مستقبل حكومة المالكي .. في ضوء خطة بوش الجديدة

رمضان قرني محمد: مستقبل حكومة المالكي .. في ضوء خطة بوش الجديدة

  • 11 فبراير 2007

شهدت الشهور الأخيرة، حالة من الاستقطاب السياسي الحاد بين الإدارة الأمريكية وحكومة "نوري المالكي"، على خلفية تباين موقف الجانبين إزاء الوضع المتفاقم في العراق وكيفية السيطرة عليه، مما دفع للاعتقاد بوجود توجه أمريكي، لاستبدال حكومة "المالكي" بحكومة أخرى أكثر قدرة على ضبط الأمور في العراق، لاسيما في ظل العلاقات القوية التي تربط المالكي بالتيار الصدري الذي تتهمه واشنطن بالمسؤولية عن تفاقم أعمال العنف الطائفي، والتي بدأت تهدد بدخول هذا البلد في أتون حرب أهلية شاملة، يعتبر الكثيرون أنها اشتعلت بالفعل.

 وقد وصل هذا السجال بين الجانبين ذروته خلال إعلان بوش استراتيجيته الجديدة في العراق، والتي تضع على عاتق الحكومة العراقية التزامات كبيرة يتعين القيام بها حتى تنجح هذه الاستراتيجية، لاسيما ما يتعلق منها بضرورة مواجهة المليشيات المسلحة، السنية منها والشيعية على السواء، واتخاذ بعض الإجراءات اللازمة لإصلاح الخلل السياسي القائم في البنية السياسية الحاكمة، مثل إصدار تشريعات جديدة تضمن عدالة توزيع الثروة النفطية، وتعديل قانون اجتثاث البعث وإجراء بعض التعديلات الدستورية التي تقلل مخاوف الطائفة السنية من التهميش والإقصاء. فقد أكد بوش ضرورة قيام الحكومة العراقية بالالتزامات المفروضة عليها طبقاً لهذه الاستراتيجية، مشيراً إلى أن التزام واشنطن تجاه هذه الحكومة ليس مطلقاً، وأنها قد تخسر تأييد الإدارة والشعب الأمريكيين إذا لم تنفذ وعودها، وهو ما اعتبره البعض تهديداً مباشراً لحكومة المالكي بإمكانية تغييرها إذا لم تقم بتنفيذ ما هو مطلوب منها.

 ولم يكن هذا التوتر مفاجئاً في ضوء حرب التصريحات التي اشتعلت بين الجانبين قبل وبعد إعلان هذه الاستراتيجية، خاصة من جانب الإدارة الأمريكية؛ حيث قال السفير الأمريكي في العراق "زلماي خليل زاد": "إن بعض القادة العراقيين أخطؤوا التقدير عندما ظنوا أن الدعم الأمريكي سيستمر من دون شروط، لكنهم يدركون الآن أن صبر الشعب الأمريكي بدأ ينفد.. "، كما أكدت وزيرة الخارجية "كونداليزا رايس" المعنى نفسه مشيرة إلى أن الوقت ينفد من حكومة المالكي، وأنه أدرك أن المساعي الدبلوماسية لم تنجح في حل الميليشيات الشيعية. كما استنتج تقرير للاستخبارات الأمريكية نشرته "واشنطن بوست" أن "المالكي"، سيكون عاجزاً أو غير مستعد لاتخاذ الخطوات الصارمة المطلوبة، لتنفيذ أي استراتيجية، فيما عبرت مذكرة سرية لمستشار الرئيس بوش للأمن القومي، "ستيفن هادلي" في نوفمبر الماضي، نشرتها "نيويورك تايمز"، عن شكوك جدية حول قدرة "المالكي" على السيطرة على العنف الطائفي في العراق، كما شككت في قدراته على الارتفاع فوق الأجندات الطائفية، مشيرة إلى انعدام الخدمات في المناطق السنية، والتدخل من جانب مكتبه لإيقاف العمل العسكري ضد أهداف شيعية وتشجيعها ضد أهداف سنية، وتسريح القادة العسكريين الأكثر فاعلية في العراق على أسس طائفية.

 وزادت نبرة الانتقادات الأمريكية للمالكي بعد إصراره على تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس العراقي السابق "صدام حسين" في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وبطريقة أثارت استياءً وغضباً واسعين ليس فقط في أوساط السنة العرب بالعراق، وإنما في العالمين العربي والإسلامي، وامتد هذا الاستياء إلى الأوساط الدولية، بشكل دفع الإدارة الأمريكية إلى انتقاد هذا السلوك بشكل علني؛ حيث اعتبر "بوش" أن تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين بدا كأنه "عملاً انتقامياً طائفياً"، مشيراً إلى أن حكومة المالكي "ما زالت تفتقر إلى بعض النضج"، كما انتقدت "رايس" وباقي مسؤولي الإدارة التوقيت والأسلوب الذي تمت به عملية الإعدام، فيما اتهمت تقارير إعلامية أمريكية حكومة المالكي بمحاولة إرضاء التيار الصدري على حساب تأجيج الصراع الطائفي المتفاقم في العراق.

 في المقابل انتقد "المالكي" إدارة الرئيس "بوش"، واتهمها في بعض تصريحاته الصحفية بأنها "أضعف من أي وقت مضى"، قبل أن يتراجع وينفي هذه التصريحات، كما نصح وزيرة الخارجية الأمريكية "رايس"، "بأن تتجنب التصريحات التي لا تخدم سوى الإرهابيين".

 ويتمركز الخلاف بين واشنطن وحكومة المالكي، حول قضيتين أساسيتين، تتعلق الأولى بمسألة الميليشيات الشيعية، التي تعتبرها واشنطن السبب الرئيس لحالة الانفلات الأمني في العراق، وخاصة "جيش المهدي" التابع للزعيم الشيعي "مقتدى الصدر"، والذي يرتبط بتحالف وثيق مع المالكي؛ حيث كان له دور أساسي في تنصيب المالكي رئيساً للحكومة. ونتيجة لذلك يشكك بعض المسؤولين الأمريكيين في قدرة حكومة المالكي على مواجهة ميليشيا جيش المهدي في ظل استمرار تحالفها مع التيار الصدري، والذي تشغل عناصره عدداً كبيراً من مقاعد البرلمان وبعض الحقائب الوزارية، ورغم بعض التقارير الإعلامية التي تحدثت مؤخراً عن حصول "المالكي" على دعم المرجع الشيعي الأبرز "آية الله علي السيستاني" في التصدي للمليشيات الشيعية، وعن قيامه برفع الغطاء عن التيار الصدري ومنح الأمريكيين ضوءاً أخضر لمواجهته، فإن الحكومة العراقية لن تقوم بالدور الذي يأمله الأمريكيون في التصدي لهذه المليشيات الشيعية، وهو ما يهدد استراتيجية بوش الجديدة بالفشل.

 أما القضية الثانية فترتبط بالعلاقات القوية التي تربط حكومة المالكي بإيران؛ حيث تنظر واشنطن بعين الشك إلى هذه العلاقات، لاسيما في ظل سعي طهران المستمر لتأكيد نفوذها داخل العراق، ذلك النفوذ الذي تحاول إدارة "بوش"، من خلال استراتيجيتها الجديدة، مواجهته وتحجيمه، ومن شأن ذلك أن ينعكس سلباً على علاقة الطرفين الأمريكي والعراق، وليس أدل على ذلك من الانتقادات التي وجهتها الحكومة العراقية للقوات الأمريكية بعد اقتحامها لمقر حكومي إيراني في أربيل واعتقال بعض الإيرانيين العاملين فيه بتهمة تزويد الميليشيات الشيعية بالأسلحة.

 ورغم أن الشكل العام للعلاقة بين الإدارة الأمريكية وحكومة "المالكي"، يوحي بوجود ما يمكن تسميته بـ"أزمة ثقة" بين الجانبين، لاسيما في ظل وجود شكوك أمريكية قوية تجاه قدرة حكومة "المالكي" على الوفاء بالمطالب الأمريكية، فإن مستقبل هذه العلاقة سيتوقف على عوامل عدة أهمها درجة تجاوب الحكومة العراقية مع مطالب والتزامات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وهنا تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة.

 السيناريو الأول يمكن وصفه بسيناريو الإنجاز، ويفترض نجاح حكومة "المالكي" في الوفاء بالمطالب الأمريكية، الأمر الذي يعني بقاؤه على رأس السلطة حتى نهاية ولايته عام 2010، وربما الاستمرار لفترة أخرى، ويعتمد حدوث هذا السيناريو على عدة أمور، أهمها: قدرة حكومة "المالكي" على تنفيذ البنود الرئيسة في استراتيجية بوش الجديدة، وخاصة ما يتعلق بالشقين الأمني المتمثل في وقف العنف وكبح الميليشيات، والاقتصادي الخاص بتنفيذ خطط إعادة الإعمار، وإقرار قانون تقاسم الثروة النفطية العراقية، وتحسين قطاع الخدمات بالعراق بعيداً عن الارتباطات الطائفية والإثنية، إضافة إلى إنهاء التحالف السياسي مع "مقتدى الصدر". غير أن قياس أداء حكومة "المالكي" في الفترة السابقة، لا يرجح هذا السيناريو؛ حيث تبدو قدرة هذه الحكومة، ضعيفة للوفاء بكافة هذه المتطلبات، خاصة الشق الأمني المرتبط بتحقيق المصالحة الوطنية ووقف العنف.

 أما السيناريو الثاني فيمكن تسميته بسيناريو الدعم، وينطلق من رغبة "المالكي" في البقاء لفترة رئاسة واحدة للوزراء تنتهي في 2010، استناداً  لحديثه في ديسمبر الماضي مع صحيفة "وول ستريت جورنال"، وإن كان ذلك يعتمد بالأساس على الدعم الأمريكي لقدرات المالكي السياسية والأمنية، ودفعه للابتعاد عن تحالفه السياسي مع تيار الصدر، وهو ما لن يتأتى إلا من خلال نجاح "المالكي"، في توسيع قاعدة الدعم السياسي لحكومته خاصة في أوساط السنة والأكراد والشيعة المعتدلين، ويمكن القول إن الدعم الاقتصادي الأمريكي القوي هو الحل الأمثل في هذا الإطار لكسب الولاءات السياسية لصالح حكومة "المالكي".

 السيناريو الثالث وهو سيناريو التغيير، والفكرة الرئيسة لهذا التصور، تذهب في اتجاه تأكيد جوانب عدم الثقة في حكومة "المالكي"، وعدم قدرته على تنفيذ بنود استراتيجية "بوش" الجديدة، ومن ثم البحث عن بديل عراقي "للمالكي" للقيام بهذه المهمة. ومن الناحية الدستورية، قد يبدو الأمر صعباً؛ حيث يتعين توافر أغلبية الثلثين بالبرلمان العراقي، لتعيين رئيس وزراء جديد، وهذا الأمر قد يبدو صعباً في ظل تركيبة البرلمان الحالي، التي تضم 275 عضواً، يشغل الائتلاف العراقي الموحد 130 مقعداً منها، فيما يحتل حزب الدعوة، الذي يتبع له المالكي (وهو جزء من هذا الائتلاف) 12 مقعداً في البرلمان، بجانب الثلاثين مقعداً التي يحتلها التيار الصدري المتحالف معه داخل الائتلاف الموحد، ومن ثم فإن الرهان الأمريكي سيقوم في هذه الحالة على استمالة بعض التيارات النافذة الأخرى داخل الائتلاف العراقي الموحد، وخاصة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة "عبد العزيز الحكيم"، وقد تم بالفعل طرح أسماء بعض الشخصيات البديلة والتي قد تحل محل المالكي مثل "الحكيم" و"عادل عبد المهدي"، القيادي البارز في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، فضلاً عن رئيس الوزراء العراقي السابق ، "إياد علاوي"، المعروف بتوجهاته الليبرالية. وفي جميع الأحوال فإن أداء حكومة المالكي خلال الفترة القادمة هو الذي سيحدد ماهية السيناريو الذي ستسلكه الإدارة الأمريكية في التعامل معها، وإن كانت المؤشرات القائمة لا تبعث على التفاؤل بشأن إمكانية تغيير سياساتها الحالية، والتي يصفها الكثيرون بأنها "طائفية".

Share