مرحلة جديدة من التحدّي‮ ‬في‮ ‬ليبيا

  • 26 أكتوبر 2011

بإعلان “تحرير” ليبيا، يوم الأحد الماضي، دخلت البلاد مرحلة جديدة من تاريخها الحديث مفعمةً بالآمال والطموحات إلى مستقبل أفضل يضعها في مكانها الذي تستحقّه، ويوجه مواردها الكبيرة إلى مصلحة تطوير شعبها وتقدّمه ورفاهيته. لقد عاشت ليبيا، خلال الأشهر الماضية، فترة صعبة في ظل العمليات العسكريّة والصراع الداخلي بين قوات القذافي والمعارضة، ونجحت في اجتيازها بتضحيات جسام على المستويين المادي والبشري، ودخلت مع سقوط نظام القذافي تحدياً تاريخياً لا يقلّ خطورة وأهمية عن التحدّي الذي كان يمثله إسقاط النظام، هو تحدي البناء والتنمية وإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من التراجع والجمود. إن أول ما تحتاج إليه ليبيا الجديدة على طريق الاستقرار والبناء هو تحقيق التوافق الداخليّ، لأن المهام والتحديات التي تنتظر إنجازها، خلال الفترة المقبلة، تتطلّب وحدة الصف، وتضامن الجهود، واتساق الرؤى والأفكار، ولعلّ أمين عام “مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة”، عبداللطيف بن راشد الزياني، كان معبّراً في هذا السياق حينما أشار إلى الوحدة الوطنية والوئام والتوافق كطريق للعبور بليبيا إلى برّ الأمان، وبناء دولة عصرية يسودها القانون والنظام والتسامح.

من الطبيعيّ أن تكون هناك خلافات وتباينات في وجهات النظر بين القوى الليبية المختلفة، لكن المهمّ إدارة هذه الخلافات بطريقة تمنع تحولها إلى أسباب للصدام والشقاق، وتجعلها نافذة لإثراء العمل الوطني ومدّه بروافد وخيارات متنوعة تساعد على دفعه إلى الأمام وتخطّيه المشكلات والعقبات التي تعترضه.

تؤكّد التجارب في المنطقة العربية وخارجها أن بناء الدول بعد فترات الاضطراب والصراع الداخلي يجب أن يقوم على التسامح والمصالحة الوطنيّة الحقيقيّة، والتطلع إلى المستقبل، والاحتكام دائماً إلى القانون، ولذلك خرجت هذه الدعوات كلّها على المستويين الإقليمي والدولي، خلال الأيام الأخيرة، تطالب الليبيين بالتسامح والوحدة والتضامن بعد سقوط النظام ومقتل القذافي، وذلك من منطلق الإيمان بأن هذا هو المسار الصحيح الذي ينقل ليبيا إلى عهد جديد يسوده الأمن والاستقرار والتنمية.

لقد برزت على السطح، خلال الفترة الأخيرة، مؤشرات إيجابيّة تكشف عن إدراك واضح على الساحة الليبية لخطورة المرحلة التي تعيشها البلاد وما تحتاج إليه من رؤى محدّدة للحاضر والمستقبل، ولعلّ أبرز هذه المؤشرات وضع خريطة طريق للمرحلة الانتقالية وصولاً إلى نظام سياسي مستقرّ، وتأكيد رئيس “المجلس الوطني الانتقالي” مصطفى عبدالجليل، بعد مقتل القذافي، أنه سوف يتم تشكيل حكومة انتقاليّة خلال أسبوعين، ولا شك في أن التزام الخطوات المحدّدة لعبور المرحلة الانتقالية من دون عثرات سوف يمثل نجاحاً كبيراً للشعب الليبي ونقلة حضارية في مسيرته التاريخية.

لقد انتصر الليبيون في معركتهم ضد نظام القذافي، ولكن أمامهم معركة أخرى لا تقلّ صعوبة وخطورة، إن لم تكن تزيد، وهي معركة التنمية والبناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن الأربعين سنة الماضية من عمر البلاد لا تقدّم تراكماً مؤسسياً كبيراً يمكن البناء عليه أو الانطلاق منه.

Share