مسار أسعار النفط في العام 2011

  • 5 يناير 2011

حافظت أسعار النفط على استقرارها معظم أوقات العام 2010، لكنها سجلت مع نهاية العام أعلى مستوياتها منذ 2007؛ حيث زادت أسعار النفط المستقبلية بنسبة 15 بالمائة، فيما اقترب سعر التسليم الفوري من حاجز المائة دولار أمريكي للبرميل. وقد حدث ذلك بالرغم من تزايد العرض ونمو الطلب بحوالي 2 بالمائة، فضلاً عن التوقعات الاقتصادية غير المستقرة نوعاً ما. وكان يفترض بهذه العوامل أن يعادل بعضها بعضاً، لا أن تتسبب في إحداث قفزات غير مبررة في أسعار النفط. هذه البداية الدراماتيكية للعام الحالي تجعل تطور هذه السلعة الأساسية أمراً جديراً بالمتابعة.

إن ارتفاع أسعار النفط قد يكون له انعكاسات مهمة على مستويات عدة، فإلى جانب احتمال تعريض التعافي الاقتصادي العالمي للخطر، وتحفيز التضخم، سيضطر المستهلكون إلى دفع المزيد للحصول على الوقود والسلع والخدمات الأخرى؛ حيث سيصبح السفر بالجو أكثر كلفة؛ لأن شركات الطيران قد تعيد فرض رسوم إضافية لتغطية كلف وقود المحركات الآخذ في الارتفاع. وبالنسبة لبلد يخرج بالكاد من الحرب، مثل العراق، فإن ارتفاع الأسعار يعني ارتفاعاً في الواردات وتخفيضاً للعجز إلى الحد الأدنى. أما على مستوى السياسة، فإن هذا قد يؤدي إلى اهتمام أكبر بمصادر الطاقة  المتجددة ومساعي ترشيد استهلاك الطاقة. كما انعكس هذا الارتفاع المتوقع في أسعار النفط على أسواق البورصات العربية، ولاسيما للدول النفطية، التي أغلقت في نهاية العام 2010 على ارتفاع ملحوظ نتيجة التفاؤل الناتج عن ارتفاع الأسعار.

هذا الارتفاع المفاجئ في الأسعار ناتج عن عوامل عدة قصيرة الأمد. فهناك الظروف المناخية الباردة جداً في القسم الشمالي للكرة الأرضية، والتي أدت إلى تهافت المستهلكين في أوروبا وأمريكا الشمالية على إمدادات الوقود المستعملة في التدفئة. لكن العامل الأكثر أهمية تمثل في قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بضخ سيولة مالية ضخمة في الاقتصاد. ووفق بعض خبراء الاقتصاد فإن وصول المزيد من هذه السيولة المالية إلى الأسواق عبر عمليات شراء سندات الخزينة الفيدرالية ووصولها إلى أسواق المضاربات على النفط قد يتسبب بقفزات في أسعار النفط. علاوة على ذلك، فإن الأداء الضعيف للدولار الأمريكي، الذي هو نتاج مباشر للسياسية المالية التوسعية التي تتبعها الخزانة الأمريكية، واعتماد الدولار في تسعير سلع أساسية مثل النفط، ساهم بدوره في تذبذب الأسعار بهذا الشكل.

لقد أصبحت أسعار النفط بارومتر القياس لمشاعر المستهلكين والمنتجين والمستثمرين تجاه الاقتصاد العالمي؛ حيث تتغير ردود الفعل وفق اتجاه الرسم البياني. فبينما تصرخ الدول المستهلكة عند ارتفاع الأسعار، تؤكد الدول المنتجة أن هذه الأسعار "عادلة". وهذا التباين نابع من أن الطرفين يدركان أن إحساس السوق، وليس الأسس الاقتصادية البحتة، هي التي تحدد مسار الأسعار، وبما أن أسعار النفط المرتفعة قد تؤثر  في الاقتصاد العالمي، الذي تعتمد عليه الدول المنتجة بالقدر نفسه، فإن الوضع لا يشكل حالة فوز متبادلة للجميع.

ومن العوامل الأخرى التي أدت إلى ارتفاع  أسعار النفط الخام إلى ما يقرب من 100 دولار أمريكي للبرميل الواحد، قرار أوبك (منظمة البلدان المصدرة للنفط) تثبيت حصص الإنتاج عند المستويات الحالية، رغم أن الطلب قد تعافى ووصل إلى مستويات العام 2008.

إضافة إلى ذلك، فقد انجذب المستثمرون إلى اللجوء إلى النفط كأصول آمنة، وأصبح هذا التوجه  سائداً ومضطرداً بسبب معدلات الفائدة المنخفضة وكمية السيولة العالية في الأسواق متوقعين نمو الطلب المستقبلي على النفط مع الإيمان المطلق بأن أوبك سوف تدافع عن الأسعار.

ولاشك في أن تأثير الطلب على النفط كسلعة استثمارية ينعكس مباشرة على نمو أوامر الشراء المستقبلية، والتي قفزت من ضعفي حجم الطلب في أسواق النفط الفعلية منذ 15 عاماً إلى ما يقارب 12 ضعف الحجم الحالي. وبما أن المضاربة في السلع المستقبلية تعتمد أساساً على المشاركة، فإنه من المحتمل أن تتخطى توقعات السوق حول نمو الاقتصاد العالمي أسس العرض والطلب التقليدية. ونتيجة ذلك سوف تبقى أسعار النفط متأثرة بإحساس المستثمر حول الاقتصاد العالمي خلال العام 2011، بمعزل عن حركة معدلات صرف العمولات ومعركة الصين للتحكم بالتضخم.

إن منظمة أوبك تتأثر أيضا بأسعار النفط التي تستجيب لعوامل غير أساسية؛ حيث يعتقد هذا الكارتيل النفطي بوجوب عدم ضخ المزيد من النفط في الأسواق إذا كانت الزيادة في الطلب ناتجة عن المضاربة وليس عن نقص في الإمداد. وقد صرح عبد الله البدري الأمين العام للمنظمة بأنه: "إذا وصل السعر إلى حاجز المائة دولار أمريكي للبرميل بسبب المضاربة، فإن منظمة أوبك لن تتحرك". كما عبر شداد الحسيني، المحلل النفطي والمدير التنفيذي السابق في شركة أرامكو السعودية، عن الفكرة نفسها عندما قال: "سوف نرى إذا ما كانت الأسعار تستجيب للطلب على المدى القصير بسبب الظروف المناخية أم تستجيب على المدى الطويل بسبب الطلب الاستثماري".

إن المحليين النفطيين مثل الحسيني يرون أن النفط المسعر بالدولار الأمريكي أرخص قيمته الفعلية؛ لأن سعر العملة قد انخفض. وقد عبر الحسيني عن ذلك قائلاً: "لم تصل الأسعار بعد إلى 100 دولار أمريكي للبرميل الواحد، ولا يوجد أي أمر مريب بخصوص سعر 100 دولار أمريكي لأن هذا الرقم يساوي قيمة 80 دولار أمريكي للعام 2005 عند تصحيح الأسعار الحالية لاستيعاب التضخم". كما أن منظمة أوبك، وفي ظل وجود مخزون وفير من النفط، لا تريد إظهار رد فعل مبالغاً فيه لما قد يكون حالة عابرة في الأسعار؛ فالمنظمة تعي أن الطلب قد ينخفض عند وصول النفط الزائد إلى المستهلكين بسبب الزيادة في العرض.

ولكن ماذا يوجد وراء هذا التعاظم المفاجئ في أسعار النفط الذي حصل في الأسابيع الأخيرة للعام 2010؟ إحدى الطروحات تقول إن القصة الحقيقية بدأت عند بدأت منظمة أوبك تطبيق إجراءات اتخذتها بتخفيض حصصها الإنتاجية من أجل وقف تراجع الأسعار. وهذا الأمر أخذ بالتراكم في الوقت الذي بدأت فيه الأسواق تبحث عن علامات للنمو كان أحد نتائجها تنامي استهلاك الوقود.

ويختلف الجميع حول ما إذا كان الارتفاع الكبير لأسعار النفط سوف يعيق التعافي الجزئي الذي يشهده الاقتصاد العالمي. فعلى سبيل المثال، لا يرى صندوق النقد الدولي هذا الارتفاع على أنه مؤشر خطر؛ حيث قال المدير التنفيذي في الصندوق جون ليبسكي إن أسعار الطاقة تبدو وكأنها تستجيب إلى "النمو المتزايد والقريب نسبياُ من التعافي المتزايد للاقتصاد العالمي".

من ناحية أخرى، توضح تقديرات سوق النفط للعام 2011 الصادرة من مؤسسة "سامبا" السعودية أن التعافي الاقتصادي ساعد على تثبيت حالة ارتداد قوية على الطلب على النفط، وبالأخص في الأسواق  الصاعدة، حيث ارتفعت الأسعار 26 بالمائة لتصل إلى معدل 78.2  دولار أميركي للبرميل الواحد في العام 2010. ويقول التقدير: إن "البطء في نمو الاقتصاد العالمي سوف يبطئ التوقعات للعام 2011 ولكن الطلب على النفط سوف يواصل الارتفاع ويتوقع أن تصل الأسعار إلى معدل 82 دولار أمريكي للبرميل".

والمثير للاهتمام أن هذا الارتفاع في الطلب على النفط يصدر بشكل رئيسي من الصين والهند والشرق الأوسط نفسه. فالمملكة العربية السعودية هي ثاني أكبر سوق للطلب المتنامي على النفط بعد الصين. ولا تختلف الأمور كثيراً في أسواق باقي دول مجلس التعاون الخليجي. وفي الواقع فإن التوسع الأخير في استهلاك الغاز والنفط المنزلي في دول الخليج كان سريعاً إلى حد جعل السلطات في تلك البلدان تحاول لجم الطلب من أجل ضمان إمداد طاقة مستقر على المدى الطويل.

ولكن، يبدو أن هناك اتفاقاً حول تجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار أمريكي في العام 2011. وبينما يشاهد العالم المنحنى البياني لأسعار النفط بتوتر، فإن الأسواق المالية ترى الأمر بمثابة الاتجاه الكبير القادم. إن النفط سلعة استثمار ساخنة، وكيفما نظر المرء إليها فإن العوامل المؤثرة على أسعار النفط والتي ينبغي مراقبتها هذا العام هي المضاربة على الأسعار صعوداً وهبوطاً وليس العرض والطلب.

ومع ذلك، يبدو أن هناك اتفاقاً حول تجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار أمريكي خلال العام 2011. وبينما يشاهد العالم المنحنى البياني لأسعار النفط بتوتر، يرى المتعاملون في الأسواق المالية أن هذا هو الاتجاه الكبير القادم؛ لأن النفط مجال استثماري جاذب في العام 2011. وكيفما نظر المرء إليها فإن العوامل المؤثرة على أسعار النفط والتي ينبغي مراقبتها هذا العام هي المضاربة على الأسعار صعوداً وهبوطاً وليس العرض والطلب.

Share