مستقبل المنطقة في ظل شارون

  • 2 فبراير 2003

لم يكن أحد يتوقع أن يصل آرييل شارون يوماً إلى الحكم في إسرائيل، بعد مؤتمر مدريد للسلام وانطلاق العملية السلمية بين العرب وإسرائيل، باعتباره شخصية دموية رافضة للسلام ومقدسة لمبدأ القوة العسكرية، فإذا به يفوز في انتخابات عام 2001 أكبر نسبة في الأصوات حصل عليها رئيس وزراء إسرائيلي، ويكرر ذلك مرة أخرى في انتخابات الثامن والعشرين من يناير الماضي، ملحقاً أكبر هزيمة باليسار الإسرائيلي منذ نشأة الدولة العبرية عام 1948. وبهذا أصبح شارون أمراً واقعاً في إسرائيل والمنطقة يرتبط ظهوره ووجوده وسيطرته على الحكم بتحولات حقيقية لحقت بالمجتمع الإسرائيلي، وليس مجرد حدث استثنائي يرتبط بتغيرات طارئة. وفي هذا الإطار يبرز تساؤل محوري يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط و"عملية السلام" في عهد شارون؟

لقد بادرت السلطة الوطنية الفلسطينية بعرض استئناف التفاوض بعد الانتخابات الإسرائيلية ودعا الرئيس عرفات إلى لقاء مع شارون، كما اتصل الرئيس المصري حسني مبارك بشارون وهنأه بالفوز في الانتخابات، وقالت مصادر في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن مبارك وشارون قد اتفقا على اللقاء في القاهرة بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية، يضاف إلى ذلك الأنباء التي تتحدث عن أن شارون لا ينوي تشكيل حكومة يمينية متطرفة، وإنما حكومة وطنية تضم حزب "شينوي" العلماني الحاصل على 15 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، فهل يعني كل ما سبق بداية للانفراج النسبي؟ إن القراءة المتعمقة للأحداث تشير إلى أن الفوز الكبير الذي حققه آرييل شارون في الانتخابات سوف يتيح له المضي قدماً في سياساته العدوانية، وربما تنفيذ المزيد والجديد من خطط العدوان وفرض الأمر الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يؤكد ذلك استمرار الاعتداءات على الأراضي الفلسطينية ومحاصرة مدنها وتكثيف عمليات الاغتيال ضد القيادات الفلسطينية بشكل لافت، ورفض شارون لدعوة عرفات إلى اللقاء واستئناف عملية السلام، إضافة إلى المعلومات التي تتحدث عن نية رئيس الوزراء الإسرائيلي تأجيل "خارطة الطريق"، ليس لمدة ستة أسابيع كما تريد واشنطن وفق ما أفادت صحيفة "واشنطن بوست" أول من أمس، وإنما تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة، حتى تتاح له فرصة الاستفادة من نتائج أي تسوية للملف العراقي، وأخذ الوقت الكافي لتهيئة الأوضاع في الأراضي المحتلة للقبول بتسوية مجحفة لا تحقق المطالب الفلسطينية المشروعة. إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأيا كان شكل الحكومة التي سيشكلها ويرأسها، يقود المنطقة إلى منعطف خطير ويرى أن الظروف الدولية والإقليمية مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ سياساته ومخططاته في ظل انشغال العالم بالملف العراقي، ولهذا لا يتوقع منه إلا الأسوأ خلال الفترة المقبلة؛ ولكن هذا لا يعني أنه سينجح في تنفيذ ما يريد، والدليل على ذلك أنه فشل على مدى شهور عديدة في تحقيق وعده للإسرائيليين بجلب الأمن خلال مائة يوم. فتجارب التاريخ تؤكد أن حركات التحرر الوطني كانت دائماً هي المنتصرة في مواجهة القوى والإمبراطوريات الكبرى مهما طال الوقت وعظمت التحديات، وحركة التحرر الوطني الفلسطينية ليست استثناء، وإسرائيل ليست ضد سنن الكون وقانون التاريخ.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات