مستقبل الوضع في السودان بعد قرار محكمة لاهاي بشأن أبيي

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: مستقبل الوضع في السودان بعد قرار محكمة لاهاي بشأن أبيي

  • 12 أغسطس 2009

يتسم تكوين المجتمع السوداني بتعدد انتماءاته وولاءاته الضيقة، سواء العرقية منها أو الدينية والثقافية، على نحو يجعل من وحدة السودان وتماسك شعبه وأرضه معضلة حقيقية، ولاسيما أنه يقع في بيئة إقليمية مضطربة، فضلاً عن وجود أطراف دولية وإقليمية تسعى، لاعتبارات متعددة، إلى إثارة النزاعات العرقية فيه، ما جعله أشبه بمستودع للأزمات المتلاحقة والمفتوحة، وذات التأثير المتبادل على شاكلة "نظرية الأواني المستطرقة".

لقد عانى السودان منذ استقلاله من نتائج السياسات الاستعمارية التي زرعت بذور الانقسام والتناحر بين شماله وجنوبه؛ فبعد استقلاله عام 1956، اندلعت الحرب الأهلية في الجنوب، والتي استمرت قرابة أربعة عقود لتصبح أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية. ولم يتم الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره إلا بعد توقف الحرب بتوقيع اتفاق "مشاكوس" الإطاري في يوليو 2002. وبعد هذه الاتفاق دخل السودان مرحلة من المفاوضات لإعادة صياغة هيكل السلطة والثروة وطبيعة نظام الحكم وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، وأسفرت هذه المفاوضات عن  توقيع اتفاقية "نيفاشا" في يناير 2005، والتي ترتب عليها تقسيم السودان إلى إقليمين شمالي ويضم 15 ولاية، وجنوبي ويضم 10 ولايات وتحكمه الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتم الاتفاق على إجراء استفتاء في عام 2011 لتقرير مصير الإقليم الجنوبي، سواء بالبقاء ضمن السودان الموحد أو بالانفصال والاستقلال عنه.

وقد مثل النزاع بين الشمال والجنوب حول منطقة أبيي الغنية بالنفط أحد المعضلات التي كانت تهدد بنسف اتفاق السلام الموقع عام 2005، ولاسيما أن هذا النزاع تطور في أيار/مايو من العام الماضي إلى معارك عنيفة أدت إلى تدمير المنطقة وإحراقها وإلى قتل العشرات وفرار 50 ألفاً من سكانها. لكن الحكم الذي أصدرته محكمة التحكيم الدولية في لاهاي يوم 22 يوليو الماضي بشأن تحديد حدود منطقة أبيي جاء ليخفف من حدة هذه المخاوف، وينزع مؤقتاً فتيل الأزمة؛ حيث قضى بإعادة ترسيم حدود هذه المنطقة المتنازع عليها، بشكل يقلص من مساحة أبيي لصالح الشمال (قبائل المسيرية)، ويمنح له حقول النفط الأساسية في منطقة "هجليج"، فيما أعطى مساحة أكبر من المراعي والأراضي الزراعية والمياه في المنطقة إلى الجنوب، ومن المقرر أن تصل خلال هذا الشهر لجنة ترسيم الحدود إلى المنطقة لتنفيذ الحكم على الطبيعة.

وقد جاء حكم لاهاي على هذا النحو توافقياً، وليس على قاعدة غالب ومغلوب، وطغت فيه الاعتبارات السياسية على نظيرتها القانونية والاقتصادية، واستقبله الطرفان بالترحيب؛ لأنه حقق لكل طرف ما يتطلع إليه من زاويته ووفق حساباته. لكن المخاطر ما زالت قائمة، ولاسيما مع الرفض القبلي لنتائج هذا الحكم. ونتفق في هذا الصدد مع تقدير بعض المحللين أنه "إذا كان الحكم قد أرضى الطبقة السياسية في الخرطوم؛ فإنه أغضب الطبقة القبلية المنتمية إلى الشمال في أبيي. فالأولى كانت تبحث عن مغانم نفطية ومكاسب سياسية، وحققتها تقريباً، بينما الأخيرة "قبائل المسيرية"، التي تعتبر الأرض بمنزلة العِرض، خسرت جزءاً مما كان في حوزتها لعشرات السنين لصالح قبيلة الدينكا الأفريقية التي ضمنت السيطرة على أجزاء مهمة من الأراضي الخصبة وموارد المياه العذبة".

يضاف إلى ذلك أنه بالرغم من احتفاء السودانيين بقرار المحكمة التوافقي، فإن بعض المصادر تتوقع أن تستمر الخلافات بشأن قسمة مناطق النفط بين الشمال والجنوب؛ فالنفط هو محور النزاعات الداخلية ومطمع القوى الخارجية، وليس من السهل على الجنوبيين التنازل عن حقول النفط في منطقة أبيي، والتي تقدر بنحو نصف العائدات المالية للنفط السوداني عموماً، فالشيطان يكمن دائماً في التفاصيل، وقد يظهر عند محاولة التطبيق الفعلي للحكم.

وبالرغم من هذه المخاطر التي تهدد بتجدد الخلافات بين الشمال والجنوب؛ فإن هناك من يرى أن حكم محكمة لاهاي يصب في خانة الحفاظ على وحدة السودان، على أساس أن منح حقول النفط في أبيي للشمال من شأنه أن يقلل من رغبة الجنوبيين في الانفصال؛ لأن مزايا الاستمرار في إطار دولة موحدة والاستفادة من العائدات النفطية المتوفرة بها سيكون أكبر من مزايا الانفصال بالإقليم الجنوبي. في حين رأى اتجاه آخر في اللجوء إلى التحكيم الدولي لترسيم الحدود النهائية لمنطقة أبيي وحسم الخلافات بشأنها مقدمة لتكريس الانفصال الفعلي للجنوب عن الشمال خلال الاستفتاء المتوقع إجراؤه عام 2011، وهو العام نفسه الذي سيشهد استفتاء آخر في منطقة أبيي حول رغبة مواطنيها في الانضمام إلى الشمال أو الجنوب. وقد بدأت بعض قوى الجنوب تلوح من الآن باستباق هذا الموعد بإعلان استقلال الجنوب من طرف واحد كوسيلة للضغط على الشمال. وبالتالي فليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت منطقة أبيي ستشكل جسراً للوحدة بين الشمال والجنوب، أو إيذاناً بتقسيم السودان، فكل ذلك سيتوقف على نتائج الاستفتاء في الجنوب، والذي لم يتبق عليه سوى عشرين شهراً. 

وتمهيداً لعملية الاستفتاء هذه يجري حالياً الإعداد لإجراء أول انتخابات وطنية على مستوى السودان منذ أكثر من 20 عاماً، وذلك كجزء من معاهدة السلام الشاملة التي أبرمت عام 2005، ولم تكن عملية الإعداد هذه بعيدة عن الخلافات بين الجنوب والشمال، والتي تصاعدت بشأنها بعد رفض الجنوب نتائج التعداد السكاني التي إعلانها في مايو 2009، ومطالبته بعدم اعتمادها أساساً لتقسيم الدوائر الانتخابية الرئاسية والبرلمانية المقررة العام المقبل، على أساس أنه أعطت تقديراً لحجم السكان في الجنوب أقل من الواقع. وتعود أهمية هذا التعداد إلى أنه سيُتخذ أساساً في تقسيم الثروة والسلطة، فضلاً عن تأثيره على عدد الدوائر الانتخابية وفقاً للكثافة السكانية، وتطبيقاً لقانون الانتخابات لعام 2009. وقد رد مسؤولو الشمال على ذلك بأن نتائج التعداد الذي تعترض عليه بعض قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان أشرف عليها أبناء الجنوب أنفسهم، وهي نقطة أخرى تظهر أن الأزمة في جنوب السودان قد تتجه إلى ما لا يتمناه أحد وهو تكريس الانفصال.

وفي الوقت الذي تستعر فيه الأزمة في الجنوب، ولاسيما مع تجدد النزاعات القبلية المسلحة التي أودت بحياة المئات مؤخراً، تشهد أزمة إقليم دارفور تطورات لا تقل خطورة؛ حيث تحولت هذه الأزمة، التي ظلت مقصورة تاريخياً على بعض النزاعات بين القبائل الرعوية ذات الأصول العربية والقبائل الزراعية ذات الأصول الأفريقية، حول الماء والكلأ و"الجواكير" وهي زمامات الأراضي الخاصة بكل قبيلة، لتصبح قضية دولية بامتياز، صنفت ضمن جرائم "الإبادة الجماعية"، وترتب عليها إصدار المحكمة الجنائية الدولية أمراً بتوقيف الرئيس عمر البشير في مارس من العام الحالي. ولسنا هنا بصدد تحليل أو تقييم هذا الأمر، إلا أن بعض القادة الأفارقة رأوا فيه إضعافاً لعملية السلام في دارفور، وإطالة لأمد حلها في إطار سياسي.

وفي الواقع فإن ما يعرقل استقرار الأوضاع في السودان، ليس فقط تعدد النزاعات العرقية بين مواطنيه وقبائله المختلفة، وإنما، وهو الأهم، وجود قوى دولية ذات مصالح متضاربة ومتربصة بالسودان، تسعى إلى تفتيته لنهب ثرواته من النفط واليورانيوم وغيرهما، وهي على استعداد دوماً لدعم قوى التمرد والانفصال في السودان إعلامياً وسياسياً ومالياً وبالسلاح؛ فكيف نفسر مثلاً عملية الاجتياح العسكري التي قامت بها حركة "العدل والمساواة" لأم درمان العام الماضي؟ من أين توافر لها زهاء 300 عربة ذات دفع رباعي ونحو 200 عربة نصف نقل، حملت من دارفور آلاف المقاتلين المزودين بالمدافع الأتوماتيكية والصواريخ، وجرى توجيههم عبر وسائل الاتصالات بالأقمار الصناعية؟ وكيف نفسر كذلك زيارات عبد الواحد النور المتكررة لإسرائيل ولقاءاته وقيادات أجهزة الموساد، وإعلانه عن نيته بافتتاح سفارة لإسرائيل في دارفور؟.

هناك دور كبير يقع على عاتق القوى الإقليمية والدولية في تسوية الأزمات التي يعانيها السودان، أولاً، من خلال الامتناع عن التدخل في شؤون الداخلية والتوقف عن دعم حركات التمرد والانفصال، وثانياً، عبر ممارسة جهود بناءة لتقريب مختلف القوى والأحزاب السودانية، وإقناعها بأهمية الحفاظ على وحدة هذا البلد واستقراره. وقد ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية في هذا الصدد، ومن ذلك جهود الوساطة التي قامت بها بعض الدول مثل مصر وليبيا وقطر، والتي أثمرت بعض الاتفاقيات المهمة، ومن ذلك أيضاً التحول الإيجابي الذي بدا في الموقف الأمريكي مؤخراً حول تقييم الوضع الراهن في السودان؛ حيث دعا سكوت غرايشن، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى السودان، إلى تجميد العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان، وأوضح أمام الكونجرس أن ما يجري في دارفور ليس "إبادة" وليس "حملة تقتيل منسقة"، وهو ما يتسق مع تصريح كان قد أدلى به، رودولف أدادا، الممثل الخاص للبرنامج المشترك بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، في أبريل 2009 قال فيه: «إن ما يدور في دارفور اليوم هو صراع من جانب كل الأطراف ضد كل الأطراف.. وعلى الرغم من سقوط العديد من الضحايا إلا أنه لا يشكل إبادة جماعية، وإنما "تمرد منخفض الحدة"»، وإن كان غرايشن قد تراجع عن تصريحاته في محاولة لاسترضاء صقور إدارة أوباما، الذين يقودون حملة لفرض خط مشدد في التعامل مع الخرطوم، وبقاء العقوبات المفروضة عليها، ويبدو أنه ما زال من الصعب فك الاشتباك مع ميراث الإدارة السابقة.

أما الدور الأكبر، فهو يقع على عاتق السودانيين أنفسهم، فما يتعين أن يدركه مختلف الفرقاء في السودان، وخاصة في الإقليم الجنوبي، أن الانفصال عن السودان لن يكون هو الحل لمشكلات هذا البلد، أو أنه أمر سهل، حيث يرى بعض المحللين أنه في حالة اختيار الانفصال مستقبلاً ربما تصبح أبيي وغيرها من مناطق التماس على جانبي الحدود بين الشمال والجنوب قابلة للاشتعال؛ لأن تقسيم القبائل في هذه المناطق عملية صعبة للغاية في ظل حركتها الدائمة من أجل الرعي، وهى حركة "حياة أو موت" بالنسبة لها، وبالتالي فإن الأمر يحتاج إلى حكمة من جانب قيادات الأحزاب المختلفة للبحث عن صيغة للتعايش في إطار الوطن الواحد الذي يسع الجميع كما يقول الشعار الحكومي، والذي ما يزال ينتظر التطبيق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات