مخاطر تصاعد العنف في العراق

  • 13 يوليو 2009

منذ انسحاب القوات الأمريكيّة من المدن العراقية في نهاية شهر يونيو الماضي، وأعمال العنف في العراق تتصاعد بشكل ملحوظ، وذلك على عكس التوقعات التي كانت تتنبّأ بحالة من الهدوء على الساحة العراقيّة حتى تنتهي الولايات المتحدة من إتمام عملية الانسحاب النهائي في نهاية عام 2011.

اللافت للنظر في أعمال العنف الأخيرة أنها لا تتركّز في العاصمة بغداد فحسب، وإنما تتوزّع على العديد من المناطق كالموصل وكركوك وديالى، كما أنها ذات طابع طائفي تستهدف التجمّعات الشيعية ودور العبادة، ما يعني أنها تستهدف إشعال الصراع الطائفي في البلاد مجدّداً، الذي كاد يشعل حرباً أهلية فيها قبل أعوام.

كان الجميع ينتظر لحظة الانسحاب الأمريكي من المدن العراقية باعتبارها تحولاً مفصلياً في تاريخ العراق نحو تأكيد سيادته، وتولّي المسؤولية الكاملة عن مصير البلاد لدى الانسحاب النهائي، وتدشّن لمرحلة جديدة من البناء والاستقرار والتقدّم والانطلاق إلى علاقات تعاون أفضل مع دول الجوار. لكن هناك بعض الجماعات أرادت أن تفسد هذه اللحظة، وترفع شعار التحدّي، وتقتل أيّ بادرة أمل في نفوس العراقيين تجاه مستقبل أفضل لبلادهم، وواصلت هوايتها بتصعيد أعمال العنف وممارسة الترهيب للعراقيين الأبرياء، في محاولة منها لتفجير الساحة العراقيّة من جديد.

تجدّد أعمال العنف وتصاعدها يؤشران إلى أن مصادر الخطر ما زالت كامنة وقائمة في الساحة العراقيّة تنتظر الوقت المناسب لفعل فعلها وإشاعة أجواء الاضطراب والفوضى من جديد. هناك بالفعل بعض التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها تنظيم »القاعدة«، تريد إعطاء الانطباع بأن الفضل يرجع إليها في انسحاب القوات الأمريكية من ناحية، وتأكيد هشاشة الوضع الأمنيّ في البلاد من ناحية ثانية. وتدرك هذه التنظيمات أيضاً أن البيئة الحالية في العراق تشكّل فرصة مثالية لإشعال العنف الطائفي على نطاق واسع. وهذا لا شكّ في أنه ينطوي على خطر كبير يعيد إلى الأذهان المواجهات المذهبيّة الدمويّة التي عاناها العراقيّون خلال السنوات الماضية قبل أن تتمّ السيطرة عليها، ليس هذا فحسب، بل إنه كفيل أيضاً بتشويه الإنجازات الأمنية والسياسية التي تحققت خلال العام الماضي، وأشاعت جواً من الأمل في مستقبل أفضل لدى كثير من العراقيين.

إذا كان تجدّد أعمال العنف وتصاعدها يؤكدان أن التحدي الأمني سيظل المعضلة الرئيسية التي تواجه العراق في الفترة المقبلة، فإنّهما يمثلان أيضاً اختباراً قاسياً أمام الحكومة العراقية لإثبات مدى قدرتها على إدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة الانتقاليّة من تاريخها، كما يفرضان عليها أن تتعاطى بسرعة وواقعية مع ملف الأزمات الداخلية، وعلى رأسها قضية المصالحة الوطنية، ومواجهة الفساد المستشري في قطاعات عديدة، وقضية كركوك؛ لأن هذه الملفات لا يمكن فصلها عن الملف الأمني.

المواجهة الفاعلة لأعمال العنف لا يمكن أن تتحقق من خلال الخطط والاستراتيجيات الأمنية فقط، وإنما أيضاً، وربّما الأهم، من خلال التحرك السياسي نحو تحقيق المصالحة الوطنية من ناحية، والقضاء على الخلافات بين العراقيين، وتعزيز مبدأ المواطنة الذي يعلو الاعتبارات كلّها، الطائفية أو المذهبية أو الدينية أو العرقية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات