مسارات الأزمة اليمنية

  • 23 يونيو 2011

يعاني اليمن منذ استقلاله وتوحده من الأزمات المتعددة والصراعات الداخلية، وخلال الفترة الأخيرة تصاعدت مؤشرات الخطر التي تهدد وحدة هذا البلد واستقراره مع دخول الأزمة السياسية مرحلة حاسمة على خلفية تنامي حدة الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاط نظام الرئيس علي عبدالله صالح، والتي تحولت إلى اقتتال داخلي بين القوات الحكومية وجماعات المعارضة وعدد من القبائل النافذة في البلاد القبائل، كان أحد تبعاته المهمة إصابة الرئيس صالح وبعض أركان نظامه في قصف استهدف مقر القصر الجمهوري في العاصمة صنعاء، نقل على إثرها إلى العاصمة السعودية الرياض لتلقي العلاج، ليزيد من ضبابية المشهد السياسي والأمني في البلاد.

من المعروف لدى معظم المتابعين للشأن اليمني أن الرئيس علي عبدالله صالح، الموجود على رأس السلطة منذ عام 1978، كان له دور مهم في إنقاذ الوحدة اليمنية بعد نشوب الحرب الأهلية، وهو ما ساهم في تدعيم مكانته الشعبية، ولكن بعد انتهاء الحرب (1994) وما تلاها من أحداث، يبدو أنه لم يستشعر مدى الفساد الذي استشرى والتدهور الذي أصاب أجهزة الدولة، والذي استمر أكثر من ثلاثة عقود، وألقى بتبعاته على الأوضاع في البلد، الذي عانى من أزمات متوالية خطيرة كأزمة الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن احتجاجاً على إهمال الجنوب في برامج التنمية، وأزمة الصراع مع جماعة الحوثيين، وتنامي نفوذ تنظيم القاعدة في الأراضي اليمنية، وغير ذلك من أزمات نالت بقوة من رصيد النظام سياسياً وشعبياً وحتى إقليمياً ودولياً.

وبعد أن شاهد اليمنيون مشاهد المسلسل السياسي المحبط، المتمثل في  إعلان الرئيس صالح أكثر من مرة عدم نيته في الترشح، ثم تراجعه عن ذلك، بدأت نسبة متزايدة من اليمنيين، تطالب بإجراء إصلاحات جادة، حتى قبل ما شهدته المنطقة العربية من حراك بعد الأحداث التي شهدتها تونس، ثم تزايدت هذه المطالب مع تطور حالة الحراك التي شهدتها المنطقة، وتحولت إلى مظاهرات حاشدة تطالب بإنهاء حكم صالح. ثم تعددت أماكن العصيان وحركات الاحتجاج الشعبية، وتحولت إلى معارك عنيفة في صنعاء وتعز بصفة خاصة، وامتدت لتشمل مدن أخرى.  

ومع انزلاق الأزمة إلى مرحلة الخطر، سارعت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي إلى طرح مبادرة لتسوية الأزمة سلمياً، ينص البند الرئيسي فيها على أن يقوم صالح بتسليم سلطاته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي للتمهيد لمرحلة انتقالية. وقبلت المعارضة التوقيع عليها، فيما رفض صالح ذلك لسبب أو لآخر، وكان إصراره على البقاء في السلطة ومراوغاته المتكررة مغامرة بكل تاريخه في اليمن، وسوء تقدير لعنصري الوقت والظروف التي تمر بها المنطقة العربية.

ونتيجة لتعثر المبادرة الخليجية أخذت الأزمة في التصاعد، وتحولت الاحتجاجات الشعبية السلمية إلى عصيان مدني ومواجهات مسلحة، ولاسيما بين القوات الحكومية وقبيلة حاشد، كبرى قبائل اليمن، والتي يبدو أن النظام دخل في مواجهة معها لخلط الأوراق السياسية والشعبية، ليدق المسمار الأخير في نعشه. فأحد الأركان الرئيسية للحكم في اليمن هو التحالف مع القبائل.

لقد مثلت المبادرة الخليجية فرصة نادرة للخروج الآمن والمشرف للرئيس علي عبدالله صالح، ووقف نزيف الدماء على الأرض اليمنية، لكن يبدو أن ثمّة مخاوف وشكوكاً استجدت دفعت صالح للتراجع عن موافقته المبدئية على المبادرة، ورفض التنازل الطوعي عن السلطة والإصرار على إكمال مدته الرئاسية دستورياً. قد يكون من ذلك ما شاهده بعينيه من معاناة مبارك وإحالته هو وأسرته إلى المحاكمة، وما شاهده من القتال اليائس الذي يقوده العقيد معمر القذافي، الذي أعلن مؤخراً أنه سيبقى فى بلاده حياً أو ميتاً، وتشبث الرئيس السوري بشار الأسد بالسلطة رغم كل الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها. ولعله تساءل: لماذا لا يقود هو الآخر – أي على عبد الله صالح- معركة المواجهة بنفسه حتى النهاية مثل الآخرين؟!

وعلى الرغم من أن غياب الرئيس اليمني للعلاج في السعودية لتلقي العلاج بعد إصابته يفتح المجال أمام الوصول إلى تسوية للأزمة اليمنية الراهنة، فإن مستقبل الأزمة لا يزال يكتنفه الغموض، ويواجه سيناريوهين متناقضين: السيناريو الأول والأرجح، هو النجاح في التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة استناداً لبنود المبادرة الخليجية. ويعزز من احتمالات حدوث هذا السيناريو عدة عوامل، أهمها: غياب الرئيس علي عبدالله صالح عن اليمن، فنظراً لطبيعة تمركز السلطة القوي وتمحورها حول شخص الرئيس، فإن الغياب القسري الحالي للرئيس صالح سيجعل مؤيديه في الداخل في موقف أضعف، وكلما طال غيابه عن الساحة اليمنية، هيأ ذلك فرصاً أفضل للتفاوض على تسوية للأزمة الراهنة. ومن المؤشرات الإيجابية في هذا الصدد، إعلان بعض المصادر الرسمية السعودية عدم نية صالح في العودة، وإعلان الشيخ صادق الأحمر، شيخ قبيلة حاشد، تأييده تولي القائم بأعمال الرئيس عبد ربه منصور هادي رئاسة سلطة انتقالية في اليمن.

ومن العوامل المهمة في هذا السياق موقف دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أكدت دول المجلس حرصها على أمن اليمن واستقراره، واستعدادها لبذل كل جهد من شأنه أن يساعد على إنهاء الأزمة التي يعيشها، كما أعلن عبداللطيف الزياني، أمين عام "مجلس التعاون"، استعداد دول المجلس للاستمرار في مساعي الوساطة من خلال "المبادرة الخليجية". ويمكن لدول المجلس، وخاصة السعودية، أن تؤدي دوراً محورياً في تأمين انتقال سلمي وسلس للسلطة، من خلال استثمار فرصة وجود علي عبدالله صالح في الرياض، وإعادة إحياء مبادرتها ربما في قالب جديد عبر إدخال تعديلات جاذبة للطرف المستعصي. فهذه الدول لاتملك رخصة الوقوف موقف المتفرج على ما يدور في جوارها المباشر من أحداث جسام؛ لأن ترك اليمن وحيداً في مواجهة مصيره، سيصبح أخطر وأكثر كلفة من الاهتمام به. ومما قد يساعد على ذلك أن دول المجلس، ولاسيما السعودية، لديها أوراق للضغط على علي عبدالله صالح وأقطاب المعارضة للتوصل إلى حل وسط للأزمة الراهنة، كما أن لها علاقات جيدة مع القبائل اليمنية. أضف إلى ذلك القبول الدولي الواسع الذي باتت تحظى به المبادرة الخليجية، والضغوط الدولية التي تمارسها القوى الكبرى على الرئيس صالح لإجراء انتقال فوري للسلطة. فكل هذه العوامل تدفع باتجاه تسوية الأزمة على أساس المبادرة الخليجية.

أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو الحرب الأهلية والفوضى، فاستمرار الأزمة الراهنة، والتراخي في تفكيكها أو عدم التوصل إلى حلول وسط لها بين النظام والمعارضة، فضلاً عن الاستمرار فى دعم أسلوب استخدام القوة العسكرية من قبل عدد من السياسيين وجماعات المعارضة، قد يقود البلاد إلى السيناريو الكارثي وهو الحرب الأهلية، ولاسيما إذا علمنا أن كافة أنواع الأسلحة متوافرة لدى اليمنيين. ومن الأمور التي يمكن أن تساهم في تحقيق هذا السيناريو، هو إصرار الرئيس اليمني على العودة؛ حيث تؤكد المعارضة أنها ستمنع عودته، الأمر الذي يعني الدخول في دائرة أوسع من العنف. وإذا أضفنا إلى ذلك، تزايد نفوذ تنظيم القاعدة في اليمن، والذي تمكن من السيطرة على مدينة زنجبار مستغلاً الوضع الراهن، ووجود مطالب متزايدة من القوى الجنوبية بتشكيل "فيدرالية" بين جنوب اليمن وشماله، واحتمال سعي جماعة "الحوثيين" إلى تعظيم مكاسبها السياسية، فإننا سنجد أنفسنا في النهاية أمام "دولة فاشلة" بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على مجمل المنطقة.

إن الأزمة الراهنة في اليمن تتلخص في سلطة تقترب من أن تكون "فاشلة" ومجتمع يتزايد رفضه لها. وما لم يتم تدارك الأمور وإيجاد صيغة لتداول السلطة، وبسرعة، فلا شيء يمنع من صوملة اليمن. فمصير اليمن أصبح على المحك، وما لم يتم تكثيف الجهود، وخاصة من دول مجلس التعاون الخليجي، فإن كل السيناريوهات ستكون مطروحة وواردة.

Share