مرحلة انتقالية … مرحلة كل المخاطر

عبدالوهاب بدرخان: مرحلة انتقالية: مرحلة كل المخاطر

  • 6 يناير 2009

تزامنت الأزمة المالية مع انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، مما عزز الشكوك في إمكان استعادة أمريكا دورها الناشط والمبادر في السياسة الخارجية، خصوصاً في الملفات التي تركتها إدارة الرئيس جورج بوش متأزمة أو بملامح حلول غير منجزة.

 لكن الإدارة القوية التي يبنيها الرئيس المنتخب بعثت الآمال في أن تعمل واشنطن فور تسلم أوباما منصبه، وبجد، على استعادة هذا الدور، فاصلة قدر الإمكان بين مؤثرات الأزمة الحالية والمتطلبات السياسية الدولية. وبديهي أنها ستواجه عراقيل ومصاعب، خصوصاً في الشرق الأوسط، إذا لم تكن لديها سياسة جديدة فعلاً ومرنة بخلاف السياسة التي اتبعها المحافظون الجدد ولم تثبت فاعليتها.

 لا شك في أن نية أوباما المعلنة بانتهاج سياسة انفتاح وحوار قد أُخذت في الاعتبار لدى الدول التي أدى صراعها مع الولايات المتحدة إلى أزمات إقليمية، ومنها إيران وسورية الممسكتان بأوراق قوية ومؤثرة في العراق وفلسطين ولبنان. يضاف إليها الملف النووي الإيراني الذي سيكون التعامل معه محورياً في استراتيجية إدارة أوباما، وكذلك ملف نووي سوري أصبح جزءاً من السجالات الدولية، وإن لم يكن بأهمية الملف الإيراني وخطورته.

 وعلى الرغم من أن جدول أعمال المنطقة بات مشدوداً إلى "الحوار" المرتقب بين واشنطن وطهران، فإن أحداً لا يعرف حتى الآن ملامح هذا الحوار ومنهجيته ومضمونه المتوقع. الأكيد أن مجرد إعلان الحوار كعنوان أدى إلى إزاحة احتمال العمل العسكري ولو ظاهرياً، إلا أنه لم يتمكن من إشاعة حال ارتخاء. والواضح من التحركات الإسرائيلية، سواء في المجال الدبلوماسي أو الاستعدادات والتدريبات العسكرية، أن خيار استخدام القوة لا يزال وارداً. كما أن مخاوف دول الخليج العربي من عدم وضعها في أجواء أي "حوار" جعلها أخيراً تطلق تحذيرات تدعو إلى عدم تجاهل مصالحها.

 وقبل أن تتسلم إدارة أوباما مهماتها بادرت إلى إعلان عزمها على توفير مظلة نووية لإسرائيل. ولا يعني ذلك سوى أن هذه الإدارة تريد تهيئة المخاوف الإسرائيلية، وبالأخص تهدئة العقول الساخنة التي لا ترى حلاً آخر غير القوة مع إيران. لكن الاعتبارات التي منعت إدارة بوش من التوجه إلى حرب على إيران، ستبقى هي نفسها مع إدارة أوباما، وبالتالي فإن واشنطن تسعى إلى استبعاد المشروع الحربي الإسرائيلي لتعطي المسعى الدبلوماسي فرصة كاملة. فالجانب الأمريكي معني هنا بتداعيات أي عمل عسكري على دول الخليج، وعلى الوضع في العراق والجنود الأمريكيين هناك، وكذلك على التسوية في الشرق الأوسط بما تعنيه من مصلحة أمريكية أيضاً في مجرى بحثها عن حل دبلوماسي مع إيران. أما إسرائيل فلا تبدو معنية أو مهتمة بكل هذه الحسابات الأمريكية، ليس فقط لأنها ترغب في تجاهلها، وإنما تحديداً لأنها تخشى تداعياتها عليها.

 ولأسباب قد تبدو متضادة ومتعارضة، تجد إسرائيل نفسها في نقطة التقاء موضوعي وضمني مع التكتيكات الإيرانية والسورية. ففي الوقت الذي تتصرف الولايات المتحدة تجاه لبنان، مثلاً، بثوابت تفضل الهدوء والاستقرار الداخليين باعتبارها وسيلة من وسائل "تحجيم" هيمنة "حزب الله" بما تعنيه من امتداد لهيمنة الحلف السوري-الإيراني على هذا البلد، نجد أن إسرائيل لا تمانع التأزيم في لبنان، وكل تأزيم لا بد أن يترجم باستعراض قوة جديد يحقق مصلحة لإيران وسورية. وقبل أسبوع خطف جنود إسرائيليون اثنين من القرويين اللبنانيين من داخل "الخط الأزرق"، ولولا تدخل سريع من جانب قوة "اليونيفل" لكان الحادث تطور على نحو متفجر، إذ رافقه استنفار وتوتر في جنوب لبنان، خصوصاً أن طابعه الاستفزازي المفتعل كان واضحاً.

 في قطاع غزة أيضاً يبدو نوع من التلاقي؛ إذ فضلت إسرائيل كما فضلت سورية وإيران الذهاب إلى التصعيد بدل إتاحة الفرصة لمساعي الحوار الفلسطيني-الفلسطيني التي تبذلها مصر. كذلك التقت الأطراف الثلاثة، حتى من دون تنسيق، على إحراج القاهرة في تعاملها مع الحصار المفروض على القطاع، فمن جهة تريد إسرائيل استدراج مصر إلى حسم أمرها بالانخراط في شؤون القطاع وإدارته، ومن جهة أخرى ترمي إيران وسورية إلى جذب مصر إلى خطوات وإجراءات تضمها عملياً إلى مفهوم "الممانعة". وفيما تبدو إسرائيل، ظاهرياً على الأقل، مؤيدة لموقف المجتمع الدولي المتمسك بوجود السلطة الفلسطينية وشرعيتها، إلا أنها تتصرف واقعياً على أنها غير معنية بهذه السلطة إلا بمقدار ما تحقق من خلالها أهدافاً أمنية ضد كل "المشتبه" بأنهم يدعمون نهج المقاومة سواءً كانوا من "فتح" أو "حماس" أو غيرهما. وليس سراً أن بين الأهداف السورية والإيرانية تهميش السلطة الفلسطينية ونزع شرعيتها وإرباك عملها، وهذا ما فهم من مشاركة "حماس" في كل مراحل التحضير للحوار – تمهيداً لمصالحة- ثم إحباط العملية وربطها بشرط بروتوكولي يتمثل في حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل كل الجلسات وجلوسهما على المستوى نفسه.

 أما الساحة العراقية فتبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، رغم التطورات المهمة التي حصلت أخيراً، ومنها خصوصاً توقيع الاتفاق الأمني الأمريكي-العراقي، وقرار مجلس الأمن الذي يباشر عملياً إخراج العراق من قيود البند السابع. فالوضع الداخلي يخضع لضوابط هشة، ومع أن الأمن تحسن نسبياً، إلا أن استحقاقات المرحلة المقبلة تزدحم بالمنافسات وصراعات النفوذ بين مختلف الفئات داخل الطوائف والمناطق، وكذلك بين الحكومة المركزية وسلطات الأقاليم الناشئة أو المرشحة للإنشاء. ولا شك في أن الوضع العراقي سيكون موضع مساومة في أي "حوار" أمريكي مع إيران وحتى مع سورية. ومعروف أن نجاح الأهداف التي حددها الاتفاق العراقي-الأمريكي يعتمد على اكتمال تكوين الجيش الوطني، لكن هذا الجيش مدعو لبسط سيطرته، وهي سيطرة الدولة، وسط تحديات كثيرة تتمثل في الميليشيات التي لا تنفك تتشكـّل بموازاته أو حتى تلك التي انضمت شكلياً إلى صفوفه لكنها لا تزال أكثر ارتباطاً بولاءاتها الحزبية. ولعل هذه التحديات هي التي حالت دون مشاركة هذه الجيش في حسم بعض الخلافات القائمة على تخوم الإقليم الكردي، أو في المناطق المتنازع عليها. إذاً، لا يزال الوضع يوفر كل الأسباب لكل التدخلات الإقليمية، وسيكون بالتالي على جدول أعمال أي مساومات وصفقات محتملة على مستوى دولي-إقليمي، أي بين الولايات المتحدة وإيران، وربما مع سورية أيضاً.

 في لبنان، كما في فلسطين، تلوح منذ الآن نذر مخاطر يمكن أن تنفجر إذا لم تحظ بمعالجة استباقية ناشطة. فهناك مخاوف على الانتخابات اللبنانية التي ينظر إليها كمواجهة حاسمة بين خطين يتمثلان بأنصار سورية وإيران، وبخصومهم المحليين الذي يستندون إلى دعم "معسكر الاعتدال العربي" أي السعودية ومصر، وهو معسكر يفترض أنه يستند بدوره إلى دعم أمريكي وأوروبي. أما في غزة، فإضافة إلى أجواء التصعيد التي أعقبت انتهاء فترة "التهدئة"، ستنتهي في التاسع من كانون الثاني/يناير الحالي (2009) ولاية الرئيس عباس في غياب توافق على إجراء انتخابات جديدة.

 

 أجواء التصعيد، عسكرية كانت أم سياسية، تهدف إلى التحضير لاستقبال السياسات الأمريكية الجديدة، وبالتالي رفع سقف المطالب والمساومات. والمشكلة أن هذا التصعيد يساهم بدوره في تعقيد المشاكل المتفاقمة أصلاً، خصوصاً أن جانبه الأمني يجلب مزيداً من المآسي ويتسبب بسقوط مزيد من الضحايا. هذا دافع إنساني، لكنه سياسي أيضاً، كي تدرك الولايات المتحدة النتائج الكارثية التي تتأتى عن إهمالها لملفات لا يمكن أن تحسم إلا بمبادرة منها.

Share