مرحلة جديدة في العراق

  • 31 أغسطس 2010

يدخل العراق اليوم مرحلة جديدة، حيث تنتهي رسمياً المهمات القتالية للقوات الأمريكية في التاريخ المقرر لها وفقاً للاتفاق الأمني العراقي-الأمريكي الذي وقّع في عام 2008، وهو الحادي والثلاثون من أغسطس 2010، ومن ثم تم تخفيض الوجود العسكري الأمريكي هناك إلى خمسين ألفاً استعداداً للانسحاب الكامل في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2011. لقد أكّد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، أحد أهم ملامح هذه المرحلة الجديدة على الساحة العراقية بقوله إن العراق يستطيع أن يرسم مساره بنفسه خلال الفترة المقبلة، وهذا يشير إلى المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق القادة العراقيين بمختلف توجّهاتهم في قيادة البلاد ومواجهة التحدّيات التي تعترضها على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. الزعماء العراقيون أمام منعطف تاريخي مهم لأنه أصبح عليهم دون غيرهم السير بسفينة العراق إلى بر الأمان وبناء مؤسساته والعلاقات بين طوائفه وأعراقه على أسس صحيحة، إلا أن المفارقة الخطرة هي أن انتهاء المهمات القتالية للقوات الأمريكية يأتي في الوقت الذي ما زالت فيه القوى العراقية الفائزة في الانتخابات النيابية في مارس الماضي عاجزة عن التوصّل إلى حلّ بشأن تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ما يترك البلاد في مواجهة حالة من الفراغ السياسي بما ينطوي عليه من أبعاد على درجة كبيرة من الخطورة، حيث يمكن أن يؤدي إلى إصابة البلاد بحالة من الشلل وإدخالها في منزلق خطر من الفوضى والاضطراب.

من الضروري أن تكون الخطوة الأمريكية حافزاً للزعامات العراقية المختلفة للعمل على إثبات جدارتها بقيادة البلاد وأهليتها للثقة التي وضعها العراقيون فيها في الانتخابات الأخيرة وأن العراق قادر على أن يمضي قُدماً اعتماداً على قدراته الذاتية وتعاون أبنائه وتضامنهم بمختلف انتماءاتهم. هناك الكثير من التحدّيات الصعبة التي على العراقيين معالجتها من خلال توافق وطني عام ينهي الخلاف والشقاق في ما بينهم، في مقدمة هذه التحديات يأتي التحدي الأمني الذي يمثله تنظيم "القاعدة"، الذي تشير المؤشرات كلها إلى أنه سوف يسعى خلال الفترة المقبلة إلى إثبات عدم قدرة الحكومة العراقية على ضمان الأمن في البلاد، وكشفت التفجيرات الأخيرة عن هذا الأمر بوضوح، وإضافة إلى التحدي الأمني هناك الخوف من أن أي توترات طائفية أو عرقية يمكن أن تقود إلى مواجهات دموية إذا لم تتمّ تسوية الخلافات والقضايا العالقة التي تقف وراءها، كما يبرز بقوة التحدي التنموي المتمثل في استثمار إمكانات العراق وقدراته وثرواته في الانتقال به إلى مرحلة جديدة من التنمية التي تعود بالخير على أبنائه كلهم من دون استثناء، والتحدّي السياسي-الاجتماعي المتمثل في العمل على بناء قاعدة صلبة للمواطنة العراقية التي تنصهر فيها الطوائف والمذاهب والأعراق كلها ويصبح الانتماء إلى العراق في ظلّها مقدّماً على أي انتماءات أخرى.

هناك خلافات عديدة بين القوى العراقية، إلا أن حجم التحديات التي يواجهها العراق في ظل المرحلة الجديدة من تاريخه التي يدخلها اليوم، يحتم على الجميع إدارة هذه الخلافات ضمن إطار وطني يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

Share