مراجعة لأسباب الهجرة الحالية من العالم العربي

عبدالوهاب بدرخان: مراجعة لأسباب الهجرة الحالية من العالم العربي

  • 13 سبتمبر 2015

مشاهد المهاجرين، مكتظين في قوارب صغيرة، غارقين على وشك الهلاك، ناجين يهرولون على البرّ الآمن الذي يستقبلهم بتفاوتٍ بين ترحاب في ألمانيا وفظاظة في المجر، أربكت الحكومات الأوروبية وأحرجت حتى واشنطن. فهؤلاء يبحثون عن أمل وعن مستقبل، وما دام الأمريكيون والأوروبيون أثبتوا عجزاً عن معالجة الأزمات التي أبعدت ألوف السوريين والعراقيين عن أرضهم ومساكنهم، فقد وجب عليهم أن يتجاوزوا كل الصعوبات الداخلية: السياسية والأمنية والاقتصادية، لمنح الهاربين المستجيرين شيئاً من الأمل والملاذ والمستقبل.

وبرغم أن الظاهرة لم تعد جديدة، بل تكررت خلال الأعوام الأخيرة، فإن حدثيْن  لم يتقصدهما أصحابهما هزّا وجدان العالم وزعزعا مواقف معظم الحكومات المتشدّدة… لم يعلم ذلك الطفل، إيلان الكردي، أن صورته ممدداً على شاطئ بودروم التركية، بعدما غرق مع شقيقه ووالدته ولفظتهم الأمواج، ستكسر الحواجز وتفرمل كل الإجراءات التي اتخذت لمنع المهاجرين من العبور. وقبله كان بضع عشرات من السوريين اختنقوا معاً في شاحنة تُركت على الطريق السريع بين المجر والنمسا، ما قلب كل الحسابات الحكومية.

شهد هذا الصيف، ولا يزال، واحدة من أهم الأزمات في أوروبا، لكنها في حقيقتها نتيجة للاضطراب الذي يسود بلدان الشرق الأوسط القريبة. قد تكون وحشية تنظيم "داعش" هي التي فاقمت الإحباطات وزادت منسوب اليأس عند الناس، خصوصاً أن عاماً مرّ على إنشاء التحالف الدولي ضد الإرهاب من دون أن تظهر نتيجة واحدة ملموسة بأن التنظيم يضعف أو يتقهقر. لكن هذا الإرهاب ليس سوى التصعيد الأحدث في تطورات أزمتَي سوريا والعراق، فالنزوح الأكثر كثافة من البلدين حصل هرباً من بطش السلطة في البلدين، وكان بالإمكان احتواؤه بالوسائل السياسية لو أن المجتمع الدولي استطاع أن يوحّد جهوده ويبلور إرادة واضحة بتأكيد السلم الأهلي. فما تغلّب هو بحث الدول الكبرى المعنية عن مصالحها وسبل الاستفادة من ظروف الحروب الأهلية؛ أي إن حل النزاعات والصراعات لم يكن أولويتها.

منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي تصاعدت النقمة الداخلية في الكثير من بلدان أوروبا على ما سمّي "الهجرة غير الشرعية"، وكانت السمة المشتركة أن أحزاب اليمين المتطرف هي التي أخذت على عاتقها المطالبة بوقف هذه الظاهرة ومكافحتها، مستندة إلى تقلص فرص العمل وارتفاع نسب البطالة؛ بسبب منافسة العمالة الرخيصة التي وفّرها المهاجرون. ومع ازدياد شعبية اليمين المتطرف استشعرت أحزاب اليمين التقليدي خطراً على موقعها، وما لبثت أحزاب اليسار أن تبعتها في طرح حلول للمشكلة. كانت أغلبية الوافدين آنذاك من إفريقيا؛ هرباً من حروب أهلية أو ظروف اقتصادية؛ لذلك طرحت العواصم الأوروبية أنواعاً شتى من المعالجات للمشكلة في مصدرها. من ذلك مثلاً تقديم مساعدات إلى الحكومات كي توفر فرصاً للعمل أو تحسّن الخدمات وتوفر إعانات اجتماعية، ومنها التمويل المباشر لمشروعات تنموية أيضاً، غير أن الفساديْن المالي والإداري تكفّل بإفشال هذه المساهمات التي كانت تتمّ ثنائياً ثم أحيل جزء كبير منها مع الوقت إلى البنك الدولي. وبالتالي لم تتوقف موجات الهجرة التي كانت تشمل شباناً ويافعين، واتّبعت طرقاً وسبلاً أدت في أحيان كثيرة إلى موت كثيرين منهم، كما أوجدت أمام المهربين سبلاً جديدة للانتفاع. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية ظلت مسألة الهجرة غير الشرعية مطروحة في كل الانتخابات وأمام جميع الحكومات ولم تتمكن من إيجاد حلول لها. وفي الأعوام الأخيرة اشتدت الضغوط عليها بفعل الأزمتين المالية والاقتصادية التي تفجّرت عام 2008، ما زاد سياساتها صرامة، وكذلك القيود والحواجز أمام الوافدين، لكن العدد الأكبر منهم كان يسلك دروباً سرية.

بهذه الخلفية السياسية والاقتصادية المعقدة تعاملت عواصم أوروبا مع الموجة الحالية من الهجرة القسرية ذات الأسباب السياسية، لكن المستجد الذي بات ملموساً فيها هو خطر الإرهاب الذي استطاع أن يقتل في لندن وباريس ومدريد وبروكسل، وقد تبيّن في كل مرة أن مصدره بيئات إسلامية مهاجرة منذ زمن، كما اتضح أن الجيل الثاني أو حتى الثالث فيها لم يندمج في ثقافة المجتمعات التي يعيش فيها. وهذا ما استخدمته عواصم عدة أخيراً، علناً أو بشكل مبطن، للقول إن اللاجئين المسلمين "غير مرغوب فيهم" لديها. لكن الحكومات كانت تتوقع هذه الموجة، وبعض الخبراء حذّر منها خلال شهور الشتاء، ثم إن الاتحاد الأوروبي خصص اجتماعات لدرس ما يلزم من إجراءات لمواجهتها، كما أن باريس ولندن وبرلين أبرمت اتفاقات ثنائية لتنظيم تلك المواجهة، ومع ذلك حصل ارتباك، لماذا؟ أولاً، برغم التفاهمات العامة فإن دول الاتحاد لم تكن متفقة في ما بينها على المفاهيم، فبعض منها كفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا تأخذ في الاعتبار الطابع القسري للهجرة، أما بعضها الآخر كبريطانيا والنمسا والمجر وسلوفاكيا فترفض كل هجرة. وثانياً، تعذّر دائماً وضع معايير واضحة لتوزيع المهاجرين على الدول كافة وفقاً لحصص محددة، إلا أن الموقف الذي اتخذته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بإسقاط الاعتبارات السياسية وقبول الحصة الأكبر (نحو 27%) أحرج الجميع وأمكن أخيراً تحديد حصص، غير أن الخلافات مستمرة.  

في الأسابيع الأخيرة ثار جدل كبير وساخن في أوروبا، وكان واضحاً أن عواصمها عزت الموجة الحالية من اللاجئين إلى التقصير في معالجة الأزمات العراقية والسورية والليبية. وبرغم أن الأوروبيين معنيون بالسعي إلى حلول لهذه الأزمات في مهدها، فإنهم كانوا ولا يزالون يحدّدون أدوارهم في ضوء السياسات الأمريكية وفي إطارها. فإذا لم تكن مواقف واشنطن واضحة ومحسومة فإن غموضها سينعكس على تصرفات الأوروبيين، حتى لو كانت قناعاتهم أكثر وضوحاً، إذ انقسموا حيال غزو العراق إلى جانب أمريكا، وبدوا متوافقين معها بالنسبة إلى سوريا، وتغلبوا على انقساماتهم إزاء ليبيا برغم انسحاب الأمريكيين بعد الضربات الأولى لـ "الناتو"، لكن النتائج كانت بالغة السلبية في الحالات الثلاث، ما يعني أنه لم تكن هناك سياسات جدّية ولا أهداف واضحة، والأخطر أنه لم يكن هناك اهتمام بالتعقيدات الاجتماعية في هذه البلدان.

كان معروفاً حتى عام 2003 أن الإرهاب في العراق هو البطش الذي كان النظام السابق يمارسه ضد الشعب، وجاء الاحتلال الأمريكي فأسقط ذلك النظام وألغى الدولة والمؤسسات بما فيها الجيش والأمن، معلناً أنه سيعمل على بناء نظام بديل "ديمقراطي" لكنه اصطدم بحرب أهلية ولم يحسن التعامل معها. وعندما قرر الأمريكيون الانسحاب عام 2011 كانت تفاهماتهم غير المعلنة مع الإيرانيين قد منحت هؤلاء امتيازات التدخل المباشر في العراق. وبالتالي فقد تُرجم هذا الواقع بأن باشر العراقيون المنفيون قسراً خلال العهد السابق العودة إلى بلادهم، وبدأ عراقيون آخرون يغادرون هرباً من الصراع الطائفي المستعر (بلغ عددهم نحو مليونين وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة). وما لبثت سيطرة تنظيم "داعش" الممتدة بين العراق وسوريا أن دفعت بأعداد أخرى، خصوصاً من الأقليات المسيحية والأيزيدية.

وكان معروفاً أيضاً، قبل عام 2011، أن الإرهاب الحقيقي في سوريا وليبيا هو المرتبط بالدولة وليس بالشعب أو بمتمرّدين منه، بل كانت واشنطن تتهم رسمياً النظام السوري برعاية الإرهاب وتقديم تسهيلات كثيرة إلى المجموعات الإرهابية الناشطة في العراق. واتخذت الدول الغربية نهجين مختلفين حيال الانتفاضات الشعبية في هذين البلدين، إذ تدخلت في ليبيا وامتنعت عن التدخل في سوريا، غير أنهما دخلا في فوضى مسلحة وصراعات معقدة وضعت البلدين أمام احتمالات التفكك والتقسيم وصعّبت البحث في حلول سياسية، بل جعلتها أشبه باستحالة. وبطبيعة الحال لجأ السوريون هرباً من القتال إلى لبنان وتركيا والأردن ومصر ودول الخليج، والليبيون إلى تونس ومصر والمغرب، ثم إن إطالة الأزمة بثت اليأس في النفوس وحفزتها على البحث عن ملاذات أخرى يمكن أن توفر فرصاً للاستقرار وبناء المستقبل لأولادهم.

وبرغم مأساوية الأوضاع التي يمر بها المهاجرون فإنها لم تنعكس على سياسات الدول القادرة على تحريك الحلول والمعالجات، بل واصلت تبادل اللوم والاتهامات بإلقاء المسؤولية على الآخر. وفيما أوحى مناخ دولي، غداة الاتفاق النووي مع إيران، بأن هناك فرصة للشروع في حل الأزمة السورية بمبادرة تتولاها روسيا بمباركة أمريكية، إذ بالوقائع على الأرض تُظهر العكس. في المقابل تسير وساطة الأمم المتحدة بالنسبة إلى ليبيا في طريق متعرج بين تقدم وتراجع. ومن الواضح أن الناس الذين يعانون لا يعوّلون كثيراً على إنجازات الدبلوماسية، فهم يقرؤون التطورات على الأرض ويستنتجون أن عليهم تطوير أوضاعهم في بلدان اللجوء حتى لو تطلّب الأمر ركوب المخاطر في قوارب الموت. والأكيد أن فتح الأبواب لقبول السوريين على مدى السنوات المقبلة أطلق رسالة مفادها، أن الأزمة مستمرة ولا حل قريباً في الأفق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات