مشاركة الآباء في العملية التعليمية ودور المجتمع المدني: مقترحات للحالة الإماراتية

د. عظمى أنذار: مشاركة الآباء في العملية التعليمية ودور المجتمع المدني.. مقترحات للحالة الإماراتية

  • 19 أغسطس 2008

من أهم الدلائل التي تؤكد حسن سير العملية التعليمية مستوى المشاركة المجتمعية في تعليم الأبناء وتنشئتهم؛ ففي فنلندا لا تتولى المجالس المحلية فقط مهمة إدارة المدارس، فهي ملزمة أيضاً بتمويل بعض صور وأنشطة تدريس الأبناء في نطاق المناطق الإدارية التابعة لها. وفي الولايات المتحدة، يوجد في كل مقاطعة مجلس لإدارة المدارس، يتألف من أولياء الأمور المقيمين في تلك المقاطعة، ويُناط به مهمة وضع السياسة التعليمية واختيار المناهج التي تُدرّس في مدارس المقاطعة. كما يشارك أولياء الأمور في سنغافورة وكوريا الجنوبية بشكل فعاّل في مختلف جوانب العملية التعليمية لأبنائهم، وتتميز العلاقة بين أولياء الأمور والمدارس بأنها قوية جداً.

ورغم أن أولياء الأمور الأصغر سناً والأعلى تعليماً في دولة الإمارات العربية المتحدة، يبدون اهتماماً متزايدا بالعملية التعليمية التي ينتظم فيها أبناؤهم، فإن أولياء أمور الأبناء الأكبر سنّاً، والذين يشكلون نحو 75% من طلاب المدارس، لا يبدون اهتماما كاملاً أو إيجابياً بهذا الجانب، ولذا، فإن ثمّة حاجة ملحة لتعزيز مشاركة المجتمع وأولياء الأمور في المنظومة التعليمية داخل الدولة، وتجاوز بعض الإشكاليات التي تعوق التعاون بين الطرفين؛ حيث تشير عدة تقارير إلى أن بعض أولياء الأمور يتدخلون بشكل سلبي في بعض الأحيان للتأثير على القواعد واللوائح المعمول بها في المدارس لكي تتناسب مع أبنائهم، كما أن المدرسين الأجانب يشعرون عادة بالإساءة جرّاء التدخل غير المناسب من الآباء عندما يتعلق الأمر بالانضباط المدرسي والمسائل المتصلة بتعليم الأبناء ومستوى تحصيلهم العلمي، فيما يرى بعض أولياء الأمور أن إدارات المدارس لا تبدي اهتماماً كبيراً للاستماع إلى دوافع القلق لديهم، وإذا حاولوا التواصل مع هذه الإدارات؛ فإنهم لا يلقون إلا الاعتراض والرفض من جانب المدرسين.

لقد جرى العرف قديماً بأن لا تخرج العلاقة بين المدرس والطالب عن المسار التقليدي المعروف، الذي يتحمل فيه المدرس كامل المسؤولية في عملية تعليم الناشئة، لكن اليوم ليس كالبارحة؛ فالمدارس أصبحت غير قادرة، ولا ينبغي لها، في عالم اليوم أن تحمل على عاتقها كامل المسؤولية فيما يتعلق بعملية تعليم الناشئة، فهي بوسعها أن تكون مصدر عون ومساعدة للناشئة من حيث اكتساب المهارات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية، لكن لا بد لأولياء الأمور من النهوض بدور بنّاء في تشكيل الجوانب الأخلاقية والاجتماعية لدى أبنائهم. ولا بد كذلك من استحداث قنوات للتواصل الدوري بصفة رسمية بين المدارس وأولياء الأمور للارتقاء بالعملية التعليمية، لاسيما في ظل سعي القيادة السياسية ووزارة التربية والتعليم إلى اتخاذ خطوات جادة وسريعة لإيجاد آفاق رحبة ومتطورة لسير المنظومة التعليمية، والارتقاء بمستوى الخدمات التعليمية المقدمة وجودتها في البلاد.

من ناحية أخرى، تلعب منظمات المجتمع المدني، في معظم دول العالم المتقدم وبشكل متزايد في العالم النامي، دوراً بالغ الأهمية في إيجاد قنوات للتواصل والحوار بين أولياء الأمور والمدارس بهدف الارتقاء بجودة العملية التعليمية. وقياساً على ذلك، يجب أن يخطو المجتمع المدني في الإمارات خطوات مماثلة، وأن يلقى الدعم الفني والمالي الذي يساعده على القيام بدوره في تدريب كلا الجانبين: أولياء الأمور والمدارس، وتشجيعهم على التعاون والتنسيق فيما بينهما لتخريج مواطنين أكفاء ذوي أساس معرفي راسخ.

ومن ثمّ، لا بد من تشجيع منظمات المجتمع المدني في الإمارات، كمؤسسة الشيخ زايد بن سلطان للأعمال الخيرية ومؤسسة دبي للرعاية ومجموعة لوتاه الخيرية وغيرها، على التواصل مع أولياء الأمور في جميع إمارات الدولة للمشاركة بكل ثقل ممكن في تعليم أبنائهم. وثمة حاجة كذلك لإنشاء مزيد من "الجماعات غير الربحية" في مختلف المناطق التعليمية بالدولة للمساعدة في تدريب أولياء الأمور والمدرسين على اكتساب مهارات التواصل الإيجابي مع الآخرين والتعامل بها، من خلال تنظيم ندوات تثقيفية حول الآليات والأساليب التي تضع الآباء والمدرسين على السواء أمام مسؤولياتهم التعليمية والاجتماعية تجاه الأبناء؛ حيث يمكن تدريب أولياء الأمور على تحديد المشكلات التي يُعزى إليها تراجع مستويات الأداء المدرسي لدى الطلاب، ويمكن لأفراد الأسر الحاكمة في كل إمارة من إمارات الدولة رعاية تلك المجموعات والإشراف عليها، بما يضمن تحفيز كل أولياء الأمور والمدرسين على القيام بدورهم، والدفع باتجاه التطور المنشود.

إن التقدم غير المسبوق الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية يتطلب استحداث قنوات جديدة وفعالة للتواصل بين أولياء الأمور والمدارس، ذلك أنه لا يمكن الاعتماد على أحد الطرفين بمفرده للنهوض بمسؤوليات تربية الأبناء وتعليمهم بالشكل المطلوب، فكل منهما قادر على إفادة الآخر بكثير من الجوانب الإيجابية التي تخدم تنشئة الأبناء بشكل سليم.

وهكذا، ففي الوقت الذي تشهد فيه المنظومة التعليمية في الإمارات تطوراً مستمراً، وفيما يسعى القائمون عليها بجدية إلى إشراك أولياء الأمور في تطويرها، فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن أولياء الأمور في دولة الإمارات، سيصبحون في المستقبل القريب شركاء فاعلين في النهوض بالعملية التعليمية في بلدهم وتطويرها، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم في الدول المتقدمة.

Share