مسارات الأزمة في اليمن بعد عودة الرئيس صالح

  • 11 أكتوبر 2011

لم يعد أحد ليغامر بأي توقعات لمآلات الأزمة في اليمن. ولو كان الأمر يتوقف على أفكار أو خرائط طرق للحل لكان مفترضاً أن يكون اليمن بدأ منذ ثلاثة شهور على الأقل مرحلة نقل السلطة وفقاً لخطط أُشبعت نقاشاً. لكن الواقع يشي بأن ما يجري بحثه حقيقة هو غير ما يُسمع أو يُقرأ في تحليل التطورات، فالعقدة ليست تنحي الرئيس علي عبدالله صالح، وإنما شروطه للتنحي ولما بعده، وقد أثبت أنه يملك المقوّمات والمعطيات التي تجعله مسموعاً لدى الأمريكيين والسعوديين حين يطرح تلك الشروط.

كان الانطباع السائد أن الأطراف الخارجية استغلت وجود صالح في السعودية للعلاج كي تبلور معه مخارج، فلا يعود إلى صنعاء ليستأنف إدارة الأزمة بل لتنفيذ ما يُتفق عليه. غير أن الرئيس اليمني كان توصل عملياً إلى إقناع محاوريه بأن الأولوية تبقى للأمن، تحديداً بسبب وجود تنظيم "القاعدة" وخروجه من مخابئه في الجبال للانتشار في مدن الوسط والجنوب ومحاولة السيطرة عليها. فأي تغيير يطرأ الآن على النظام السياسي سيحدث خللاً في النظام الأمني لن يمكن ضبطه قبل مرور وقت طويل، بما يعنيه ذلك من مخاطر على اليمن وعلى دول الجوار. ولأنه يعرف أكثر من سواه تعقيدات هذا النظام الذي نسجه بنفسه، فإنه هو الذي أقنع الآخرين بـ: أولاً، ضرورة بقائه حالياً في المنصب كعنصر ثقة للقوى الأمنية وضمان لمواصلة مكافحة الإرهاب. وثانياً، ضرورة بقاء الهيكلية الأمنية الحالية في أي صيغة لـ"إصلاح" النظام من بعده، وإلا فإن اليمن معرّض للتشرذم والتفكك وفي ذلك أيضاً مخاطر.

خاطب الرئيس صالح، إذاً، مصالح الآخرين في بلاده، لدفعهم إلى إضفاء شيء من الواقعية على دعواتهم إلى تنحيه، وهي دعوات ما يزالون يرددونها حتى بعد عودته إلى صنعاء؛ إما للتخفيف من غضب الشارع على "الوسطاء" الخارجيين، أو للضغط عليه كي ينفذ ما وعد به؛ إذ إنهم أعطوه فرصة ليريهم نقلة نوعية في الحملة على "القاعدة". وكان لافتاً، مثلاً، أن نائب وزير الإعلام أعرب عن استيائه من تصريحات أمريكية تطالب صالح بالتنحي، معتبراً أنها "غير لائقة"، خصوصاً أنها صدرت بعد ساعات قليلة من قتل اليمني- الأمريكي أنور العولقي، المطلوب أمريكياً لتورطه في التخطيط لعمليات إرهابية. أي إن صنعاء كانت تتوقع أن تسمع من واشنطن شيئاً آخر بعد هذا الإنجاز الأمني.

في أي حال، استبق عودة صالح، واستمر بعدها، انزلاق الوضع في اليمن إلى مواجهات قتالية. أصبح عادياً، تقريباً، أن يكون هناك قصف مدفعي حكومي شبه يومي لمناطق تجمع المحتجّين في صنعاء أو تعز، أو قصف متبادل مع القوات العسكرية المنشقّة، وهو ما لم يكن يحدث بهذه الوتيرة قبل اندلاع حرب المواقع بين القوات الحكومية ومقاتلي آل الأحمر، ومن ثمَّ تفجير المسجد الرئاسي مطلع يونيو الماضي وإصابة صالح وعشرات من المسؤولين. إذاً، عاد صالح ليواصل الحرب من حيث تركها وليجدها ازدادت سخونة وباتت طبيعية وغير مستهجنة. ولعل في ظنه أن "الحل الأمني" الذي يصلح بمفاعيله ومردوداته ضد "القاعدة"، لا بدّ أن يفيد أيضاً في ضرب الخصوم والانتقام منهم من أجل فرض الحل السياسي الذي يناسبه أو على الأقل لتحسين شروطه.

 وبات مؤكداً لدى المتابعين للمحادثات المغلقة أن التصور الذي لا يحيد عنه صالح يقوم على الآتي: أولاً؛ إن أي حل سياسي سواء في إطار المبادرة الخليجية أو مقترحات مبعوث الأمم المتحدة لا بد أن يُبقي على الصيغة الأمنية الحالية مع إمكان تعديل الصيغة السياسية بتنقيح الدستور لتقييد الولاية الرئاسية وإصلاح قوانين الانتخاب والأحزاب والحريات العامة. لكن الواقع على الأرض يظهر بلداً مشرذماً تنتظر أجزاؤه حسم الأزمة الراهنة لتحدد توجهاتها. فالجنوب، مثلاً، يمكن أن يتعايش مع الشمال في ظل نظام مدني ديمقراطي، أما إذا بقي "نظام صالح" من دون صالح فإن الخيار قد يتغيّر. والحوثيون في الشمال يراقبون الأزمة وسيتصرفون في ضوء ما ستنتهي إليه. و"القاعدة" باتت بجزئها الأكبر من نسيج المجتمع القبلي الذي احتضنها في مناطقه. والقبائل الكبرى النافذة تقف ضد الرئيس، كذلك المدن الرئيسية وجانب مهم من الفعاليات الاقتصادية.

ثانياً، إن أي حل يجب أن يأخذ في الاعتبار موازين القوى الحالية. وفي رأي صالح والمجموعة العائلية والحزبية المحيطة به فإن الحراك الشبابي في الشارع ودعم المعارضة التقليدية له لم يظهرا غلبة على الشارع المؤيد للرئيس، وبالتالي فلا داعي إلى حل على أساس التنحي، وإنما يمكن الاحتكام إلى الانتخابات، وهذا تحديداً ما قد يعيد الأزمة إلى مربعها الأول؛ إذ لا ثقة بأي انتخابات تُجرى من دون أن يغادر الرئيس صالح وأعوانه مناصبهم.

ثالثاً، إذا كان لا بد من التنحي، فإن صالح يشترط اتباع معادلة "لا أنا ولا خصومي"، أي إنه مستعد للمغادرة على أن يغادر أيضاً أبرز مناوئيه، ولاسيما اللواء علي محسن قائد الفرقة الأولى مدرع، والذي انشق دعماً للثورة الشبابية، والشيخ حميد الأحمر الذي انضم و"التجمع اليمني للإصلاح" إلى الحراك الشعبي. ويعتقد صالح أن بقاء هاتين الشخصيتين لا بد أن يشكل إزعاجاً لابنه العميد أحمد قائد الحرس الجمهوري ولابن أخيه يحيى قائد الأمن المركزي اللذين يعتبرهما امتداداً واجباً وضرورياً لنظامه وضماناً للحؤول دون سيطرة خصومه على النظام المقبل.

في ضوء هذا التصور جرى تعديل المبادرة الخليجية أكثر من مرة لتصبح مقبولة من جانب الرئيس والمعارضة في آن. وما الجدل المتواصل حول "آلية" تنفيذ هذه المبادرة سوى صدى للشروط غير المعلنة لصالح. فهو يريد الإشراف على إدارة تنفيذها ليتأكد من أن شروطه مستوفاة، غير أنها تنسف عملياً الأهداف المتوخاة من المبادرة كإطار للحل السياسي. ويسود "شباب الثورة" وبعض المعارضة شعور بأن المبادرة تغيّرت ولم تعد هي تلك التي وافقوا عليها إثر إعلانها وعلى مضض. إذ توصلت مناورات علي صالح إلى تغيير مفاهيمها الضمنية، وإن أبقيت النصوص غامضة، وباتت تفترض تنازلات من خصومه يسلّمون فيها ببقاء معظم طاقمه في السلطة مقابل مغادرته متمتعاً بحصانة كاملة لعدم ملاحقته في أي ملف.

من الواضح أن علي صالح العائد من العلاج لم يعد تحت ضغوط شديدة. فالقوى الخارجية التي تستطيع أن تحرجه، وقد فعلت، إنما تحرجه في شأن ضرورة ايفائه بتعهداته الأمنية، وهو جدّد هذه التعهدات لكنه يستخدم الملف، كما فعل دائماً، للتملص من أي التزامات لا يحبذها بشأن معالجة الأزمة السياسية الداخلية، بل إنه سيستخدمه الآن لحسم عسكري، ولو محدوداً، ضد خصومه. ثم إنه تخفف من عبء التحاور مع المعارضة تاركاً هذه المهمة لنائبه عبد ربه منصور هادي وبتفويض محدود، وليس واضحاً إذا كان النائب سيتوصل إلى توقيع اتفاق مع المعارضة كما توقع مراراً، لأن أي اتفاق على قاعدة "التنازلات" المطلوبة من شأنه أن يقسم شارع الثورة ويضعفه.

واقعياً، هناك انسداد في أفق الأزمة. فالرئيس صالح لا يكترث بصدور قرار من مجلس الأمن الدولي يطالبه بالتنحي، على افتراض أن قراراً كهذا يمكن أن يصدر. ولا يخشى الضغط الداخلي محتمياً بمعادلة الشارعين. ولا يخشى حرباً أهلية بل يمكن أن يستدرجها؛ لأن لديه القدرة على مواجهتها. فهل تتجه الضغوط الخارجية نحو خصومه لإقناعهم بقبول ما هو ممكن الآن على أمل تحسينه لاحقاً؟ لا شيء مؤكداً. 

Share