مستقبل هوية تركيا وخياراتها الوطنية والإقليمية

د. عبدالعزيز شادي: مستقبل هوية تركيا وخياراتها الوطنية والإقليمية

  • 19 فبراير 2009

يثور جدل واسع في الوقت الراهن حول هوية تركيا وتوجهاتها الإقليمية والدولية، ويطرح هذا الجدل تساؤلات عدة تحتاج إلى البحث والتحليل، مثل: لماذا هذا الاهتمام بهوية تركيا الآن؟ وهل يأتي هذا الاهتمام كرد فعل على سياساتها الخارجية الأخيرة تجاه العالمين العربي والإسلامي؟ أم إن ثمّة أزمة هوية حقيقية لدى الدولة التركية؟ وما هو الطابع الذي سيغلب على هذه الهوية خلال الفترة القادمة؟ وكيف سينعكس هذا الطابع على توجهات السياسة التركية في المستقبل؟ وما هو رد فعل البيئة الإقليمية الأوروبية وكذلك الشرق أوسطية على تلك التوجهات؟

يمكن القول بداية إن الاهتمام الحالي بالهوية التركية مبعثه تلك الحيرة التي تنتاب المراقب والدارس لطبيعة التفاعلات التركية خلال السنوات الماضية؛ ففي الوقت الذي اختار فيه الناخب التركي حزب العدالة والتنمية ليقود التوجهات السياسية والتنموية التركية في المرحلة القادمة، سعت قوى معارضة لدى المحكمة الدستورية العليا التركية لحظر هذا الحزب ومنع قياداته من العمل العام، بدعوى أن العلمانية هي جوهر وأساس الدستور التركي في حين أن حزب العدالة والتنمية يرفع شعارات إسلامية، ولم يقتصر الأمر على اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، بل إن المحاولات امتدت إلى تدبير انقلاب عسكري على الحكومة، والسعي إلى استخدام العنف وإثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار السياسي، وهي المحاولات التي تمكنت أجهزة الأمن التركية من اكتشافها وإحباطها. وتعكس كل هذه الأمور حقيقة الصراع بين الشرعية السياسية التي تجسدت في التأييد الانتخابي الذي حصل عليه حزب العدالة والتنمية من جانب، والشرعية الدستورية والقانونية التي تتجسد في أن العلمانية هي أساس الدولة التركية التي أنشأها كمال أتاتورك على غرار النموذج الفرنسي، وهو أمر يدل على وجود حالة من الجدل والصراع على الهوية التركية بين أطياف المجتمع التركي الأيديولوجية والسياسية.

وكان لذلك الجدل تداعيات هائلة على الداخل التركي وعلى الاختيارات الإقليمية للدولة التركية؛ فالقوى التي اختارت حزب العدالة والتنمية تفضل الاحتماء بالهوية الإسلامية وإحياء ذلك المكون في الهوية التركية الذي ظل كامناً منذ أن أطاح كمال أتاتورك بالخلافة الإسلامية وحاول محو الهوية الإسلامية، لكنه لم يستطيع أن يمحوها، بل ظلت كامنة تنتظر من يوقظها. وقد حاولت قيادات وقوى سياسية قبل حزب العدالة والتنمية أن تتحدى القوى الحامية للعلمانية في تركيا، لكنها فشلت في ذلك التحدي، حيث تدخلت المؤسسة العسكرية لتمنع ظهور الهوية الإسلامية مرة أخرى، وتؤكد انتماء تركيا الغربي وهويتها الأوروبية؛ فهل يعني وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، وفشل الأساليب القضائية والعنيفة في إقصائه نجاح عملية ولادة جديدة للهوية الإسلامية؟ قد يكون من المبكر الرد بالإيجاب على هذا السؤال؛ فثمة تحديات كبيرة مازالت تواجه حزب العدالة داخل تركيا وتحتاج إلى حلول جذرية، لعل أبرزها إشكاليتا التنمية والأزمة الكردية.

لقد برز الصراع على الهوية التركية عندما ثارت أزمة الدخول بالحجاب إلى مؤسسات الدولة التركية، سواء التشريعية أو الرئاسية، فعندما دخلت النائبة التركية مروة قاوقجى البرلمان التركي بالحجاب أثارت نقاشات واسعة بين مؤيد ومعارض رأى أن الحجاب رمز ديني يجب ألا يظهر في المجال العام في دولة يتبنى دستورها العلمانية. وبالمنطق نفسه اعترض أنصار العلمانية على دخول زوجة الرئيس التركي عبد الله غول إلى الحياة العامة وظهورها بالحجاب، معتبرين ذلك انتهاكاً لمبدأ العلمانية كما نص عليه الدستور التركي، وقد أعاد هذا الجدل جدلاً مماثلاً شهدته فرنسا عندما أصدرت تشريعاً يمنع ظهور الرموز الدينية في المجال العام وتم تطبيق ذلك على الحجاب، فهل ثمة تشابه بين الوضع التركي وذلك التشريع الفرنسي؟

الإجابة نعم؛ فالنموذج العلماني التركي مستوحى من النموذج الفرنسي الذي يؤكد أن العلمانية تعني حماية الفرد من أية إكراهات دينية، بما في ذلك فرض زيٍّ معين على هذا الفرد، خلافاً للعلمانية الأمريكية التي تعني حماية الدين من تدخل الدولة، ولذلك لا يوجد اعتراض في الولايات المتحدة على ظهور الرموز الدينية في المجال العام، سواءً أكانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية، أما النموذج الفرنسي، وهو مصدر إلهام تركيا، فيمنع  دخول الدين إلى حياة الفرد والمجال العام.

ولا شك في أن لذلك الجدل الداخلي تداعياته على الاختيارات الإقليمية للدولة التركية، ولعل ما حدث إبان العدوان الإسرائيلي على غزة وخلاله وبعده في نهاية عام  2008 وبداية عام 2009، هو حلقة في سلسة طويلة جسدت الصراع حول هوية الدولة التركية، وكانت البداية الحقيقية لتلك السلسلة في عام 2003، عندما رفضت تركيا، وهي عضو في حلف شمال الأطلنطي، السماح لقائد ذلك الحلف باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية في تركيا في الحرب على العراق، الأمر الذي أثار حفيظة الكونجرس في ذلك الوقت ودفعه إلى استخدام ورقة مذابح الأرمن للضغط على تركيا لثنيها عن ذلك الموقف لكنه فشل؛ حيث أصر البرلمان التركي الذي يتمتع فيه حزب العدالة والتنمية بالأغلبية، على رفض استخدام القواعد العسكرية داخل تركيا للإطاحة بنظام صدام.

أما ما حدث إبان العدوان الإسرائيلي على غزة، والانتقادات الشديدة التي وجهها رئيس الوزراء التركي للسياسة الإسرائيلية، وما قامت به تركيا من محاولات للضغط لوقت إطلاق النار وتأييدها العلني لحركة حماس، ثم انسحاب رجب طيب أردوغان من منتدى دافوس احتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على تعليقات الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز حول الحرب على غزة، كل ذلك زاد من حدة الجدل حول الهوية التركية على المستوى الإقليمي والدولي، ولاسيما أن تركيا تعد حليفاً قوياً لإسرائيل، وهي الوسيط المعتمد لديها في المفاوضات مع سورية.

ويبدو أن تركيا قد شعرت بقدر من الاستفزاز نتيجة الخداع الذي مارسته الحكومة الإسرائيلية، التي زار رئيسها تركيا قبل أسبوع من بداية العدوان الإسرائيلي على غزة مطمئناً تركيا بأنه لن يشن عملاً عسكرياً ضد غزة، وزاد حجم الاستفزاز عندما شاهد المواطن التركي الذي انتخب حزب العدالة والتنمية المذابح التي قامت بها إسرائيل في غزة، ثم وصل الاستفزاز قمته عندما لم يُسمح لرئيس الوزراء التركي بالرد على شيمون بيريز في منتدى دافوس، وتراكم كل ذلك لينفجر في موقف تركي قرر أن ينحاز لاختيار ناخبيه ومشاعرهم على حساب التحالف الاستراتيجي والعسكري مع إسرائيل، لكننا يجب ألا نبالغ في آثار هذا الانحياز على العلاقات التركية-الإسرائيلية؛ فالمعروف أن تركيا تحتاج إلى اللوبي الصهيوني للضغط على الكونجرس في مسألة مذابح الأرمن، كما أن المؤسسة العسكرية التركية حريصة على استمرار العلاقات الإستراتيجية مع إسرائيل لما تدره لها من مكاسب داخل حلف الناتو وخارجه، وبالتالي فإن تقييمنا للموقف التركي الأخير من السياسات الإسرائيلية لا يخرج عن كونه استجابة للرأي العام التركي الذي انتقد المجازر التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، كما أنه محاولة من جانب تركيا ?زعيمة العالم الإسلامي السني? للعب دور يوازن الدور الإيراني لدى شعوب دول المنطقة، لقد لاحظت تركيا زيادة التغلغل الإيراني في المنطقة وزيادة إعجاب الشعوب العربية والإسلامية بالنموذج الإيراني وحلفائه في العراق ولبنان وفلسطين؛ فكان لابد من التحرك لموازنته./n /n كل ما سبق يؤثر بلا شك على صراع الهوية داخل تركيا وعلى خياراتها الإقليمية، ولكن هل سيتجه هذا الصراع نحو وجهة واحدة في تحديد هذه الهوية؟ أم إن ثمة سيناريوهات متعددة لنهاية هذا الصراع؟

تتوقف الإجابة على هذا السؤال على محددات عدة، لعل أول هذه المحددات هو مدى نجاح حزب العدالة والتنمية في ابتكار حلول فعالة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التركية؛ فهل سينجح حزب العدالة في إقناع مؤيديه ومعارضيه بإمكانية التعايش بين العلمانية من جانب وسياسات الحزب ذات الصبغة الإسلامية من جانب آخر؟ ماذا عن حقوق المرأة والأقليات؟ هل سينجح حزب العدالة في التوفيق بين مفهوم حقوق الإنسان كما يفرضه الاتحاد الأوروبي، الذي تسعى تركيا إلى الانضمام له، والخصوصية الإسلامية التي يرفع الحزب شعارها؟ هل ينجح الحزب في التوصل إلى صيغة متوازنة تحفظ لتركيا موقعها بصفتها عضواً في حلف الناتو وساعية للعضوية في الاتحاد الأوروبي من جانب، وكونها دولة إسلامية من جانب آخر؟/n /n لا شك في أن النجاحات التي حققها الحزب في إنعاش الاقتصاد التركي، وما قام به من إصلاحات اقتصادية يعطي مؤشراً على إمكانية نجاح السياسات التنموية التي يتمسك بها، ولاشك أيضاً في أن الأزمة الاقتصادية العالمية ستلقي بظلالها على الاقتصاد التركي، لذلك تحرص تركيا على فتح نافذة السوق العربية وجذب الاستثمارات العربية كي تتغلب على تداعيات هذه الأزمة العالمية، وسيكون لذلك آثاره على توجهات الهوية التركية؛ فهل ستجد تركيا نفسها زعيمة للسوق الشرق أوسطية؟

إن لزعامة السوق الشرق أوسطية تحديات، أهمها تلك النابعة من المنافسة الإيرانية من جانب، والإسرائيلية من جانب آخر، ناهيك عن التصور الأمريكي للشرق الأوسط، والذي لديه حساباته ولديه حلفاؤه وعلى رأسهم إسرائيل، ولديه أعداؤه وعلى رأسهم إيران وحلفاؤها؛ فإذا ما أرادت تركيا أن تتزعم الشرق الأوسط فإن عليها أن تفهم جيداً المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وبداخلها الدور الإسرائيلي، وأن تتوقع تنافساً في بعض المجالات، وتنسيقاً في مجالات أخرى، وبالتالي فإن حرص تركيا على لعب دور فاعل في الشرق الأوسط يتطلب شكلاً من أشكال العلاقات التعاونية بين إسرائيل وتركيا من جانب، وبين تركيا والدول العربية الرئيسية كمصر والسعودية والإمارات والأردن من جانب آخر، كما يتطلب تحديد توجه ما نحو الدور الإيراني بكل تعقيداته وملفاته.

وبطبيعة الحال لا توجد حساسيات لدى الدول العربية في قبول التوجه الشرق أوسطي لتركيا، بل إن الدول العربية الرئيسة رحبت بهذا التوجه، وهي تعتبر الدور التركي مصدراً لدعم الاستقرار الإقليمي والسلام، خلافاً لما تراه تلك الدول بشأن الدور الإيراني والدور الإسرائيلي، ولذلك فإن التوجه الشرق أوسطي لتركيا يواجه بتحديات، ولكن لديه أيضاً فرص هائلة.

خلاصة القول، ثمة قوى تشد الهوية التركية نحو الشرق، في مقابل قوى أخرى تشد الهوية نحو الغرب، وثمة فرص وتحديات تواجه الدولة التركية في اختياراتها الوطنية والإقليمية المنبثقة عن ذلك الصراع حول هويتها، وقد نرى تطورات مستقبلية غير منظورة تحسم هذا الصراع لصالح أحد التوجهين أو لصالح قدر من التوازن بينها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات