فياض، في ضوء توجهاته وخبرته، على أن الدولة التي ينشدها ستأتي ليس عبر المقاومة المسلحة أو حتى العصيان المدني ضد الاحتلال، وإنما نتيجة جهود عملية سلمية وأداء دبلوماسي. لهذا دأب على تدشين المشاريع التي يراها منسجمة مع "خطته"، وافتتح في قلقيلية مؤخراً "المشروع الألف" في هذه الخطة، التي تضمنت بناء المدارس ورياض الأطفال والعيادات والمكتبات والمباني الجديدة لمكاتب الحكومة والبلديات وتحسين شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي وتوسيع الشوارع، بمساهمة مالية وفنية من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

ومع أن سلام فياض يبدو كأنه يعمل بموازاة برنامج حركة "فتح"، التي يستغرب بعض زعمائها خطته لبناء الدولة، إلا أن تحركاته تنبئ بوجود تيار واسع ضمن السلطة الفلسطينية يتبنى خيار "الدولة من جانب واحد"، وهو ما يشير إلى "تغيّر ما" في مفهوم هذا التيار للنزاع وسبل حله، انطلاقاً من القناعة بأن الوضع الحالي لا يمكنه أن يستمر، وأن العلاقة مع الاحتلال وصلت إلى مرحلة مخاض توشك أن تولد دولة فلسطينية في نهايتها، على الرغم من أنف إسرائيل، التي سترتد عليها بلادة الإحساس إزاء صرخة الفلسطينيين للاستقلال وحاجتهم الوجودية إلى تقرير المصير.

وبرأي هذا التيار، ينبغي اعتماد "نهج نوعي" مضاد للسياسات الإسرائيلية التي تقوم على إجراءات أحادية الجانب وفرض الوقائع على الأرض. لذلك يتم التطلع عبر طرح خيار "الدولة من جانب واحد"، إلى تحسين الظروف والمواصفات الخاصة بالدولة، ولاسيما التقليص المسبق للترتيبات الأمنية التي ترغب حكومة إسرائيل بفرضها، والسعي إلى اختبار "ميزة" استخدام الوسائل السياسية على الساحة الدولية، وضمناً محاولة السلطة، كما حدث في وقائع محدودة مؤخراً، استعادة مكانتها السياسية التي خسرتها منذ إغلاق حكومة نتنياهو المؤسسات الفلسطينية في القدس، وآخرها إغلاق "بيت الشرق" عام 2001.

لكن، بالمقابل، يعتقد بعض متـنفّذي السلطة الفلسطينية أن إعلان الدولة دون تفاهم أو اتفاق مع إسرائيل سيؤدي إلى إغضابها، بشكل مترافق مع فقدان إسنادها لهذه الدولة في مواجهة "حماس"، التي قد تفكر باستثمار الوضع الجديد لتكرار تجربة قطاع غزة في الضفة الغربية. ونظراً لأن إسرائيل لا يمكنها أن تقبل حكم "حماس" في منطقة الضفة التي تجاور المنطقة الحيوية للعمق الاستراتيجي الإسرائيلي، فإن الصراع سيأخذ مساراً بعيداً عن الحلول السياسية المتداولة.

وفي الساحة الفلسطينية، ككل، يرى المعارضون لمشروع فياض أنه يقدم أوراق اعتماده للإسرائيليين والأمريكيين ليكون بديلاً مستقبلياً قابلاً بأي حل يتجاوز الثوابت الوطنية الفلسطينية، وأنه يبني مؤسسات فلسطينية لا تخدم المصلحة الوطنية، بل تخدم توجهاته وتطلعه لترؤس الدولة الوليدة، وأنه يقوم بالترويج لخيار كاذب وتضليلي، ويحاول إخراج العدو الإسرائيلي من أزمته وإظهار أن هناك مشروع "سلام قادم" ودولة قادمة، وأنه يسهم بدفع المجتمع الدولي للتحرر من التزاماته بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، ليكتفي بدولة مسخ على الأراضي المسوّرة بالجدار الفاصل والممزقة الأوصال والمنخورة بالاستيطان وبالحواجز والطرق الالتفافية والمعزولة عن القدس وقطاع غزة.

وفي الجانب الإسرائيلي، برز انقسام أيضاً بشأن "خطة فياض"؛ حيث كثّف نتنياهو ووزراؤه  تهديداتهم، ومنها إعلان "الحق الديني والإلهي" لدولة إسرائيل على الضفة الغربية، والتشديد على أن أي خطوة فلسطينية أحادية الجانب ستقابلها إسرائيل بالطريقة ذاتها، أي بالترجمة العملية للتحلل من جميع الاتفاقيات بين الجانبين، وضم الكتل الاستيطانية. وركزوا على أن حل المشكلة الفلسطينية مقتصر على المسار التفاوضي، وأي وسيلة أخرى ستقابل بفرض الإرادة الإسرائيلية، دون مراعاة أي قيود أو اعتبارات، مهما كان مصدرها. وبدا من تصريحاتهم أن الفيل الإسرائيلي سيعمد إلى تحطيم جميع الأواني التي هيأها الفلسطينيون في معصرتهم استعداداً لموسم الزيتون، وأنه سيتم استنساخ أسلوب البحث عن "مقاتلين" لتكسير عظامهم وحسم الصراع معهم في ساحة المعركة.

ويسود تقدير مركزي في حكومة نتنياهو بأنه ليس للفلسطينيين أي بديل عن المفاوضات، ولن يستطيعوا تعطيل الشروط الإسرائيلية؛ لأنهم لا يمتلكون من عناصر القوة ما يؤهلهم لذلك، وخاصة في ظل الإصرار الأمريكي على ضرورة اعتماد التفاوض سبيلاً وحيداً للحل. لهذا يدعم المقررون الإسرائيليون الذين يتبنون هذا التقدير ضرورة استباق "الضربة الفلسطينية" المتوقعة بـ"ضربة إسرائيلية استباقية"، عبر الضغط على الفلسطينيين لحملهم على التفاوض مع إسرائيل في ظل علاقات القوى والظروف الراهنة.

وفي الوقت ذاته، يُلاحَظ من النقاشات الإسرائيلية أن الإسرائيليين يتحسبون لمرحلة ما بعد إلغاء عملية أوسلو، من حيث أنها ستتضمن عودة السيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية المباشرة في كل مناطق الضفة الغربية، وتحمّل المسؤولية الفورية والتامة عن الإدارة اليومية لحياة الفلسطينيين، وضمناً توفير الأمن الداخلي والخدمات المدنية، وهو ما يرتب على إسرائيل أعباء أمنية وعملية وسياسية، إضافة إلى أعباء مالية بمليارات الدولارات.

وربما لهذا الاعتبار، أساساً، أخذت تتعزز قناعة شريحة إسرائيلية واسعة بأن فياض هو "بن غوريون الفلسطيني"، حسب وصف الرئيس الإسرائيلي شيمون بيرس، وأن خطته لا تبتعد عن فكرة "السلام الاقتصادي" لنتنياهو، أو عن فكرة وزير التهديدات الاستراتيجية موشي يعلون حول "بناء السلطة من أسفل إلى أعلى"، وأنها ليست سيئة لإسرائيل، وأن كثيرين سيرون فيها "حلاً مثالياً"؛ حيث سيقيم الفلسطينيون دولة في المناطق التي يسيطرون عليها، دون أن تضطر إسرائيل إلى إخلاء كتل المستوطنات الكبيرة والتنازل عن القدس القديمة، مع عدم إعادة لاجئين إلى المجال الإسرائيلي. بل قد يحظى فياض بتأييد هادئ من نتنياهو، الذي يدرك "الحاجة" لإقامة دولة فلسطينية، لكنه ليس مستعداً لدفع الثمن المطلوب منه في المفاوضات، خاصة أن إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، يعفي إسرائيل من التزاماتها العملية والسياسية إزاء الفلسطينيين.

وحول المواقف الدولية؛ من المعروف أن الإدارة الأمريكية تحيط سلام فياض بالرعاية، وتنسّق مع حكومته، بصورة مباشرة أو عبر الجنرال دايتون، وتعتبره بوابة للعلاقة معها، حتى أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أعلمت رفاقها في الرباعية الدولية بأنه إذا استقر رأي الفلسطينيين على تسوية أمورهم بغير فياض، فسيضطرون إلى تسويتها أيضاً بغير المال الأمريكي، الذي يبلغ نحو نصف مليار دولار سنوياً. هل يعني هذا أن إدارة أوباما تدعم خطة فياض؟.. ليس بالضرورة. وعلى الرغم من أن تقارير إسرائيلية تدعي أن سلام فياض وصل إلى تفاهم سري مع إدارة أوباما على اعتراف أمريكي بدولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967، فإن معطيات العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية وبنية الكونغرس وسياسة إدارة أوباما تشير إلى معارضة أي حل انفرادي يأتي خارج مسار المفاوضات.

أما بصدد موقف الرباعية، فقد تضمن بيانها الصادر في ختام اجتماعها الأخير في موسكو في مارس الماضي بند "إقامة دولة فلسطينية في غضون 24 شهراً"، لكن البيان تحدث عن "محادثات تقارب" تتحول إلى مفاوضات مباشرة. وفي ضوء عجز الرباعية عن حمل حكومة نتنياهو على الاستجابة لاستحقاق المفاوضات والتسوية، من المتوقع أن تعلّق الرباعية عدم تأييدها لخطة فياض على مشجب الرفض الإسرائيلي.

عموماً، من المرجَّح أن تدرك الأطراف المعنية جميعها أن الإعلان عن الدولة الفلسطينية، وفق المشهد الذي يتصوره فياض، سيكون ضبابياً، وسيعيد إنتاج الصيغة الحالية. فضلاً عن أن الدولة التي ستقام لن تحل أياً من المشكلات المركزية العالقة بين إسرائيل والفلسطينيين.

Share