مستقبل السعودية بعد وفاة الملك عبدالله

عبدالوهاب بدر خان: مستقبل السعودية بعد وفاة الملك عبدالله

  • 1 فبراير 2015

كان الانتقال سلساً من المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز، إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولم يكن متوقعاً غير ذلك على أي حال، برغم سيل من التكهنات السابقة التي لم تأخذ في الاعتبار، أن التضامن في الحفاظ على استقرار الحكم هو الأساس داخل الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية. وثمة عاملان آخران أسهما في تعزيز ذلك التضامن: أولهما تكاثر الإشارات الخارجية إلى مطامع ومشاريع تستهدف المملكة في أمنها وثرواتها، والآخر اضطراب الأوضاع في عدد من الدول العربية وامتدادها إلى الإقليم؛ ما أوجد ظروفاً توجب ترجيح المصلحة الوطنية على ماعداها من اعتبارات.

لا شك في أن التسلسل في الجيل الحاكم، بعد رحيل المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود، هو ما أثار التساؤلات مع اقتراب استحقاق الانتقال من جيل الأبناء إلى جيل الأحفاد. لكن صيغة بدأت ترتسم منذ مارس 2014، مع تعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولياً لولي العهد، ثم استكملها الملك سلمان، بتعيين الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد؛ ليكون أول الأحفاد الذين يوضعون على خط الحكم. وبدا هذا الاختيار منطقياً بسبب ما استطاع وزير الداخلية إنجازه أمنياً على مدى أعوام طويلة كمساعد لوالده الأمير نايف، كما بدا موضوعياً في ضوء المخاطر المتعاظمة في المحيطين العربي والإقليمي.

هذه الترتيبات في المستوى الأعلى للسلطة، بددت كل الشكوك بالنسبة إلى ثبات الحكم ومستقبله، لكن ترتيبات أخرى تلت في إطار التشكيل الوزاري، وأظهرت ملامح رؤية جديدة للملك الجديد، اختزنها من خبرة في الإدارة ومعايشة طويلة زمنياً لأهم المنعطفات والقرارات والتدابير، سواء داخل الأسرة أو في التعامل مع مختلف الملفات والقضايا الكبرى، إذ إن إلغاء مجموعة من لجان التخطيط لإدارة عمل الوزارات والتنسيق فيما بينها، وإيلاء هذه المهمات لهيئتين مستحدثتين، أظهرا اهتمام الملك سلمان، بتفعيل انخراط الوزراء ووزاراتهم كفريق واحد في عمل موحّد من خلال مجلس الشؤون السياسية والأمنية، برئاسة الأمير محمد بن نايف ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان. وهكذا يوحي الحكم بأنه، إلى جانب احتفاظه في حلقته الصلبة بمركزية رسم الاستراتيجيات وصنع القرار، لديه أيضاً الرغبة في تطبيق مفهوم جديد لتوسيع نطاق المسؤوليات، وفتح الإدارات على بعضها بعضاً، ووضعها في تواصل مباشر ودائم، وفي انسجام مستدام مع الاستراتيجيات المحددة والمتفق عليها.

ولو أُخذ هذا المفهوم على مستوى الإعلام، كمثال، فإن المداولات في المجلسين ستتيح للدولة توضيح خطوطها العريضة لما تتوقعه من الإعلام، لكنها ستتيح أيضاً للإعلام أن يعرض ما يتوقعه من سائر الإدارات، لكي يبني عمله وتفاعله مع المجتمع على أسس من المصداقية والشفافية. ويستجيب ذلك للتعريف الذي قدمه الأميران لدى ترؤسهما الاجتماعين الأولين للمجلسين، إذ أشارا إلى أن هدفهما ترتيب كل ما له صلة بالشؤون السياسية والأمنية، (وكذلك الاقتصادية والتنموية)؛ "وفقاً لاستراتيجيات محددة تخدم الوطن والمواطن"، وأشارا إلى ضرورة "رفع كفاءة الأداء ومستوى التنسيق، تفادياً للازدواج وتحقيقاً للأهداف المرسومة، بما يؤدي إلى تكامل الأدوار والمسؤوليات والاختصاصات، وبما يواكب التطوّرات والمتغيّرات المتسارعة التي طرأت في مختلف المجالات".

يستشف من هذه التوجهات أن الحكم الجديد يعي جيداً احتياجات الإدارة إلى التركيز والتطوير، ومن ثم يحرص على تحديث طرق العمل، ولا يعني ذلك سوى إدراك أن الاستقرار كهدف رئيسي لا يقتصر على حسن الأداء الأمني، بل يشمل نجاح الدولة في مختلف الوظائف الموكولة إليها. أما الاستنتاج الآخر فهو الرغبة في إيجاد توازن وتناغم بين مختلف السياسات؛ فعلى المستوى الداخلي مثلاً، يبدو واضحاً أن هناك إرادة قوية لتوسيع تبادل الجدوى بين الجهود والموارد والإمكانات المبذولة في مجالي الأمن والتنمية، توازيها أيضاً إرادة بأن يكون التطوير الداخلي مكملاً وداعماً فعلياً للدور الخارجي للمملكة العربية السعودية، وهو دور يبحث عنها حتى لو لم تبحث عنه، وذلك بحكم مكانتها الإسلامية والعربية وموقعها الجيوسياسي. ومادامت  المملكة "محكومة" وملزمة بهذا الدور، فقد أصبح لزاماً ألا يغيب هاجس المصالح البعيدة الأمد في علاقاتها الدولية، والمصالح الوطنية والخليجية والعربية؛ كرزمة واحدة لا تناقض فيها؛ لأن كل واحدة منها تخدم الأخرى وتدعّمها.

ويواجه العهد الجديد في السعودية، أوضاعاً غير مسبوقة على المستويين العربي والإقليمي، فرضت على جميع الأطراف اختبارات صعبة، كما وضعت العلاقات مع الدول الكبرى – وبالأخص الولايات المتحدة وروسيا – أمام مساءلات تتعلّق بتوضيح المصالح المشتركة ومراجعة مدى التزامها. صحيح أن ثمة معضلة أمنية – سياسية، يبدو المجتمع الدولي متشاركاً في مواجهتها، إلا أن الدول العربية الأساسية – والسعودية على رأسها – تجد نفسها إزاء مسؤوليات مضاعفة؛ فبين خطر الإرهاب والتطرّف والمخاطر التي يشكّلها التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية في دول الجوار العربي، كما وثّقت ذلك دوائر مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبياناته، تبدو اللحظة الإقليمية الراهنة مفصلية.

كل ذلك يتطلّب من السعودية، أن تبادر إلى رسم سياسات فاعلة ومتفاعلة، وأن تقدم على خطوات براغماتية غير معهودة في دبلوماسيتها التقليدية. فالمنطقة الخليجية وامتــداداتها العربية مقبلة على ترتيــبات استراتيجية دولية جديدة، أمنياً وسياسياً، ولا بدّ من ملاقاتها والتعامل معها. وإذا لم يكن هناك مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فإن الأجدى مواجهة المستجدات بثبات وثقة، ولكن بتفعيل الخيارات المتاحة أيضاً؛ كالاعتماد على النواة الصلبة لمجلس دول الخليج العربية؛ منطلقاً للحفاظ على التوازن الإقليمي القائم لأنه يحقق أمان دول الخليج وأمنها، مجتمعة ومنفردة. وأي اختلال لمصلحة إيران سينعكس سلبياً على هذه الدول، مجتمعة ومنفردة، حتى لو خيّل لهذه الدولة أو تلك، أنها تستطيع صون مصالحها بوسائلها الخاصة. ولما كان واضحاً منذ أعوام عدة، أن دول الخليج لا تنتهج سياسة عدوانية تجاه إيران، فإن هذا العنوان يجب أن يكون كافياً لإبقاء التضامن فيما بينها؛ لمواجهة السياسة الإيرانية. وبالنسبة إلى السعودية وشقيقاتها الخليجية، فإن هذه هي اللحظة التاريخية التي تثبت فيها أنها تغيرت وتقدّمت وأنشأت لشعوبها طريقة كريمة للعيش، وأنها من ثم لم تعد تعترف بشيء اسمه "شرطي الخليج" الذي يُفرض عليها؛ ذلك أن السياسة المسالمة، المستندة إلى تضامن أصحابها وتصميمهم على الدفاع عن شعوبهم وسيادة دولهم، تصبح مصدر قوة عميقة.

الكثير من العمل لتأمين هذا التضامن وتحصينه يتوقف على المملكة العربية السعودية، بصفتها من الدول الرئيسية، ولا شك في أن التوجّه لدعم مصر لتكون عنصراً أساسياً في التوازن المنشود، من شأنه أن يسدّ ثغرة كبيرة في الخواء الاستراتيجي العربي الذي تمضي القوى الدولية والإقليمية في الاستثمار به، من دون أي حساب للمستقبل. وبالنظر إلى حالات انهيار الدولة هنا وهناك، صار الحفاظ على الدول المستقرة من أبرز الأهداف الاستراتيجية؛ ولذلك فإن الدعم الذي يُقدّم للمغرب والأردن هو في الاتجاه الصحيح؛ لأن هذه الدول المستقرّة هي التي يعوّل عليها في تصحيح الأوضاع العربية ومساعدة الدول المتحوّلة كي تتجاوز الفتن والمحن التي ضربتها. لكن سياسة التحصّن خليجياً وعربياً مدعوة أيضاً إلى طرح رؤية واضحة للاستقرار المطلوب مستقبلاً، وأهم عناصره منع التجزئة والتفكيك والتقسيم المطروحة في أربعة بلدان عربية على الأقل: (العراق وسوريا واليمن وليبيا)؛ لأن هذا التوجه الذي قد تستسهله بعض القوى الدولية، وتعتقد القوى الإقليمية أنه يناسبها من شأنه: أولاً أن يمتد إلى بلدان أخرى، وثانياً أن يشيع صراعات واضطرابات لا نهاية لها، وثالثاً أن يشكّل خطراً على السلم العالمي، كما يتبيّن من الوقائع المخزية لإرهاب تنظيم "داعش".

لا الإرهاب ولا أزمات اليمن وسوريا والعراق ولا التدخلات الإيرانية ولا التزام الولايات المتحدة أو عدم التزامها تعهّداتها، هي ما سيقرر مستقبل السعودية، بل خياراتها وسياساتها. وعلى العكس، فإن هذه الخيارات هي التي ستنعكس على كل تلك المخاطر والأزمات. سياسات الهيمنة والعدوانية لا يمكن أن تدوم حتى لو أتيحت لها فرص ولحظات تاريخية، أما سياسات التعاون والمصالح المتبادلة فترجّح السلام والاستقرار؛ ولذلك تبقى أكثر نجاحاً وجدوى.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات