مرحلة حرجة في‮ ‬العراق

  • 19 أغسطس 2010

لا شك في أن العراق يعيش حالياً مرحلة حرجة وعلى درجة كبيرة من التعقيد والحساسية، في ظل الأزمة السياسية التي يعانيها، وتصاعدت حدّتها بشكل لافت للنظر خلال الفترة الأخيرة، في الوقت الذي تستعدّ فيه القوات الأمريكية هناك لإنهاء مهامها القتالية نهاية شهر أغسطس الجاري، ولعل العملية الإرهابية التي استهدفت مركز تجنيد للجيش العراقي في بغداد يوم الثلاثاء الماضي وأسفرت عن مقتل نحو ستين شخصاً وإصابة العشرات الآخرين، وجاءت في إطار من تصاعد كبير للعمليات الإرهابية خلال الشهور الماضية، تكشف بوضوح عن حقيقة الوضع الصعب على الساحة العراقية وما يمكن أن ينتج عنه من نتائج كارثية على المستويات كافة.

من الواضح أن المتطرّفين والإرهابيين يحاولون إثبات وجودهم وفرض حضورهم على المشهد العراقي من خلال استغلال الأوضاع السياسية المضطربة وقرب الانسحاب الأمريكي، وهذا ما يتضح من تزايد وتيرة الهجمات الإرهابية، خاصة تلك التي تستهدف قوات الأمن والجيش، وفي هذا السياق فإن كل يوم يمر من دون أن تمضي الأمور إلى تسوية نهائية للأزمة السياسية إنما يصبّ في مصلحة قوى الإرهاب والتطرف التي تجيد العمل في الفراغ وتتحرّك دائماً تجاه المناطق المضطربة.

الحادث الآن هو أن جماعات العنف تريد أن تكون مشاركة بقوة في تقرير مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي، وفي سبيل ذلك تزيد من عملياتها الدموية وتستعرض قدراتها على التدمير والتخريب، وما من شك في أن تمترس السياسيين العراقيين وراء مواقفهم في الأزمة السياسية التي طال أمدها يترك الساحة لهذه الجماعات والقوى لتنفيذ مخططاتها الهادفة إلى اختطاف العراق بعيداً عن مسار التطوّر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان يجب أن تصنعه العملية السياسية، وإغراقه في مستنقع خطر من العنف والتطرف والطائفية ومن ثم إعادة كل شيء فيه إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

المثير في الأمر أنه في الوقت الذي تحاول فيه قوى الإرهاب أن تكسب أرضاً جديدة كل يوم في العراق، فإن القوى السياسية تتباعد بشكل خطر وتتعثر مفاوضاتها ومحاولاتها لإيجاد مخرج من الأزمة ويزداد تشرذمها، ولعل آخر المؤشرات إلى ذلك إيقاف المحادثات بين "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، و"القائمة العراقية" بزعامة إياد علاوي، بعد أن كانت قد أنعشت الآمال في قرب التوصل إلى حلّ ناجح للمأزق السياسي في البلاد.

إن العناصر الإرهابية التي تقف وراء الهجوم الأخير على مركز تجنيد الجيش في بغداد وغيره من الهجمات العديدة التي شهدتها البلاد خلال الشهور الماضية، تستهدف الجميع داخل العراق من دون استثناء، ولا يمكن مواجهة خطرها الداهم إلا عبر توافق وطني شامل يصوغ المستقبل العراقي على أسس وطنية بعيداً عن أي نزعات عرقية أو مذهبية، وينطلق من إدراك حقيقي لطبيعة الخطر الذي يتعرض له العراق نتيجة لاستمرار حالة الشقاق الوطني التي يعانيها ولا تظهر في الأفق أي مؤشرات فعلية إلى اقتراب طيّ صفحتها.

Share