مستقبل الطاقة المتجددة

مستقبل الطاقة المتجددة

  • 17 نوفمبر 2009

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع د. هشام الخطيب، خبير الطاقة المعروف ونائب الرئيس الفخري لمجلس الطاقة العالمي، ناقش فيها عدداً من القضايا المتصلة بدور المجلس في الحوار حول مستقبل أمن الطاقة في العالم، وأزمة الإمدادات النفطية العالمية "وشيكة الحدوث" وغيرها من مصادر التهديد الرئيسة لأمن الطاقة، مع التركيز على مستقبل الطاقة المتجددة ودورها في أمن الطاقة العالمي، وانعكاسات ذلك كله على منطقة الخليج العربي.

وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة الخطيب في فعاليات مؤتمر الطاقة السنوي الخامس عشر "أمن الطاقة في الخليج: التحديات والآفاق"، والذي عقده المركز، في الفترة من 16-18 نوفمبر 2009. وفيما يلي نص المقابلة.

س:ما معالم دور مجلس الطاقة العالمي في الحوار حول مستقبل أمن الطاقة في العالم؟ وما أهم القضايا التي سوف يناقشها مجلس الطاقة العالمي في دورته القادمة بمونتريال، كندا (سبتمبر 2010)؟

ج:
مجلس الطاقة العالمي هو مجلس رسمي، يضم ممثلين من معظم دول العالم. وبالتالي، هو منصة لتداول مختلف الآراء بحرية، حول جميع مصادر الطاقة، بما في ذلك الفحم والنفط والغاز الطبيعي ومصادر الطاقة النووية والكهرومائية والمتجددة. وليس للمجلس توجهات أو تبعية لجهة أو دولة معينة، وهو أكثر مراكز الطاقة في العالم حريةً واستقلالاً في الرأي.

ويبحث الاجتماع القادم لمجلس الطاقة العالمي في مونتريال، كندا (سبتمبر 2010)، بواعث القلق الرئيسة لمجتمع الطاقة العالمي، وأهمها: كيفية الوفاء بالطلب العالمي على الطاقة، والبحث عن مزيج الطاقة الصحيح واللازم للاستقرار طويل الأجل، والقضايا المتعلقة بالسياسات والتنظيمات والتمويل. ويُتوقع حضور 100 دولة على الأقل، منهم 50 وزير طاقة.
 
س: صدرت مؤخراً بعض التوقعات تشير إلى قرب حدوث أزمة في الإمدادات النفطية العالمية. فهل تَصدق هذه التوقعات؟ وكيف ستكون آثارها الاقتصادية؟

ج: إن قاعدة المصادر الضخمة المتوفرة من الوقود الأحفوري النفط والغاز والفحم) قادرة على تلبية الطلب على الطاقة العالمية لعقود عديدة قادمة، أو لنهاية القرن الحالي حتى باستعمال أسلوب التنبؤات المتفائلة لنمو الطلب العالمي. ومن ثم، لا يتوقع أن يكون هناك نقص في مصادر الطاقة في العالم خلال النصف الأول من القرن الحالي على الأقل؛ فإذا حدثت أزمة في التزويد إقليميا وعالمياً، وهو ما أستبعده، فلن تكون نتيجة لنقص المصادر، وإنما لمحدودية الاستثمارات في مصادر الطاقة. فالتقديرات تشير إلى أننا في حاجة إلى استثمارات كبيرة تتجاوز تريليون دولار في السنة الواحدة، وهذا ليس من السهل توفيره. إن نقص الاستثمارات قد يؤدي إلى بعض الاضطراب أو النقص المؤقت في الإمدادات النفطية. يرتبط بذلك محدودية الكفاءات البشرية في مجال استخراج النفط وصناعته في الفترة الأخيرة.

س: أفضتم في محاضرتكم في الحديث عن التحديات المختلفة التي تواجه أمن الطاقة العالمي، هل يمكن أن تلقوا الضوء على التحدي الناتج عن التطورات الأخيرة في سياسات الطاقة في الدول الرئيسية المستهلكة للنفط، وانعكاسات ذلك على دول الخليج العربية؟

ج: بلا شك، هناك تغيرات في سياسات الطاقة في الدول المستهلكة الرئيسة للنفط. وهذه التغيرات تسعى إلى تحقيق أهداف عدة، أهمها: تحسين أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على استيراد النفط، وتنويع مصادر الطاقة، وتخفيض انبعاثات غازات البيئة الدفيئة، ولاسيما غاز ثاني أكسيد الكربون.

ولذلك، تلجأ عدد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية إلى أساليب ضريبية وتسعيرية لغايات تشجيع إنتاج ونشر الطاقة المتجددة. إن هذه الأساليب الضريبية، خاصة ضرائب الكربون، أدوات مالية لها علاقة مباشرة بالسوق؛ قد تؤدي إلى تقليل الطلب العالمي على النفط، ويمكن أن تعاقب المنتجين بدل أن تقع على كاهل المستهلكين. ومع ذلك، أؤكد أن الطلب على النفط سيستمر، وأن أهميته ستزداد عاماً بعد آخر.

س:بوصفكم خبيراً في الهندسة الكهربائية، ما هو موقع الكهرباء في مزيج الطاقة المستقبلي في منطقة الخليج؟ وما هي آخر تطورات مشروع الربط الكهربائي بين الدول العربية، وبين دول الخليج بصفة خاصة؟

ج:
إن استثمارات الطاقة في السنة الواحدة تبلغ نحو تريليون دولار، أكثر من نصفها (53%) يذهب إلى الكهرباء (محطات التوليد والشبكات). وإذا كانت الطاقة العالمية تنمو بمعدل 1.5%، فإن الكهرباء تنمو بمعدل 2.5%. وفي البلاد العربية، ومنها دول الخليج، نجد أن معدل نمو الكهرباء يتراوح بين 7% إلى 8%؛ أي إن معدل الزيادة في الطلب على الطاقة الكهربائية في هذه الدول يزيد بثلاث مرات عن معدل الزيادة العالمية. ولا يعود ذلك إلى طلب فعّال أو حقيقي، وإنما يعود إلى الاستعمال المفرط، بل وإساءة استعمال الكهرباء؛ نتيجة سياسات التسعير الخاطئة القائمة على الدعم، وغياب أدوات ضبط حكومية فعالة. فالدول العربية تستوفي ما يقل عن نصف القيمة الحقيقية للكهرباء التي تقدمها للمستهلكين بشكل عام؛ ما يشكل أعباء مالية ضخمة على ميزانيات تلك الدول، ويشجع على هدر الطاقة، وسوء استخدامها، والإسراف في استهلاكها. وهذا هو جوهر المشكلة التي يواجهها العالم العربي.

والحل عندي يكمن في ابتكار أساليب جديدة في التسعير، وربما تخصيص قطاع الكهرباء، وضبط الاستهلاك، وخلق إدارة مالية فعّالة ونظام تحصيل صارم؛ وهو ما سيوفر على الدول العربية مبالغ مالية هائلة، ويساهم في تقليص الطلب المتزايد على الكهرباء. قد يزعم البعض أن ذلك من شأنه أن يفضي إلى هبات واحتجاجات جماهيرية. والرد على ذلك أن تبني هذه الأساليب الجديدة في إدارة الطاقة الكهربائية يهدف بالأساس إلى الحفاظ على مصالح الجماهير، ومنع هدر المصادر المحدودة، وتشجيع الاستعمال الأمثل لها.

فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في مشروع الربط الكهربائي بين الدول العربية، فقد أعلن مؤخراً عن ربط الشبكات الكهربائية في كلٍ من مصر (المرتبطة كهربائياً بدول المشرق العربي) والسعودية (وهي عضو في مشروع الربط الكهربائي الخليجي). ومن ثم، فقد يسفر ذلك عن تحقيق الربط الكهربائي بين دول الخليج ودول المشرق العربي ومصر. وفي رأيي، أن هذه تطورات إيجابية ومهمة. غير أني أود أن أشير إلى نقطة فنية، في هذا الخصوص، تتعلق بأن الفائدة المتحققة من هذه المشروعات لن تكون مثل الفائدة المتحققة من مشاريع الربط الكهربائي بين دول أوروبا؛ بسبب أن المسافات بعيدة جداً بين المراكز العمرانية في الدول العربية، بما في  ذلك دول الخليج، بعكس نظيراتها الأوروبية، وهذا يقلل من فوائد الربط الكهربائي.
 
س: كيف تقيمون دور أشكال الطاقة الجديدة والمتجددة في أمن الطاقة العالمي، وفي الدول العربية بصفة خاصة؟

ج: هناك اهتمام عالمي كبير، ولاسيما من جانب الدول الصناعية، بالطاقة الجديدة والمتجددة، مثل الوقود الحيوي وطاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة المحيطات والطاقة الجوفية وغيرها، كمصادر مستقبلية نظيفة للطاقة وبديلة للطاقة الأحفورية.

وعلى الرغم من هذا الاهتمام العالمي الكبير بالطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، والتقدم الحاصل في هذا المجال، فإن جميع الدلائل توضح أن الطاقة المتجددة لن تستطيع أن تكون بديلاً للطاقة الأحفورية حتى في المستقبل البعيد، ولن تزيد مساهمتها في مصادر واستعمالات الطاقة العالمية خلال العقود الثلاث القادمة عن مساهمتها الحالية، والتي تبلغ حالياً حوالي 14- 16%. ويرجع هذا إلى توافر الطاقة الأحفورية بكميات كبيرة تكفي احتياجات العالم لعقود عديدة قادمة (حتى نهاية القرن الحالي)، والإشكاليات الكبيرة التي ترافق تطوير الطاقة المتجددة، والتي تتمثل في أنها متقطعة وغير مستمرة، وبالتالي فهي تحتاج إلى تخزين، مما يجعلها مكلفة. كما أن إنتاج الطاقة المتجددة يحتاج إلى استثمارات هائلة وكميات كبيرة نسبياً من الوقود الأحفوري؛ مما يخفض جداً من إمكانياتها وكفاءتها كمصدر رخيص للطاقة، ويحد من اقتصادياتها. وهو أمر يجب أن يؤخذ بالاعتبار عند تقييم الطاقة المتجددة، إذ إن استهلاك الطاقة الأحفورية اللازمة لإنتاج ونقل واستعمال الطاقة المتجددة قد يفوق الفوائد البيئية والاقتصادية منها. كما أن مصادر الطاقة المتجددة منتشرة ومبعثرة، وبالتالي فإن تجميعها مكلف. وهي تصلح فقط لإنتاج الكهرباء (وأيضاً التسخين في بعض الحالات)، وبالتالي فإن من الصعب المتاجرة بها. إن كل هذا يجعل الطاقة المتجددة غير كفؤة مقارنة بالطاقة الأحفورية (النفط والغاز والفحم)، والتي هي مصادر مركزة للطاقة، وكفؤة، وصالحة لمختلف وجوه استعمالات الطاقة (النقل، الحرق المباشر، التسخين، توليد الكهرباء… الخ)، وقابلة للتجارة الدولية. إن الطاقة الأحفورية كان لها الماضي، ولها الحاضر، وسيكون لها المستقبل.

س: ما رأيكم في الأبعاد البيئية والجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة، وانعكاسات ذلك على المنطقة العربية؟

ج: في رأيي أن الأبعاد البيئية والتكنولوجية للطاقة المتجددة على جانب كبير من الأهمية. ويجب أن نتذكر أن الدافع الرئيسي للاهتمام بالطاقة المتجددة هو الدافع البيئي للحد من الغازات المنبعثة، وخاصة ثاني أكسيد الكربون. ولكن هذا الدافع قد يكون في بعض الأحيان مبالغاً فيه؛ لأن بعض مصادر الطاقة المتجددة ذات أثر بيئي سلبي أكثر من النفط. المسألة الثانية تتعلق بأنه إذا كان الهدف من وراء مشاريع الطاقة المتجددة المحافظة على مصادر الطاقة وزيادة كمياتها، فإن الإدارة الفعالة للطاقة "الأحفورية" يمكن أن توفر أضعاف كميات الطاقة المستهدفة من هذه المشروعات.

وبالتالي، فإن الاتجاه نحو الطاقة المتجددة سيظل محدوداً جداً في المستقبل المنظور. ويتوقف مستقبل هذه الطاقة ومساهمتها في مصادر الطاقة العالمية على عاملين رئيسين، أحدهما التقدم في تكنولوجيات هذه الطاقة وتخفيض كلفها، وهو تقدم بطيء. والعامل الآخر يتعلق بالأمور البيئية والضرائب المتزايدة التي تفرض على الوقود الأحفوري والدعم المالي والتشريعي للطاقة المتجددة. إلا أن هذه العوامل، ولو أنها مؤثرة وستزيد قليلاً من مساهمة الطاقة المتجددة، إلا أنها لن تغير كثيراً من مزيج الطاقة العالمي حتى في المدى البعيد.

وفي ظل توافر كميات كبيرة ورخيصة نسبياً من النفط والغاز في المنطقة العربية، فإن إمكانيات الطاقة البديلة والمتجددة كمصادر للطاقة ستظل محدودة للغاية في المستقبل المتوسط والبعيد. ودعني أصارحك القول؛ لو كانت الدول الغربية تمتلك مصادر بترولية كبيرة مثل البلاد العربية لما توجهت نحو مشاريع للطاقة المتجددة مكلفة اقتصادياً وطاقوياً، ومحدودة الجدوى والكفاءة أيضاً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات