مرجعيّة إسرائيلية خاصة للمفاوضات

  • 17 أغسطس 2010

يكشف الجدل الحاصل حول متطلّبات الانتقال إلى المفاوضات المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عن أمر على درجة كبيرة من الخطورة، هو أن إسرائيل تريد مفاوضات من دون مرجعية أو جدول زمني أو أي التزام تفاهمات سابقة، ومن ثم يمكنها أن تفرض منطقها الخاص ومرجعيتها المشوّهة عليها. الجانب الفلسطيني يصرّ على وجود مرجعية دولية تؤكدها "اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط" (الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا)، وأن يكون هناك جدول زمني محدّد للعملية التفاوضية حتى لا يستمر الدوران في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وحتى لا تظل إسرائيل تمارس لعبة كسب الوقت التي تبرع فيها منذ بدء عملية السلام قبل سنوات طويلة، وأعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن)، أنه قد يذهب إلى مفاوضات مباشرة إذا كانت على أساس بيان "اللجنة الرباعية" الذي صدر في مارس الماضي، وأكد أنه يتعيّن على إسرائيل وقف بناء المستوطنات والتوصل إلى اتفاق سلام خلال 24 شهراً وإقامة دولة فلسطينية على أساس الحدود التي كانت قائمة قبل حرب يونيو 1967. لكن إسرائيل ترفض ذلك وتصرّ على أن يتم الانتقال إلى المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة، وتمضي في سياسات فرض الأمر الواقع من خلال التوسّع الاستيطاني وعمليات تهجير الفلسطينيين، إضافة إلى خطط التهويد، خاصة في القدس، وكل ذلك مخالف التوجّهات التي عبّرت عنها "اللجنة الرباعية الدولية" في بيان مارس الماضي، كما أنه مخالف كل المتطلبات المنطقية لنجاح أي عملية تفاوضية خلال الفترة المقبلة، أياً كان شكلها أو الآلية التي ستتم من خلالها.

لا يمكن لأي مفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أن تحقّق النجاح إلا بتوافر شروط ثلاثة، الأول هو وجود مرجعية ثابتة ومستقرة لهذه المفاوضات تحدد الهدف النهائي منها والمراحل الزمنية الخاصة بها، لأنه من دون ذلك تصبح مفاوضات هلامية وعبثية لا يمكن أن تؤدي إلى شيء. الشرط الثاني هو أن تكون هناك رعاية دولية لهذه المفاوضات والمرجعية التي تستند إليها، لأنه في ظل الاختلال في توازن القوى بين طرفي التفاوض هناك حاجة ماسّة إلى دور دولي يحقّق التوازن ويمنع سطوة الطرف القوي ومحاولته فرض شروطه ووجهات نظره. الشرط الثالث هو التزام ما يتم الاتفاق عليه والسير وفق المرجعيات المسبقة وعدم الخروج عليها، وضمان ذلك من قبل طرف أو مجموعة أطراف دولية. لكن المشكلة أن إسرائيل لا تريد مرجعية مسبقة من ناحية كما ترفض أي تدخل دولي لا يصبّ في مصلحتها من ناحية ثانية، ولذلك فقد عارضت بيان "اللجنة الرباعية" في مارس الماضي، ومن ناحية ثالثة لا تلتزم تعهداتها ولا تحترم أي التزامات يتم التوافق حولها ولا تتورّع عن تجاوزها والضرب بها عرض الحائط إذا رأت أن ذلك ممكن دون التعرّض لعقاب دوليّ.

Share