مستقبل السودان

  • 29 نوفمبر 2010

اقترب موعد استحقاق خطوة الاستفتاء على مصير السودان وفقاً لاتفاقية السلام الموقعة في 2005 بين المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب، فوفقاً لهذه الاتفاقية يفترض أن يجري في شهر يناير2011 الاستفتاء الشعبي على مستقبل الجنوب: وحدة باقية مع الشمال، أو انفصال إلى دولتين. وهناك سيناريوهات عدة متصورة للمستقبل القريب، أولها ألا يكون ممكناً إجراء الاستفتاء في موعده بسبب عدم اكتمال الاستعدادات المطلوبة، أو تصاعد المشكلات بين طرفي الحكم في السودان. وما لم يكن تأجيل الاستفتاء بموافقة الطرفين فإن ذلك سوف يمهد الطريق لتطورات خطيرة قد تصل إلى حد اشتعال القتال بينهما من جديد. صحيح أن الطرفين يحرصان على استبعاد عودة سيناريو الحرب، وهما أغلب الظن صادقان في هذا لأن تكلفة الحرب سوف تكون أغلى من تكلفة أي سيناريو آخر لمستقبل السودان، غير أن الحرب قد تنشب بسبب تصرفات حلفاء صغار في المعادلة يمكن أن يؤدي تورطهم في أعمال قتالية إلى استدراج الطرفين الأكبر للمشاركة فيها.

يجئ تالياً في ميزان التداعيات السلبية على مستقبل السودان السيناريو الخاص بإجراء استفتاء تكون نزاهته محل خلاف، فسوف يفتح هذا السيناريو الباب لعودة التصعيد مجدداً إلى علاقات الطرفين بسبب الخلاف حول نتائج الاستفتاء، وللأسف فإن مما يعزز هذا السيناريو أن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في السودان قد حققت لشريكي الحكم، كلاً على حدة، سيطرة شبه كاملة على الإقليم الخاضع لسيطرته المباشرة، فقد حصل كل منهما في تلك الانتخابات على ما يفوق 90% من المقاعد. أما السيناريو الثالث، وهو في المدى القصير السيناريو الإيجابي الوحيد، فهو أن يجري الاستفتاء في موعده برضى الطرفين وباتفاق بينهما على نزاهته، الأمر الذي يسهل قبول نتائجه والانطلاق منها، أيّاً كانت، لبناء سودان جديد، إذا ما تم الوصول إلى خيار الوحدة أو إلى بناء علاقة صحية بين دولتين تربطهما مصالح بالغة التشابك. وللأسف فإن المناخ السائد حتى الآن في هذه العلاقة بين شريكي الحكم في السودان لا يبدو معه أن فرص تحقّق هذا السيناريو في الواقع عالية، إضافة إلى أن ظهور دولتين في جنوب السودان وشماله برضى طرفي الصراع لا يعني أن هاتين الدولتين ستكونان بمنأى عن عدم الاستقرار؛ فسوف تبقى دولة الشمال تواجه مشكلة خطيرة كمشكلة دارفور، وقد يكون انفصال الجنوب عاملاً في تفاقم المشكلة بمعنى تعزيز التوجهات الانفصالية لدى فصائل المعارضة في دارفور، كما أن الحركة الشعبية تواجه تحديات حقيقية لسلطتها في الجنوب، وقد أوضحت نتائج دراسة ميدانية أن ضحايا الاقتتال الداخلي في الجنوب يفوقون عدداً ضحايا الاقتتال بينه وبين الشمال.

وإذا حدث المتوقع وانتهى الأمر في استفتاء يناير2011 إلى خيار انفصال الجنوب عن الشمال وإقامة دولته الخاصة به فإن هذا سوف يمثل درساً بليغاً –بعد فوات الآوان- بخصوص الإدارة السيئة للتنوع في بلد شديد التنوع. هناك أولاً النظرة الخاطئة للصراع التي دامت عقوداً، والقائمة على أنه يجب أن يحل بالقوة وليس بالعدل، ثم زاد الطين بلة ما حدث بعد الانقلاب الذي أتى بحكم عسكري ذي توجهات "إسلامية" في1989، والذي ما زالت قيادته في موقع الحكم في السودان حتى الآن. فقد أدت تلك التوجهات إلى ظهور نزعة "لتديين" الصراع بين الشمال والجنوب، فلم تعد المسألة حرباً أهلية بين طرفين يشتكي أحدهما من مظالم مستدامة ارتكبتها الحكومات السودانية المتعاقبة بحقه، وإنما أصبحت حرباً مقدسة بين دار الإسلام في الشمال ودار الكفر في الجنوب، ومع الإخفاق المتزايد في حل الصراع عسكرياً بدأ يظهر مفهوم أخطر، وهو النظر إلى انفصال الجنوب لا باعتباره ضربة قاسمة توجه لوحدة السودان، وإنما باعتباره وسيلة لتخليص الشمال "المسلم" من القيود التي يفرضها الجنوب "الوثني" على سعيه من أجل بناء نموذج إسلامي في السودان. وللأسف فإن هذه الظاهرة ليست مقتصرة على السودان، إذ إن عدداً من النظم التي تعتبر نفسها في عداد النظم "الإسلامية" يعتبر أن بناء النموذج أهم من الحفاظ على وحدة الدولة (قارن بحالة حماس في غزة، وإلى حد كبير -مع خلاف في التفاصيل- الوضع في الصومال). لا أدري من أين أتى هذا المفهوم الخطير الذي قد يجعل من الحكم "الإسلامي" مرادفاً لتمزق الدولة، مع أن الحكم الإسلامي في دولة الخلافة الراشدة على سبيل المثال كان عاملاً من عوامل تمدد هذه الدولة، وليس تقلصها أو انقسامها.

يمكن أن نضيف إلى ما سبق في الحديث عن عوامل التمزق في السودان اكتشاف النفط فيه وإنتاجه بكميات تجارية ووجود مستقبل واعد له. صحيح أن النفط كانت له في السودان كما في غيره مردودات إيجابية، لكن ذلك الفيروس الخطير المسمى بمبدأ "تقاسم الثروة" بين أقاليم الدولة الواحدة كان له، دون شك، دوره في تعزيز عوامل الانفصال؛ ففي ظل إغراءات الثراء النفطي تتعزز الرغبة في الانفصال لأنها تجعل من مشروع الدولة في أعقاب الانفصال مشروعاً قابلاً للحياة من الناحية المادية على الأقل. وفي ظل اتفاقية السلام الحالية يحصل الجنوب على 50% من عائدات النفط المستخرج من أراضيه، وسوف تؤول إليه بالكامل بطبيعة الحال إذا حدث الانفصال، وليست مصادفة أن واحدة من كبريات المسائل المتنازع عليها بين الشمال والجنوب هي قضية أبيي الغنية بالنفط. وللأسف فإن للأثر السلبي للنفط على وحدة الدولة أمثلة أخرى، فهو يمثل أحد العوامل الحالية لتعويق إقامة دولة قوية في العراق بسبب رغبة كل من الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب في الاستئثار بعائدات النفط المستخرج من كردستان العراق من ناحية وإقليم الجنوب من ناحية أخرى.

أخيراً يبقى للعامل الخارجي دور في تفسير التحديات التي تواجهها وحدة السودان، صحيح أن هذا العامل يمكن أن يكون محدود الأثر أو على الأقل غير حاسم لو كانت البنية السودانية الداخلية قوية وذات مناعة عالية، إلا أن الواقع يشير بوضوح إلى غياب هذا الشرط، ومن ثم قامت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل (وغيرهما بطبيعة الحال) بأدوار محددة في دعم توجه الانفصال؛ فالولايات المتحدة دعمت الانفصال لكي تنفرد بالهيمنة على إنتاج النفط في الجنوب عقب انفصاله بعد أن حرمها النظام الحالي في السودان من هذا الوضع بعلاقته العضوية المتينة بالصين. أما إسرائيل فإن دعمها للانفصال يأتي في سياق استراتيجيتها الثابتة في تمزيق الدول العربية، ولاسيما الكبيرة منها وذات الإمكانات التي يخشى من أن استغلالها سوف يجعل هذه الدول خطراً على إسرائيل (قارن بالحالة العراقية)، وكذلك في سياق الالتفاف حول هذه الدول درءاً لأي خطر مستقبلي محتمل على أمن إسرائيل.

سوف تكون للانفصال، عندما يحدث، تداعياته الخطيرة دون شك، وأول هذه التداعيات يتعلق بمشكلة توزيع المياه التي تمر أصلاً بمرحلة حساسة في الوقت الراهن نتيجة الخلاف بين دول حوض النيل حول قضايا محورية تتعلق بتوزيع المياه فيما بينها، وسوف تعاني مصر بالذات من هذه المسألة؛ لأن ثمة اتفاقية لتوزيع مياه النيل تربطها بالسودان منذ 1959، ومن نافلة القول إن الجنوب سوف يعمل على أن تكون له حصته المقننة في هذه المياه، وهو ما قد يربك المعادلة برمتها. كذلك فإن سيناريو بناء علاقات إسرائيلية قوية بدولة الجنوب مرجح في ظل تصريحات رئيس الجنوب القادم (سيلفا كير) بعدم الممانعة في وجود مثل هذه العلاقات؛ لأن إسرائيل عدو للشعب الفلسطيني وليس للشعب السوداني في الجنوب. وسوف تترتب كذلك انعكاسات خطيرة -إذا انفصل الجنوب- على تماسك الدول الأفريقية القائمة على التنوع كحالة السودان، إذ سوف يمثل هذا الانفصال حافزاً لقوى فاعلة فيها على محاكاته في أوطانها. أما النظام العربي فسوف يكون انفصال الجنوب نذيراً بمزيد من التردي في أوضاعه على أساس أنه سيمثل الحالة الثانية (بعد الصومال) لتمزق دولة عربية، ويسهل تكرار هذه الممارسة لاحقاً.

لم تفعل الحكومة السودانية للأسف شيئاً منذ توقيع اتفاقية السلام في2005 لجعل خيار الوحدة "جاذباً"، وكذلك لم تفعل الدول العربية، وأغلب الظن أنها لم تهتم بالموضوع أصلاً، وإذا كان اهتمامها قد فتر بما يسمى قضية العرب الأولى في فلسطين فما بالنا بقضية كجنوب السودان؟ وذلك بينما كانت القوى الإقليمية والعالمية الساعية إلى تعزيز احتمالات الانفصال لا تضيع أي وقت في سعيها هذا. غير أن الحكومة السودانية والعرب اكتشفوا فجأة وقبل شهور قليلة من موعد الاستفتاء المفترض أن الوضع خطير، لكنهم مع ذلك لم يقدموا على أي خطوة من شأنها الحفاظ على وحدة السودان، وإنما بقوا في دوامة الحيرة بعد ردود الأفعال الواهية إزاء المشكلات المتصاعدة يوماً بعد يوم بين الشمال والجنوب، وكل ما فعلته دولة محورية كمصر أنها بدأت ترتب لعلاقات قوية –أو بالأقل طبيعية- مع "دولة الجنوب" بإقامة قنصلية وفتح خط طيران بين القاهرة وجوبا وافتتاح فرع لجامعة الإسكندرية هناك. وعلى الرغم من أن هذه الأعمال قد تكون بحد ذاتها تعزيزاً لسيناريو الانفصال فإن لها منطقها، والسؤال: أين كانت هذه المبادرات -بغض النظر عن تقييمها- منذ عام2005؟ أم إن النظام العربي كُتب عليه أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى أسوأ منها، بحيث يجئ انفصال جنوب السودان تالياً لتمزق الصومال، وقد يسبق تطورات أخرى لا تقل خطورة في بعض الدول العربية المعرضة لخطر الانفصال أو على الأقل الغياب المتزايد للتماسك الوطني؟

Share