مسارات الأزمة الليبية في ظل تباين المواقف الإقليمية والدولية

  • 12 يونيو 2019

تتفاقم الأزمة في ليبيا، يوماً بعد يوم، مع استمرار المعارك حول طرابلس وغياب أي آفاق حقيقية للحل، خاصة في ظل تباين المواقف الإقليمية والدولية من الأطراف المتحاربة؛ فإلي أين تتجه هذه الأزمة؟
على الرغم من الدعوات المتكررة لأطرف النزاع إلى وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات، فلا توجد مؤشرات واضحة على أن الأزمة في طريقها إلى الحل، أو – على الأقل – إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار كما يطالب المجتمع الدولي، وبرغم توقف القتال لبعض الأيام خلال إجازة عيد الفطر المبارك، فقد استؤنف القتال، ولا يوجد حتى الآن فرص حقيقية لوقف الحرب، والعودة إلى طاولة التفاوض؛ وهناك من دون شك مجموعة من العوامل التي تغذي الصراع وتجعل من إمكانية إنهائه قريباً، أمراً صعباً، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً، تباين مواقف ودوافع الأطراف الليبية من الانخراط في الحرب العبثية التي بدأت فصولها الخطيرة مع إعلان قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، هجومه على العاصمة طرابلس في 4 إبريل الماضي؛ فقد اعتبرها حفتر حرباً مبررة على الميليشيات المسلحة التي تسيطر على العاصمة؛ بينما يعتبرها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، فائز السراج، اعتداء على العاصمة طرابلس و«محاولة انقلاب لتقويض العملية السياسية، ورفضاً عملياً للانتخابات وللدولة المدنية». وقد قال السراج خلال لقائه وفداً أوروبياً زار العاصمة مؤخراً، بحثاً عن حلول: إن البلاد كانت قبل الهجوم على أبواب تسوية سياسية بعد لقاء العاصمة الإماراتية أبوظبي، حينما جرى تأكيد استبعاد الحل العسكري، ودعم الملتقى الجامع، ووضع استراتيجية لبناء جيش موحد تحت سلطة مدنية.
ثانياً، التباين بل التضارب في مواقف الدول الإقليمية؛ فهناك دول في المنطقة تدعم حفتر وترى أن ما يقوم به يخدم جهودها لمكافحة التطرف والإرهاب. وبالمقابل، ثمة دول أخرى ترى العكس تماماً، وتعتبر أن ما قام به حفتر هو اعتداء على حكومة شرعية معترف بها دولياً، ومحاولة لانتزاع السلطة. وقد أكد السراج أن «ما شجع حفتر على اتخاذ هذا المسلك هو ما تحصل عليه من دعم وتسليح من بعض الدول حتى توهم أن في مقدوره اجتياح طرابلس خلال أيام».
ثالثاً، تضارب مصالح القوى الدولية الكبرى والمنخرط بعضها بشكل أو بآخر في الصراع؛ وتداخلها أحياناً بشكل لا تبدو تفسيراته واضحة، وهو ما يقود إلى ضبابية المواقف، وفي الوقت نفسه عدم القدرة على التنبؤ بتوجهاته المستقبلية فيما يتعلق بالأزمة. ويتجلى تضارب المصالح الدولية في موقفي فرنسا وإيطاليا اللتين تبادلتا الاتهامات علناً بسعي كل منهما للاستئثار بليبيا؛ أي مواردها، وخاصة أنها على مقربة من شواطئ أوروبا والاستثمار في قطاع النفط فيها أمر واعد. ولكن هذا بالطبع يزيد الأزمة تعقيداً؛ بل يجعل من الصعب التكهن بمسارها، وخاصة أنه لا يوجد حسم عسكري في الأفق لأي من الطرفين كما يرى معظم المراقبين. وتبقى الجهود الأممية التي يقودها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، غير مثمرة لا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولا في التقريب بين مواقف الأطراف المتصارعة، ولا حتى في إيجاد موقف إقليمي ودولي داعم للمقاربة التي تتبناها المنظمة الدولية لحل الأزمة.
وأياً يكن الأمر، فإن الوضع القائم في ليبيا ينذر بمزيد من التصعيد؛ وربما تتوسع دائرة الصراع مع احتدام المعارك وانخراط المزيد من القبائل في الصراع، حيث تشارك عناصر مدنية ومتطوعة إلى جانب قوات حكومة الوفاق الشرعية، وهي التي تؤكد أنه لا وقف لإطلاق النار قبل أن تنسحب القوات المهاجمة إلى حيث أتت، بينما تحدثت مصادر مختلفة عن تمكن حفتر من استمالة قبائل حتى من داخل طرابلس نفسها؛ وهذا ربما يفسر، تصريحاته بعد زيارته لفرنسا مؤخراً، وهي التي قال فيها إن الوضع غير مهيأ الآن لوقف القتال.
ومع كل ذلك، فإن فرصة تخفيف التصعيد العسكري تبقى قائمة، وخاصة مع الحديث عن تغير في موقف الولايات المتحدة من حفتر، حيث تحدثت مصادر عن مساعٍ أمريكية للضغط على كلا الطرفين؛ للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

Share