مستقبل الأمم المتحدة وتحولات في النظام الدولي

مستقبل الأمم المتحدة وتحولات في النظام الدولي

  • 8 مارس 2003

بعيدًا عن الجدل الدائر الآن  في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن العراق، يبدو جليًا أن هناك خطرًا يتهدد مستقبل هذه المنظمة وكذا مستقبل الهيئات الأخرى  متعددة الأطراف. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية تستحوذ على الانتباه التام عند مناقشة الوضع الحالي للأمم المتحدة وكذا وضع المنظمات الأخرى التي تواجه انقسامات من جراء الأحداث الجارية وأيضًا عند مناقشة العواقب المترتبة على هذه الانشقاقات. وفي واقع الأمر، فإن نظام توزيع القوى الدولية برمته يبدو أنه يشهد تحولاً كبيرًا.  يبدو أن مجلس الأمن سينقسم في الوقت الراهن حول القضية العراقية ومن ثم، سيصدر "قرارًا انقسامياً أو سيلجأ إلى استخدام الفيتو أو أية طريقة أخرى للحيلولة دون صدور قرار ثان تتبناه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا ويجيز اللجوء إلى عمل عسكري ضد العراق. بيد أن الرئيس الأمريكي جورج بوش كان قد أشار إلى أن بلاده ستمضي في حربها ضد العراق دون الحصول على "إذن" للدفاع عن الشعب الأمريكي. ومن ثم، يبدو ذلك تحديًا حقيقيًا لشرعية الأمم المتحدة. فعلى الرغم من أن الأمم المتحدة كانت قد تأسست في بادئ الأمر كمؤسسة تهدف إلى الحد من اندلاع الحروب وضمان تحقيق المنافع الإنسانية للبشرية جمعاء، فإن تحدي الولايات المتحدة يبدو وكأنه يقوض تمامًا المقاصد التي أنشئ من أجلها مجلس الأمن. ويمكن أيضًا القول بعكس ذلك أي أن مجلس الأمن الدولي لا يطبق القرار رقم 1441 ومن ثم يعطي حافزًا للحكام الديكتاتوريين ومن يقومون بالترويج لامتلاك أسلحة الدمار الشامل مما يمثل تهديدًا للاستقرار الدولي.

وهناك منظمة أخرى يبدو أن مستقبلها تحيط به الشكوك ألا وهي الاتحاد الأوروبي. ففي ظل اختلافات السياسة الفردية التي تكتنف الدول الأعضاء وفي ظل نشوة الانتصار الذي حققه تداول اليورو يبدو حاليًا أن الاتحاد الأوروبي سيمضي بخطى حذرة نحو عملية تحقيق التكامل في المستقبل، ولاسيما في الفترة التي تعقب مباشرة التوصل إلى إنهاء الأزمة العراقية بطريقة ما.

وينطبق الأمر ذاته على حلف شمال الأطلسي (الناتو) فهذا الحلف الذي ظل يواجه الكتلة السوفيتية لمدة خمسين عامًا ثم تحول لإدارة أزمات جديدة في أوروبا قد شهد مؤخرًا انقسامين كبيرين وكلاهما حول تركيا. وكان الانقسام الأول قد وقع عندما رفضت فرنسا وألمانيا وبلجيكا تأييد إجراء يدعو إلى تطبيق الدفاع المشترك عن تركيا وذلك قبل التوصل إلى تسوية بهذا الشأن. أما الانقسام الثاني فقد وقع عندما رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية بالتواجد على الأراضي التركية قبل الغزو المحتمل للعراق وهو ما أثار استياء بعض المسئولين الأمريكيين. وبصرف النظر عما سيؤول إليه هذا الصراع إلا أنه يبدو أن مستقبل الحلف ستثار حوله علامات استفهام.

ومن ناحية أخرى فقد شهدت كل من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي شجارين علنيين بشأن القضية العراقية أولهما بين السعودية وليبيا وثانيهما بين الكويت والعراق. وبالإضافة إلى ذلك تبدو كلتا المنظمتين في الوقت الراهن مكتوفتي الأيدي فيما عدا الاتفاق على بيانات رنانة وإن كانت في واقع الأمر محدودة النتائج.

وفي خضم هذه الزوبعة المفاجئة التي تشهدها الأحداث الجارية فضلاً عن الأزمة التي تهز أركان النظام الدولي يمكن أن تظهر عواقب جمة كنتيجة لذلك. فمثلاً إذا انهارت سلطة مجلس الأمن فأين لنا بالآلية الفاعلة اللازمة لاحتواء صراعات المستقبل؟ وما هي إذًا عواقب هذه الأزمة بالنسبة للأمم المتحدة على نطاق أوسع؟ وإذا كانت منظمة الأمم المتحدة لا تستطيع أن تمنع عضوًا في مجلس الأمن التابع لها من فرض رغبته في شن الحرب وذلك على نحو أحادي الجانب تقريبًا فماذا سيمنع الدول الأخرى التي توصف بأنها جامحة المماثلة مثل كوريا الشمالية من القيام  بأعمال استفزازية ؟ ومم سينبثق نظام عدالة دولي يكون من شأنه أن يقدم للمساءلة الحكام الديكتاتوريين سواء الحاليين أو المحتمل ظهورهم في المستقبل ممن يمكنهم إثارة القلاقل على الساحة العالمية؟ وفي ضوء الافتقار إلى التعاون من جانب مجلس الأمن فما هو الحافز الذي يمكن تقديمه للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة مما يحملها على الالتزام بتعليمات الأمم المتحدة فيما يختص بالقضايا الأقل أهمية مثل قضية اللاجئين والتدهور البيئي وما شابه ذلك؟ ومن الضروري في هذا الإطار الإشارة إلى أن  انتهاء عهد الأمم المتحدة لا يبدو وشيكًا وإن كانت ستخور قواها. وما هي نتيجة المبادرات الهامة والناجحة (بدرجات متفاوتة) التي تمت تحت رعاية الأمم المتحدة في تيمور الشرقية والبلقان على سبيل المثال لا الحصر؟ وما هو التأثير المحتمل على الروابط الدولية المضطربة بالفعل إذا فلت جماح الولايات المتحدة لتتصرف كما يحلو لها على المسرح العالمي "كالثور الهائج". ومهما كانت النتيجة، فإن تغيرًا كبيرًا قد بدأ يطرأ على الشئون الدولية بينما يتجه العالم نحو هوة من الشكوك تتزايد عمقًا يومًا بعد يوم.            

Share