مرحلة فاصلة في العراق

  • 26 أبريل 2010

شهد العراق انتخابات معقولة، إلا أن ما بعد الانتخابات يتخطى كل التصورات في اللامعقول، سواء في طريقة استقبال النتائج، أو في استخلاص رسائلها السياسية، أو خصوصاً في السعي إلى بناء تحالفات لتشكيل الحكومة.

ومن الواضح أن رئيس الوزراء نوري المالكي اصطنع أزمة بسبب عدم حلول قائمته في المرتبة الأولى بعدد المقاعد في البرلمان الجديد. ثم حاول ويحاول فرض أمر واقع يؤدي إلى إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، حتى إنه ضغط على المحكمة العليا لتعطي فتوى دستورية في أي جهة يحق لها أن تنال امتياز تشكيل الحكومة، أهي الكتلة ذات العدد الأكبر من النواب المنتخبين، أم هو التكتل الذي يجمع عدداً أكبر منهم؟

ومع موافقة مفوضية الانتخابات على إعادة فرز الأصوات وعدّها في محافظة بغداد، استطاع المالكي أن يؤجل الإعلان الرسمي النهائي لنتائج الانتخابات، كما مدّد الأمل في كسر فارق المقعدين الاثنين بينه وبين رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، الذي فازت قائمته بذلك الفارق. وإذا خيبت إعادة الفرز آماله فقد يعود إلى تأييد "لجنة المساءلة والعدالة" في سعيها إلى إسقاط انتخاب بعض النواب على قائمة علاوي (العراقية) عبر اتهامهم بالعمل مع حزب البعث المنحل.

ويعرف المالكي أن عليه التمسك بضرورة إعادة تكليفه وإلا فإنه سيفقد المنصب. هذه هي فرصته، فإما أن ينتزعها أو يفقدها نهائياً، وعلى الرغم من أن لديه حظوظاً جيد، فإنه يصطدم بخصوم مختلفي الانتماءات يتفقون على شيء واحد هو عدم رؤيته في الحكم خلال المرحلة المقبلة. ذلك أنه، كأي مسؤول يتسلم السلطة في ظروف صعبة، لابد أن تعتري صورته التآكلات والاهتزازات، إذ يكون قد مرّ بمواجهات تضطره لاتخاذ قرارات غير شعبية. وكان واضحاً أن الاقتراع الجديد خيض في جانب مهم منه على أساس التغيير، أي تغيير المالكي ونهجه.

فأقل ما يقال اليوم في "حقبة المالكي" أنها كانت تحمل عنوان الطائفية والمذهبية، وكانت حقبة محاصصة لترسيخ الهيمنة الشيعية على المشهد السياسي. ومع أن ائتلافه (دولة القانون) حقق نتائج أكبر بكثير من حجمه الفعلي، إلا أن ذلك يُعزى إلى مهارة الماكينة الانتخابية وليس إلى إنجازات الحكومة. لكن ما إن حانت لحظة استثمار التجربة الحكومية، بغية تمديدها، حتى وجد نفسه عند النقطة التي انتهى إليها قبيل الانتخابات. وهي تتمثل في إمكان تحالفه مع "الائتلاف الوطني" (الشيعي) الذي يضم التيار الصدري و"المجلس الأعلى". فما حال دون التحالف قبل يبدو أنه لا يزال يحول دون التحالف بعد. إذ إن التيار الصدري وضع ما يشبه "الفيتو" على بقاء المالكي في رئاسة الوزراء، وإن كان لا يمانع التحالف مع "دولة القانون" لدعم مرشح آخر للمنصب. وحتى "المجلس الأعلى" الذي لا يجهر بـ"فيتو" على المالكي، تراكمت لديه طوال الأعوام الماضية مآخذ على المالكي، لذا فهو يبحث عن خيارات أخرى منها ترشيح أحد قيادييه لرئاسة الحكومة.

مع بروز هذه التناقضات التي لا ترجح الحفاظ على الائتلاف المستند إلى تفاهم شيعي-كردي بمعزل عن السنة الذين شاركوا جزئياً في انتخابات 2005، وجد المعنيون أن الأمر يتطلب مشاورة طهران، فاستغلوا أعياد النيروز لزيارتها والوقوف على رأيها. ويبدو أنهم استشفوا أن لا توجه إيرانياً نهائياً بعد، وأن عليهم أن يتابعوا التداول فيما بينهم لبلورة تفاهمات سياسية قبل العودة إليها. وعندما قوبل هذا الحج إلى طهران بالاستهجان، ما لبث العديد من الأقطاب أن توجه إلى السعودية للتشاور أيضاً. وقد سمعوا في الرياض دعوات ملحة إلى المصالحة الوطنية وضرورة تشكيل حكومة جامعة لا تقصي أياً من المكونات.

كان الفوز اللافت لقائمة "العراقية" برئاسة علاوي هو العنصر الجديد الذي وضع على الطاولة حتمية تغيير مفهوم الحكم وإعادة خلط الأوراق قبل بناء أي ائتلاف حكومي. إذ إن تيار علاوي طرح نفسه جسراً تلتقي عليه أو تتقاطع معه التيارات الأخرى كافة. فهو يمثل الخط الوسط بين مختلف المكونات، بما فيها المذهبية والعلمانية والعرقية، ويوحي بشيء من الثقة للسنة الذين عوملوا بعد الغزو والاحتلال بطريقه أشعرتهم أنهم مهمشون وغير مرغوب فيهم، ولذلك صبت أصواتهم لصالحه على حساب قوائم لأحزاب وجماعات سنية بحتة. وبطبيعة الحال فقد نُظر إلى "العراقية" بعين الرضا عربياً، من دون أن يكون لديها أي طابع عدائي لإيران. وكانت الأخيرة دعت إلى عدم إقصاء أي طرف لدى تشكيل الحكومة، إلا أن دعوتها هذه جاءت في سياق متأخر، ثم إنها تلكأت في تلبية رغبة وفد من "العراقية" لزيارتها.

وهكذا اتخذ "التشاور" مع دول الجوار شكلاً ابتعد عن مظاهر الأعراف والمجاملات ليدشن نوعاً من التقاليد ذات الشرعية. ولعل هذا ما دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى انتقاد "تدخل دول الجوار"، في إشارة إلى أن أنقرة توقعت أيضاً أن تُزار على غرار العواصم الأخرى. وإن دل هذا النهج العراقي على شيء، فهو أن عوامل التوافق الداخلي ضعيفة أو معدومة. ثم إن الأطراف السياسية باتت تعرف ارتباطات بعضها بعضاً، وبالتالي فليست لديها أوهام حول من يحرك الخيوط ومن يمكنه أن يدير اللعبة فعلياً.

سيناريوهات كثيرة. عشرات الخطوط الحمر تتنافر. فيتوات عدة تتجاذب. لكن اللعبة الوحيدة لا تزال تتمثل في بناء ائتلاف حكومي لا يلقى اعتراضاً من الإيرانيين والأمريكيين. طبعاً هناك دور عربي برز أخيراً، غير أنه لم يبلغ بعد حد التأثير الحاسم. وعلى الرغم من أن الجانب الأمريكي بدا في السنوات الأخيرة مشجعاً لتنشيط هذا الدور العربي، فإنه مضطر للتعامل الواقعي مع النفوذ الإيراني تجنباً للعراقيل والإزعاجات التي يمكن أن يمارسها لتعطيل الحكم في العراق. وبهذا المعنى قد يكون المالكي خياراً مقبولاً للأمريكيين الذين سجلوا له العديد من الإنجازات، وكذلك لإيران التي ترى نهجه متناغماً مع سياساتها. ونظراً إلى أن عنوان المرحلة هو "الانسحاب" بالنسبة إلى الأمريكيين، و"مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية" بالنسبة إلى الإيرانيين، فإن الجانبين قد يفضلان بقاء المالكي بسبب الخبرة التي راكمها في التعاون معهما ولا يمكن أن يضاهيه فيها أي رئيس حكومة جديد. هنا يبدو علاوي منافساً حقيقياً بخبرته وأيضاً بواقع أنه تعامل طويلاً مع الجانبين، واستطاع أن يبني علاقات حوار مع كل دول الجوار، فضلاً عن سائر الأطراف العراقية.

لم يحن الوقت بعد لحسم الخيار بالنسبة إلى شخصية رئيس الوزراء المقبل. فالعملية ستستغرق شهوراً، وتتضمن لائحة طويلة من التوافقات، وتتناول رئاستي الجمهورية والبرلمان، كما تنطوي على صفقات سياسية لابد من بتها أولاً. لكن عندما تضيق الاختيارات، سيعمد الإيرانيون إلى تفصيل من يعتبرونه "مضموناً" لهم بلا أي جدل أو شك، ولا يمكن لعلاوي أن يكون هذا الرجل. وإذا اتضح تأييد الآخرين له سيدفع الإيرانيون بـ"المرشح الثالث" من قبيل الإرباك، لكن أيضاً للمساهمة في "حل وسط" يكون هو الحل الذي سعوا إليه أساساً.

بين الكتلتين الكبريين، أي "العراقية" و"دولة القانون+ الائتلاف الوطني"، يتمتع الأكراد بدور الكتلة المرجحة. وهو دور يبدو صعباً في ظل الظروف الإقليمية المتوترة، إذ يشعر الأكراد وكأن عليهم أن يفاضوا بين العرب والإيرانيين. صحيح أنهم سينحازون في النهاية إلى مصلحتهم، لكن عليهم أن يرسموا موقفهم بكثير من الدقة. صحيح أيضاً أنهم تشاوروا مع طهران والرياض ولديهم نقاش دائم مفتوح مع الأمريكيين، لكن عليهم أن يتبنوا الخيار الذي يحمي مكاسبهم ويكملها. لذلك فإنهم سيتحالفون مع من يلبي مسبقاً مطالبهم في كركوك، وفي تعزيز استقلال دويلتهم. ومن المستبعد أن يتمكن علاوي من إرضاء الأكراد، رغم التوافق المزمن بينه وبينهم؛ لأنه سيفقد عندئذ تأييد السنة، وبالتالي العرب، وستتفتت كتلته البرلمانية. أما الطرف الآخر فيستطيع إرضاءهم، لكن عليه أن يحسم منذ الآن مسألة وحدة الدولة والأرض والشعب لمصلحة تقسيمها إلى دويلات ومحميات، سواء باسم "الفيدرالية" أو بأي اسم آخر.

Share