مستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ضوء عاصفة الحزم

د. عبدالله الشيبة: مستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ضوء عاصفة الحزم

  • 28 أبريل 2015

يخطو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ تأسيسه في الخامس والعشرين من شهر مايو عام 1981، بخطى ثابتة نحو ترسيخ الأسس والمبادئ وتحقيق الأهداف التي تم إنشاؤه من أجل تحقيقها؛ فالمجلس منذ إنشائه يصبو إلى تحقيق التنسيق والتكامل بين دوله: دولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، ومملكة البحرين، ودولة قطر في جميع الميادين؛ ابتغاء تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى، وهو وحدة تلك الدول. كما يرمي المجلس إلى توطيد أواصر التعاون بين شعوب دوله، وإنشاء أنظمة متكاملة في كل الميادين الاقتصادية والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الحقول التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والإعلامية والسـياحية والتشـريعية والإدارية. كما يهدف المجلس إلى وضع أسس وقواعد لتحقيق التقـدم العلمـي والتقني في مختلف المجالات، بما فيها الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية. ولم يغفل المجلس دور مراكز البحوث والدراسات؛ حيث أَوْلى إنشاء تلك المنارات العلمية الهادفة وتطويرها اهتماماً خاصاً؛ ما يسهم في دفع عجلة التقدم الفكري والعلمي في كل ميادين المجتمع الخليجي العربي، وفي القطاعين الخاص والعام.

والمتتبع لمسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يلاحظ أن هناك تقدماً بطيئاً نوعاً ما، في توحيد التشريعات الاقتصادية والتجارية بين الدول الأعضاء، ولكن هناك اندماجاً وتعاوناً ثقافياً وفكرياً ملموساً بين الكيانات الفكرية في تلك الدول، ولكن التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة التي شهدتها منطقة الخليج العربي، توحي بأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية مقبل على مرحلة مفصلية جذرية، قد تدفع بمسيرة التقدم والتطور في المجالات الاقتصادية والتجارية إلى الأمام بوتيرة أسرع مما سبق؛ فقد شهدت منطقة الخليج العربي في السنوات الأخيرة تنامياً واضحاً وخطيراً في السياسة الإيرانية تجاه دول المجلس. ولا يخفى على أحد أن فكرة إنشاء المجلس في حد ذاتها؛ قد جاءت لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية تجاه دول المنطقة، من خلال كيان موحد وسياسة متفق عليها؛ فالتمدد الإيراني الذي يعود في تاريخه إلى مرحلة الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي، والرغبة القوية الإيرانية في سد الفراغ الشاغر، بخروج القوات البريطانية من المنطقة، قد تجلى بوضوح في سياسة إيران في دول عدة محيطة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

فهناك الحكومة الموالية لطهران في بغداد، إضافة إلى الدعم الإيراني العسكري الواضح للنظام السوري، وتقوية دور حزب الله في لبنان، وإثارة القلاقل في شرق السعودية ومملكة البحرين، من خلال دعم الشيعة هناك. ولم تكتفِ إيران بذلك، بل تجاوزته إلى مرحلة دعم جماعة الحوثيين (الشيعة) اليمنية، عسكرياً وسياسياً؛ للاستيلاء على مقاليد السلطة في اليمن، وهي الدولة التي تتمتع بصفة (المراقب) في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد قامت تلك الجماعة، بدعم داخلي من القوات المسلحة الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ودعم خارجي من طهران، بالاستيلاء على معظم مدن اليمن والسيطرة على أجهزة الدولة الرسمية؛ ما حدا بالرئيس اليمني الشرعي عبد ربه منصور هادي، إلى مغادرة اليمن وإدارة شؤونه من الخارج.

ونتيجة لهذه السياسة الإيرانية الواضحة، والهادفة إلى تطويق دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بحزام من الحلفاء الشيعة، جاء قرار دول المجلس، بتوجيه عملية عسكرية تحت اسم (عاصفة الحزم)؛ تهدف في المقام الأول إلى تحجيم دور الحوثيين في اليمن ووقف تمددهم في كل أنحائه، وإعادة السلطة الشرعية إلى صنعاء ممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي. والملاحظ أن العملية العسكرية، قد تمت إحاطتها بجدار من السرية؛ ما أكسبها عنصر المفاجأة لا لإيران وحلفائها في اليمن فحسب، بل للعديد من دول العالم أيضاً؛ ما أدى – من دون ريب – إلى نجاح تلك العملية عسكرياً، الذي انعكس على السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بالإيجاب أيضاً في أكثر من مجال.

ففي المجال الأول، برز التنسيق القوي والفعال فيما بين دول المجلس؛ لإنشاء التحالف العسكري الذي ضم دول المجلس، باستثناء سلطنة عُمان، أما المجال الثاني، فهو نجاح دول المجلس في الحصول على التأييد السياسي لعملية عاصفة الحزم من خمس دول أخرى، هي: مصر، والمملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة المغربية، والسودان، وباكستان، وما رافق هذا الدعم السياسي من دعم عسكري من تلك الدول باستثناء باكستان، أما المجال الثالث، فيتضح في نجاح المملكة العربية السعودية في جمع كل من قطر ومصر في التحالف العسكري، برغم الخلافات السياسية بين الدولتين على خلفية إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من سدة الحكم في مصر، أما المجال الرابع من مجالات نجاح السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهو التأييد الرسمي التركي لتحالف عاصفة الحزم، بالرغم من الخلاف السياسي بين تركيا من جانب، والسعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت في جانب آخر، فيما يتعلق بنظام الحكم الجديد في القاهرة الذي خلف حكم الإخوان المسلمين هناك، وأما المجال الخامس والأخير لنجاح السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فيتضح في الدعم الدولي ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن الذي أصدر القرار رقم 2216 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد أيد هذا القرار بكل وضوح وقوة، عملية عاصفة الحزم، وطالب الحوثيين بالانسحاب من العاصمة صنعاء، وتسليم السلطة للرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، وإلقاء السلاح. ويعكس هذا القرار مرة أخرى نجاح السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي قامت بصياغة القرار وطرحه، في حشد التأييد الدولي له.

إن كل تلك النجاحات المتتالية للسياسة الخارجية، لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سوف تسهم – من دون شك – في إرساء مرحلة جديدة من مراحل التعاون والتنسيق بين تلك الدول. أضف إلى ذلك، أن نجاحات السياسة الخارجية لدول المجلس، من شأنها أن تمنح المواطن الخليجي في تلك الدول، الأمل في تحقيق نجاحات أخرى على الصُعد الاقتصادية والتجارية والثقافية والاجتماعية؛ بهدف الوصول إلى الأهداف الاستراتيجية للمجلس؛ ومن ثم فإن من المؤمل أن تشهد الساحة الخليجية في الفترة القادمة، المزيد من التنسيق والتكامل بين الأجهزة الرسمية لدول المجلس؛ لوضع الخطط الضرورية لتطوير مسيرة المجلس، أخذاً في الحسبان مساعدة اليمن على تجاوز محنته وإعادة بناء بنيته التحتية. وقد يتجاوز هذا الأمر إلى قبول العضوية الكاملة لليمن في المجلس؛ ما سيمنح دول المجلس بشكل عام واليمن بشكل خاص، دفعة قوية نحو المزيد من الاستقرار والتنمية الاقتصادية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات