"مذبحة أوسلو" تكشف اليمين المتطرف ما بعد 11 سبتمبر

  • 4 أغسطس 2011

اليمين المتطرف ليس ظاهرة سياسية جديدة في أوروبا والعالم الغربي. كان موجوداً قبل الحربين العالميتين واستمر بعدهما. ومثله مثل اليسار المتطرف ينحو إلى ممارسات تصدم المجتمعات في قيمها وطموحاتها، لكن مع اختلاف استهدافاتهما. ولم يتم ترويض هذه الظاهرة إلا بمخاض طويل أمكن بعده لـ "دولة القانون" أن تسود لتحمي الاتجاه الوسطي السائد الذي يميل أحياناً يميناً وأحياناً أخرى يساراً.

منذ ثمانينات القرن الماضي تشهد بلدان أوروبية عدة بروزاً لقوى اليمين المتطرف وتياراته، وقد عزي ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة كمؤشر على أزمات اقتصادية وجب تحليلها، فتبيّن أن أحد مسبباتها هو ازدياد أعداد المهاجرين الذين يغيّرون سوق العمل، ويزيدون كلفة الخدمات والامتيازات الصحية والاجتماعية. وبين كل الأسباب، وجد اليمين المتطرف ضالته في ملف الهجرة والمهاجرين، فاختاره وسيلة يسجّل بها عودته القوية إلى المسرح السياسي الذي حُرم وما يزال محروماً منه؛ إذ إن الناخبين أخذوا ملاحظاته ومطالبه في الاعتبار، وشيئاً فشيئاً أصبح صوته مسموعاً أكثر، خصوصاً أنه راح يتوسع في إيجاد مشروعية لبرامجه؛ فكثافة المهاجرين تعني نشوء مناطق سكانية متجانسة لهم لا تلبث أن تصبح "غير آمنة" لسكان البلاد، وبالتالي فهي تعني تراجعاً في الأوضاع الأمنية، لتعني، استطراداً، بلبلة في "الهوية" الوطنية، ولاسيما حين يزداد عدد المسلمين كما هو حاصل منذ أعوام.

على هذه الخلفية يمكن تفسير "مذبحة أوسلو" يوم الجمعة 22 يوليو/ تموز الماضي. والتي ما يزال مرتكبها المعتقل، أندرس بيرينغ بريفيك، وحيداً ومعزولاً، والذي يأتي من ذلك التيار المتطرف بلا شك، فهو نرويجي قيل أخيراً إنه أجرى جراحة لملامحه كي يبدو آرياً خالصاً وفقاً للمواصفات الهتلرية– النازية. وإذ اعترف بالقتل من دون أن يعترف بالذنب، فإنه يبدو نادماً فقط لأنه لم يتمكن من قتل عدد أكبر من الأشخاص في ذلك المخيم الشبابي في جزيرة أوتويا التي قصدها بعدما فجر عبوة في العاصمة أوسلو بالقرب من مقر رئاسة الوزراء.

لكن الخلفية الأخرى التي لا تقل أهمية نجدها في الشحن الإعلامي والسياسي المتواصل منذ الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001. فعلى الرغم من أن الدول الغربية حافظت بدأب على سيادة القانون على الجميع، كما استخدمت لغة ومصطلحات مدروسة لشرح حقيقة المخاطر التي يواجهها المجتمع، فقد فهم مواطنوها وإعلامها الشعبي الأمر على أنه، ببساطة، يتعلق بـ"الإرهاب الإسلامي"، ما عنى عملياً أن الحكومات باتت مطالبة أكثر من ذي قبل بإيلاء ملف المهاجرين أهمية واهتماماً استثنائيين، فوجود المهاجرين، ولاسيما المسلمين، أصبح شأناً أمنياً أولاً وأخيراً. وأي تهاون حياله قد يعرض الحكومة القائمة، يمينية أو يسارية، لانتقادات حادة من جانب اليمين المتطرف، وتحميلها مسؤولية ما يمكن أن يحصل. وقد كان هذا هو التحدي الذي واجهته حكومتا اليسار في إسبانيا (بعد تفجير قطارات مدريد في 11 مارس/ أذار 2004 عشية فوزها في الانتخابات) وفي بريطانيا (بعد تفجيرات 07/07/2005)، بل إن الملف الأمني هو الذي أوصل زعيم حزب "الجبهة الوطنية" في فرنسا جان ماري لوبن إلى الدورة الثانية والحاسمة في الانتخابات الرئاسية عام 2002 ضد جاك شيراك على حساب مرشح الحزب الاشتراكي المنافس شبه التقليدي لمرشح اليمين الديغولي المتزن. وهكذا راحت الحكومات تنافس، وأحياناً تزايد على اليمين المتطرف في إبداء العزم على وضع حدّ للهجرة، ولاسيما غير الشرعية منها، وفي مراقبة المتطلبات الأمنية في بيئات المهاجرين.

لكن الجريمة المزدوجة في النرويج أظهرت أن أوساط اليمين المتطرف ليست مكتفية بمستوى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة. ولا يقتصر ذلك على النرويج التي احتل فيها "حزب التقدم" (أقصى اليمين) المرتبة الثانية بعد الحزب الحاكم بعدد أصوات الناخبين، بل يشمل مختلف البلدان الأوروبية في ظل تنسيق معلن بين أحزاب اليمين المتطرف التي أصبح لها وجود قوي ونافذ في البرلمان الأوروبي. وإذا أخذنا حالة النرويج وحدها كمثال فإن نسبة المهاجرين (550 ألفاً) فيها إلى عدد السكان هي في حدود 11%، ومع أن عدد العرب والمسلمين لا يتجاوز الـ 100 ألف، فإن اليمين المتطرف يركز حملاته عليهم. ولا صعوبة في تحديد الدوافع، فهذا اليمين منطلقاته مسيحية غربية متعصبة، لا علاقة لها بسياسة الانفتاح والتسامح التي اتبعها معظم الحكومات الأوروبية في فترات ما بعد تفكيك الاستعمار بدءاً من منتصف القرن الماضي. والمعروف عن هذا اليمين أنه منذ بداياته يعادي اليهود ويناصبهم العداء، ولم يلحق العرب والمسلمين بهم إلا قبل فترة قريبة. كما أن هذا اليمين اعتُبر دائماً في أوروبا الابن الشرعي الذي يمثل فلول النازية والفاشية اللتين تسيّدتا القارة القديمة عشية الحرب العالمية الثانية وتلاشى نفوذهما بعدها، إلا أن خطابهما الحاد ما يزال يلقى آذاناً صاغية في أوروبا.

يمثّل النرويجي بريفيك، إذا كان له أن يمثل شيئاً، نسخة جديدة لفكر يميني متطرف يغرف من الأصول المعروفة، لكنه يفاجىء بإظهاره مصالحة "تاريخية" مع الصهيونية مفتخراً بها وبنقيضتها النازية، كما لو أنهما تصالحتا وتماهتا من خلاله. ففي "المانيفستو" الذي نشره على الإنترنت يبدو، بحسب وصف صحيفة "إسرائيل اليوم"، كـ"صهيوني متحمس" لا يخفي إعجابه برئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان وسياستهما المتطرفة حيال الفلسطينيين داخل أراضي 1948 وخارجها سواء بسواء، أي إن هذا القاتل يعادي المسلمين سواء أكانوا في بلاده أو في بلادهم وعلى أرضهم. كما تكشف القراءة المدققة لهذا البيان الذي حمل عنوان "2083: إعلان الاستقلال الأوروبي" استيعاب كاتبه المفترض، أي بريفيك، كل الأفكار التي طرحها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الذين سعوا إلى فرض الهيمنة الأمريكية خلال عهد جورج دبليو بوش، واستغلوا هجمات 11 سبتمبر الإرهابية ليقرروا أن الغرب وإسرائيل مدعوان إلى العمل معاً لمجابهة العالم الإسلامي، عدوّهما المشترك. وما تزال أفكار هذه الزمرة المتطرفة تلهم مجموعات عدة تعمل في أمريكا تحت مظلة العداء للإسلام، مثل روبرت سبنسر وباميلا غيلر اللذين يستشهد المجرم النرويجي بهما، وقد خاضا الحملة ضد بناء المركز الإسلامي الاجتماعي قرب موقع "غراوند زيرو" في نيويورك.

قد يكون بريفيك ظاهرة معزولة وغير مؤثرة لكن الصياغة التي قدّمها لـ "فكره"، على ترجّحها بين سذاجة وتهافت وبدائية، تشي بأنه لم يكن يفكر وحده، وأن تزويجه التعصب الديني مع الايحاءات النازية  ومع الصهيونية وانعزاليتها الإسرائيلية لابد أنه نتاج الاستغلال الإسرائيلي للعصبيات الانفعالية التي تولدت غداة إرهاب 11 سبتمبر. ثم إن أحد الاستخلاصات التي توصل إليها بقوله "حان الوقت لوقف الدعم الغبي للفلسطينيين والشروع بدعم أبناء عمومتنا الحضاريين في إسرائيل" يشير إلى ضيق إسرائيل من الموقف الأوروبي الرسمي. وفي إشارة أخرى يظهر أيضاً الرفض الإسرائيلي للرئيس باراك أوباما والرغبة في تحديه. من هنا نجد أن بريفيك يقدّم حالة مكثّفة لناشط يميني أوروبي متطرف لا يكتفي بتسجيل قناعاته وإنما يبادر إلى تطبيقها على طريقته، وليس مستبعداً أن يكون تعرض لتوجيه أو "تثقيف" جعله يرصد الظواهر التي تتواءم مع الطموحات والخيارات الأيديولوجية التي تبلورت في رأسه. ما يعني أنه ربما تصرف وحده يوم المذبحة، لكنه لم يكن وحده في التخطيط لها والتهيؤ لتنفيذها.

السؤال الكبير الآن ما الذي سيبقى بعد الاستنكار والحزن، وهل سيتماسك الرأي العام في موقفه ضد هذا النوع من التطرف؟ لا شك في أن عملية واحدة تحمل بصمات تنظيم "القاعدة" قد تجعل كل المسلمين في أوروبا موضع اشتباه وبالتالي تعيد بعض التعاطف مع أمثال بريفيك باعتباره أطلق إنذاراً للحكومات والمجتمعات. 

Share