مرحلة مفصلية في إدارة العلاقات الدولية

  • 28 أكتوبر 2002
الاتحاد السوفييتي وانتهاء عصر الحرب الباردة. وهذا يدعو إلى التساؤل: هل يكون السجال الدائر حاليا حول العراق في مجلس الأمن بين واشنطن وكل من روسيا وفرنسا والصين، مناسبة أخرى لإعادة ترتيب قواعد وأنماط إدارة العلاقات الدولية خلال الفترة المقبلة بشكل يختلف عما كان سائداً خلال السنوات الماضية؟ ويجد هذا التساؤل مبرره في العديد من الأمور، لعل أهمها معارضة روسيا وفرنسا والصين الواضحة للتوجه الأمريكي بشأن الحرب ضد العراق على الرغم من الضغوط الأمريكية الشديدة التي مورست عليها لإثنائها عن مواقفها في هذا الصدد، وعلى ذلك فإن أسلوب التعاطي مع الملف العراقي سيمثل سابقة مهمة إما على مقدرة موسكو وباريس وبكين إضافة إلى برلين ودول عديدة أخرى على فرض نمط متعدد الأطراف في عملية صنع وتنفيذ القرار الدولي، وإما على فشلها في ذلك ونجاح الولايات المتحدة في تأكيد سيطرتها على النظام الدولي وتثبيت نموذج القطب الأوحد خلال المديين المنظور والمتوسط على الأقل.

ويجمع فريق من الخبراء على أن الجدل الدولي الدائر حول الملف العراقي مرهون بحدود مسؤولية القوى الكبرى عن قرارات من شأنها التأثير في مصير العالم، ولذا يرى البعض أن تشبث أطراف معينة بموقفها تجاه مشروع القرار الأمريكي لا يعكس طموحاً استراتيجياً للتأثير في هيكلية النظام الدولي بقدر ما يعبر عن نوع من الرغبة في "إبراء الذمة" حيال تأثيرات هذه المسألة دولياً وإقليميا، فيما يرى آخرون أن المسألة لا تتصل مباشرة بمنح الجانب الأمريكي حق التحرك من طرف واحد ضد العراق، بقدر ما تعبر عن رغبة الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن في تأطير المسألة ضمن المؤسسة الدولية على اعتبار أن الكثيرين -ومن بينهم هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق- يعتقدون أن هذا المنحى يعد انقلاباً في النظام الدولي الذي أقر باتفاقية "وستفاليا" عام 1648 التي أرست مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وأياً كانت طبيعة الآراء حول الجدل داخل مجلس الأمن الدولي، فإن هناك إجماعاً نسبياً على أن المواقف المعارضة تشكل إزعاجاً لواشنطن ولكنها لن ترقى إلى حد تعطيل المشروع الأمريكي سواء لإجادة واشنطن توظيف لغة المصالح أو اللعب على التناقضات القائمة بين الدول والعواصم، بحيث لم يعد يبقى أمام القوى الكبرى سوى المناورة ضمن منطقة التوازن الصعب بين تناقضات عدة.

إن السجال داخل أروقة مجلس الأمن حول الملف العراقي هو "مباراة دبلوماسية" توظف فيها الأوراق كافة، وهي أيضا "أجراس ساعة الحقيقة" التي تنبه العالم إلى واقع دولي جديد، وليس من السهل بالتالي الحديث عن تراجع هذا أو ذاك من أطراف اللعبة السياسية قبل التحقق من طبيعة هذا التراجع وحدوده الفعلية، وخصوصاً أن القناعة السائدة في أوروبا هي اتجاه واشنطن لخوض الحرب منفردة سواء حصلت على غطاء سياسي دولي أو لم تحصل عليه.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات