مستقبل العلاقات التركية-الأوروبية.. في ظل التوتر المتصاعد شرق المتوسط

  • 24 سبتمبر 2020

تشهد العلاقات التركية-الأوروبية توتراً متصاعداً؛ بسبب إصرار أنقرة على التنقيب عن حقول الغاز في مناطق تابعة لليونان وقبرص، وبرغم دعوات التهدئة، فإن هذه الأزمة تلقي بظلال من الشك على مستقبل العلاقات بين الجانبين.

هذه ليست المرة الأولى التي تتوتر فيها العلاقات بين الأتراك والأوروبيين؛ فبرغم أنهما حلفاء تاريخيون، وهناك علاقات خاصة بينهما؛ ولاسيما في ظل مساعي تركيا المتواصلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ فقد شهدت العلاقات بين تركيا والاتحاد كمجموعة وكدول منفردة أيضاً، فترات من التوتر، بعضها بسبب السياسات الداخلية لتركيا، وخاصة بعد محاولة الانقلاب عام 2016، وتداعياتها، بما فيها تغير شكل نظام الحكم؛ وملفات حقوق الإنسان، وخاصة اعتقال صحفيين غربيين، أو على خلفية الملف الكردي، وخاصة مع فرنسا؛ أو بسبب التقارب مع روسيا، وخاصة بعد صفقة (إس-400)، أو بسبب أزمة اللاجئين؛ حيث تهدد تركيا باستمرار الأوروبيين بفتح حدودها أمام المهاجرين لعبور أوروبا؛ وهذه مسألة حساسة، وقد أخذت أبعاداً مختلفة، حيث تمثل تحدياً متعدد الأوجه للأوروبيين وتثير غضبهم؛ ليس فقط لأنهم يعتبرونها ابتزازاً، ولكن لأن لها تداعيات خطيرة على الداخل الأوروبي؛ من بينها أنها ساهمت في ظهور الشعوبية، وتنامي قوة اليمين المتطرف في العديد من الدول المهمة.

ومع كل هذه الإشكاليات، بقيت الخلافات بين تركيا والأوروبيين ضمن حدود السيطرة؛ وعادة ما يتم تجاوزها بحكم حجم وطبيعة المصالح بين الطرفين، ولكن الصورة تبدو مختلفة إلى حد كبير فيما يتعلق بالخلافات القائمة في شرق المتوسط؛ حيث تنذر بحدوث صراعات مسلحة. صحيح أن مشكلة الأتراك مع اليونانيين ليست جديدة؛ بسبب الخلاف التاريخي حول قبرص؛ بل كانت هناك حرب أو بالأحرى غزو تركي عام 1974 أسفر عن تقسيم الجزيرة إلى قسمين: شمالي (تركي) وجنوبي (يوناني)؛ ولكن هذه الأزمة تم تجاوزها أو تجميدها، على أمل حلها دبلوماسياً؛ حيث لم يكن الأوروبيون مستعدين للتضحية بتركيا خلال الحرب الباردة. أما الآن فقد تغيرت الظروف الإقليمية كما الدولية؛ وخاصة في ظل اشتداد حدة الصراع على مصادر الطاقة، وهناك مصالح أوروبية متنامية في البحر المتوسط، ليس فقط بسبب اكتشافات الغاز الضخمة، ولكن أيضاً بسبب تمدد روسيا في المنطقة وسعيها لوجود عسكري في المتوسط على مقربة من الشواطئ الأوروبية؛ وهو أمر لا يقبل به الأوروبيون الذين لا يزالون يعتبرون روسيا أكبر تهديد لأمنهم. وهذا بالطبع ما يجعل من مشكلة الأوروبيين الآن مع تركيا معقدة ومركبة. فالدولة المرشحة لدخول الاتحاد الأوروبي، يُنظَر إليها الآن على أنها جار صعب؛ بل ومثير للمشاكل أيضاً.

ولكن هذه النظرة ليست موحدة؛ وهذه مشكلة أخرى؛ فالأوروبيون فعلياً منقسمون بشأن التعامل مع هذا الجار. فبينما تفضل ألمانيا ومعها إسبانيا وإيطاليا، أسلوب الحوار، فإن فرنسا تتبنى أسلوب المواجهة وتعمل على احتواء تركيا في شرق المتوسط. وهذا الموقف الفرنسي ليس جديداً أو معزولاً عن خلافات بين الطرفين حول ملفات أخرى، وفي مقدمتها الأزمة الليبية؛ حيث يدعم كل منهما طرفاً من طرفي الصراع القائم هناك؛ وثمة اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن تصعيد هذه الأزمة؛ وقد زادت حدة الانتقادات الفرنسية لتركيا بعد تدخل الأخيرة عسكرياً لصالح حكومة الوفاق، والأهم في هذا السياق توقيعها اتفاقيات تمس حقوق ومصالح الأوروبيين في المتوسط. وبعدها مباشرة جاءت مسألة التنقيب التركي عن الغاز في مناطق يونانية وقبرصية لتُفاقِم من حدة الخلاف وتعطيه أبعاداً أكثر استراتيجية؛ حيث أصبح بعض الأوروبيين يعتبرون تركيا تحدياً حقيقياً بعد أن كان يُنظَر إليها على أنها حليف استراتيجي. وحتى لو تم التوصل إلى حل بشأن الخلاف مع اليونان، في ظل التهدئة التي تحدث عنها الجانبان، فإن التطورات الأخيرة ستلقي بظلالها على مستقبل العلاقة بين الطرفين؛ ولكنها في الوقت نفسه ستضع الأوروبيين أمام معضلة حقيقية تطرح السؤال التالي: هل احتواء تركيا خارج الاتحاد سيكون أقل تكلفة من احتوائها داخله أم أكبر؟

Share