مستقبل العلاقات بين شمال السودان وجنوبه بعد الانفصال

  • 7 يوليو 2011

تحدد يوم التاسع من شهر يوليو الجاري (2011) للإعلان رسمياً عن قيام جمهورية جنوب السودان، لنكون بذلك أمام مشهد ولادة قيصرية لدولة جديدة انبثقت من رحم دولة موحدة، من دون أن يتم وضع تصور مسبق وواضح لشكل العلاقة بين الدولتين، أو حسم المسائل العالقة بينهما، وعلى رأسها قضايا الحدود المشتركة. وبينما تشير تجارب سابقة مماثلة إلى أن مثل هذه المسائل والإشكالات غالباً ما يتم تسويتها بشكل سلمي ومنظم كحالة دولة تشيكوسلوفاكيا مثلاً التي انقسمت إلى دولتين (التشيك وسلوفينيا). ولكن في حالات كثيرة، ولاسيما في الدول النامية، تتسبب هذه القضايا في إثارة عدّة مشكلات بين الدولة الوليدة والدولة الأم، كما هو الحال في العلاقة بين السودان ودولة الجنوب المنفصلة، والتي تعاني من بعض المشكلات العالقة التي تعثر التوصل إلى حلول لها لسبب أو لآخر، كتوزيع الثروات والمراعي، وتحمل عبء الديون الخارجية التي تقدر بنحو 38 مليار دولار، وقضايا الجنسية، وتنقلات السكان والمقيمين بين حدود الدولتين، إضافة لقضايا ترسيم الحدود في مناطق معينة كمنطقة أبيي، وغيرها من الإشكالات التي ستلقي بأثرها على مستقبل العلاقات بين البلدين.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن دولة جنوب السودان، التي سيعلن عن قيامها هذا الشهر، تفتقر إلى كثير من مقومات الدولة الأساسية، سواء أكان ذلك على صعيد الكوادر المؤهلة لإدارة شؤونها في مختلف المجالات، أو فيما يتعلق بضعف هياكل بنيتها الأساسية، فضلاً عن النقص الحاد في الخدمات العامة في هذه الدولة الناشئة التي تعادل مساحتها مساحة فرنسا تقريباً (600.000 كم2)، ويبلغ تعداد سكانها نحو سبعة ملايين نسمة، ينتمون إلى أعراق وإثنيات متعددة ويتحدثون لغات مختلفة. وهذه العوامل وغيرها، تُنبئ ببداية غير مستقرة للدولة الوليدة، ما قد يجعلها عرضة لنزاعات داخلية، أو يدفعها إلى افتعال مشكلات خارجية لإشغال الداخل بها.

أما على مستوى العلاقات بين شمال السودان وجنوبه، فقد تأثرت بلا شك برواسب فترة الاستعمار، الذي أعمل فيها مبدأ "فرق تسد" على نطاق واسع، إضافة إلى شعور الجنوبيين بالغبن وسوء التعامل في الفترة الماضية، ناهيك عن أن الانفصال لم يتم بشكل سلمي، وإنما جاء نتاج مرحلة من التمرد المسلح وبعد جولات من الحروب الأهلية الدامية، التي استغرقت أكثر من ثلثي عمر السودان الموحد منذ استقلاله عام 1956، واستنزفت آلاف القتلى وكثيراً من الموارد.

ولذا فإن العلاقات بين دولتي الشمال والجنوب سيسودها منذ البداية الشكوك وعدم الثقة. وقد جاءت أزمة أبيي الأخيرة لتزيد من أزمة الثقة وتضعف فرص السلام والتعايش بين الجانبين. فقد حدثت اشتباكات أكثر من مرة بين الجانبين نجم عنها سقوط قتلى وجرحى من الطرفين. ومؤخراً قامت وحدات من قوات الشمال بالتوغل في منطقة أبيي، وفرضت سيطرتها العسكرية على أجزاء واسعة منها، وهو ما اعتبره مجلس الأمن "خرقاً خطيراً" لاتفاق السلام الموقع بين الجانبين عام 2005، داعياً إلى انسحاب فوري للجيش السوداني، وإيجاد حل سياسي يتم التفاوض عليه حول منطقة أبيي، وهو الأمر الذي استجابت له الخرطوم؛ حيث قامت – في بادرة إيجابية- بسحب قواتها، وحلت محلها مرحلياً قوات أثيوبية من قوات حفظ السلام.

وكان قد سبق عرض مشكلة أبيي على المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي، وصدر حكمها في 22 يوليو 2010 في هذا النزاع، وقضت بإعادة ترسيم حدود المنطقة المتنازع عليها واجراء استفتاء بين سكانها. وقد استقبل الجانبان هذا الحكم بارتياح؛ لأنه جاء توافقياً، وغلبت عليه الاعتبارات السياسية على نظيرتها القانونية أو الاقتصادية.

وكان من المفترض إيفاد لجنة من المحكمة لترسيم الحدود وإجراء الاستفتاء، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق ذلك، للاختلاف بين الجانبين على أهلية السكان الذين سيشملهم الاستفتاء. فمنطقة أبيي البالغ مساحتها 25 ألف كم2 عبارة عن مثلث غني بالنفط والغاز الطبيعي والمعادن والمياه، يتبع إدارياً لولاية جنوب كردفان، ولكنه يمتد جغرافياً إلى داخل ولاية بحر الغزال في الجنوب، وسمي "مثلث أبيي" لأن المنطقة أشبه بمثلث يلمس ثلاث ولايات؛ حيث تحد هذه المنطقة من الناحية الشرقية "ولاية الوحدة"، ومن الجنوب "ولاية بحر الغزال"، ومن الغرب "ولاية جنوب دارفور". ويتميز سكان هذا المثلث بالتداخل وعدم الاستقرار؛ لأن بعضهم من الرعاة الرحل، الذين ينتقلون بحثاً العشب والمياه. ويسكن هذه المنطقة بشكل أساسي قبيلتان، إحداهما عربية (قبيلة المسيرية)، ومعظم أفرادها من الرعاة، والأخرى إفريقية (قبيلة الدنيكا)، إضافة إلى قبائل أخرى أقل أهمية.
 
وفي خطوة استباقية، قام عدد من القيادات السياسية الجنوبية بتضمين منطقة أبيي في الدستور المقترح للدولة الجديدة المنتظر، الأمر الذي رد عليه حزب المؤتمر الحاكم في الشمال بالتهديد بعدم الاعتراف بالدولة الوليدة إذا ما أقدمت على هذه الخطوة، معتبراً أن هذا الإجراء غير مقبول؛ لأنه تم من طرف واحد، مما يعرقل فرص البحث عن تسويه سلمية تفاوضيه للنزاع حول هذه المنطقة. وقد نُسب للبشير تهديده بعدم تصدير نفط الجنوب عبر موانئ دولة الشمال، إذا ما تم ذلك. كما أثارت هذه الخطوة قيادات قبائل المسيرية، التي اعتبرتها محاولة لانتزاع أراضيها التي استوطنوها منذ عدة قرون.

ولا تعود أزمة الثقة القائمة بين البلدين فقط إلى عوامل داخلية، فهناك أيضاً عوامل خارجية تتمثل في وجود قوى إقليمية ودولية، لها أطماع ومصالح نفطية واستراتيجية في جنوب السودان، وتعمل على إثارة المشكلات بين البلدين لتتمكن من السيطرة على مقادير دولة الجنوب الوليدة والاستحواذ على ثرواتها من النفط واليورانيوم وغيرها، وهي على استعداد للذهاب بعيداً في الإبقاء على الخلافات بين دولتي السودان. ومن هنا يخشى البعض من أن تصبح مشكلة أبيي كمشكلة كشمير التي مازالت عالقة بين الهند وباكستان منذ عشرات السنين.

ويتضح مما سبق، أن مستقبل العلاقات بين جنوب السودان وشماله، سيتوقف إلى حد كبير على كيفية تعامل البلدين مع المشكلات العالقة بينهما، ومدى قدرتها على إيجاد إطار بناء لتسويتها، واستناداً إلى ذلك يبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول: أن يتمسك كل طرف بمواقفه من القضايا موضع الخلاف، ولاسيما ما يتعلق بمشكلة أبيي، فيتطور الخلاف إلى نزاع يبدأ بمواجهات بين القبائل المعنية، وينتهي بتجدد الصراع بين الشمال والجنوب بشكل يصعب السيطرة عليه، وتدخل المنطقة معه في حلقة مفرغة من الحروب من جديد. وأعتقد أن الطرفين سيتجنبان قدر الإمكان هذا السيناريو على ضوء دروس الماضي المريرة وأثمانها الباهظة، مما يشكل كابحاً لهذا السيناريو الكارثي. وأحد مؤشرات هذا التوجه إعلان الاتحاد الإفريقي عن قبول الجانبين إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد عشر كيلومترات على جانبي الحدود المشتركة، وعلى هدنة في ولاية جنوب كردفان الشمالية، لنزع فتيل التوترات بينهما، فضلاً عن سحب قوات الشمال من منطقة أبيي.

السيناريو الثاني: أن يعلن الطرفان تمسكهما باتفاقية السلام من دون سعي جاد إلى التحكم في مسلك القبائل المتناحرة، وإبقاء صراعها منخفض الحدة، وتحت السيطرة لفترة من الوقت للتنفيس عن الاحتقان السياسي الداخلي، ولحين التوصل إلى اتفاق مشترك بشأن المنطقة المتنازع عليها، وأعتقد أن هذا السيناريو وراد في المرحلة الانتقالية.

السيناريو الثالث: أن تنجح جهود وساطة الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في إيجاد صيغة وسط تلقى قبول الجانبين، وتمكّن المجموعتين القبليتين من العيش في سلام في منطقة أبيي. ويمكن في هذا السياق التفكير في جعل أبيي منطقة تكامل إقليمي بين الجانبين يتم استثمار مواردها بشكل مشترك. وهو أمر مرجح الحدوث؛ نظراً لوصول الطرفين المتنازعين إلى مرحلة بالغة من الإنهاك والاستنزاف.

  بقيت نقطة أخيرة، وهي أن للعرب، ولمصر بصفة خاصة، مصالح استراتيجية واقتصادية ومائية وأمنية في هذه المنطقة، وعليها القيام بجهد جاد لحث الجانبين على حل المشكلات العالقة بينهما بالوسائل السلمية، وتجنب الصراعات المسلحة العقيمة، وأن تبادر بالاعتراف بالدولة الوليدة، الغنية بمواردها، والاستثمار فيها من أجل صيانة المصالح العربية، وخلق فرص أفضل لتطوير العلاقات العربية-الإفريقية مستقبلاً، ولاحتواء محاولات القوى المناوئة للعرب، جعل جنوب السودان أحد مصادر التهديد وعدم الاستقرار للمنطقة العربية.

Share