مخاطر انسداد الأفق السياسي في المنطقة

  • 29 يونيو 2010

رغم وجود أسباب لحرب في المنطقة إلا أنها مستبعدة في المدى المنظور. ورغم وضوح الأسباب لاستبعادها، إلا أن احتمالاتها تبقى ماثلة. ورغم أن أول ما يتبادر إلى الأذهان اتضاح صعوبة، إن لم تكن استحالة، التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة النووية مع إيران، إلا أن "مناخ" الحرب يتأتى عملياً من انسداد آفاق التسويات في الشرق الأوسط.

تعيش واشنطن هذا الانسداد بشيء من العصبية، تحديداً لأن التناغم الاستراتيجي بينها وبين إسرائيل يمر بمرحلة تشوش غير مسبوقة. ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تمس المصالح الأساسية لحليفتها، إلا أنها تجد نفسها عاجزة عن إقناعها بجدوى الاستراتيجية التي تراها للمنطقة. وفي المقابل، لم يستطع الجانب الإسرائيلي كعادته، أن يجد المخارج التي تراعي مصالح حليفه الأكبر، فيما تخدم أيضاً مصالح إسرائيل نفسها. بل على العكس تستنتج الإدارة أن ذلك الحليف لا يتردد في إفشالها.

لم تكد "مفاوضات التقريب"، أو المفاوضات غير المباشرة، تبدأ عبر المبعوث الخاص جورج ميتشل، حتى جاء الهجوم على سفن المساعدات الإنسانية لغزة وما تبعه من تداعيات ليعيد الاتصالات إلى المربع الأول. وفي محاولتها التخلص من الضغوط اضطرت حكومة بنيامين نتنياهو إلى التخفيف من الحصار الذي تفرضه على غزة، لكنها في المقابل عادت تتشدد بضرورة الانتقال إلى مفاوضات مباشرة من دون أي ضمانات للسلطة الفلسطينية، لا في ملف الاستيطان، ولا في ملف الأمن، ولا في أي ملف آخر من قضايا الحل النهائي. ومع أن المفاوضات غير المباشرة شقت طريقها بصعوبة، على خلفية قرار إسرائيلي بتجميد الاستيطان لمدة عشرة شهور قابلة عملياً للتمديد، إلا أن حكومة نتنياهو راحت تلوّح أخيراً باستئناف الاستيطان بدءاً من سبتمبر المقبل، إذا لم تتم الاستجابة إلى طلبها التفاوض المباشر، ولديها في جعبتها سلة إجراءات ستقدم عليها لتغيير الوضع السكاني في القدس المحتلة أو لترسيخ التهويد في عدد من المناطق.

كانت إسرائيل تحتفظ دائماً بحرية تحرك حتى في أكثر خططها تطرفاً، وذلك بالتعويل على التأييد الأمريكي غير المتحفظ والتأييد الأوروبي ولو مع التحفظ. لكنها لم تعد تشعر بهذه الحرية، أو بغضّ نظر فعلي؛ إذ إن معظم مسؤوليها يشكون الآن في المحافل الدولية من وجود حملة لنزع الشرعية عن إسرائيل، ولعلهم يشيرون إلى "تقرير جولدستون" الذي اتهم الدولة العبرية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وكذلك إلى قرار مجلس الأمن المتعلق بالاعتداء على "أسطول الحرية"، والذي، وإن لم يتضمن إدانة واضحة لإسرائيل، فرض عليها إعادة النظر في الحصار وإنشاء لجنة تحقيق دولية. ولا تزال اللجنة التي عينتها حكومة نتنياهو للتحقيق في الاعتداء غير مقبولة دولياً ولا تتمتع بأي شرعية أو مصداقية.

ومع ذلك، أبدت العواصم الغربية استعدادها للتغاضي عن منحى التحايل الذي اتبعته إسرائيل لتخفيف الضغوط عليها في موضوع الحصار والتحقيق، لكن بشرط: أن تعمل على إنجاح المفاوضات غير المباشرة، تمهيداً لتحويلها إلى مفاوضات مباشرة. وتعرف إسرائيل أن هذه المفاوضات يتحكم بنجاحها شرطان رئيسيان: أولاً، وقف حقيقي للاستيطان. وثانياً، توضيح النوايا بالنسبة إلى ملفات التسوية كافة، مع الموافقة على جدول زمني لإنهاء المفاوضات. لكن إسرائيل تهربت طيلة مرحلة "عملية السلام" من التزام مثل هذه الشروط، كما رجحت دائماً نهج المفاوضات بلا نهاية.

وطالما أن أجندة التفاوض باتت مربكة إلى هذا الحد، وتضّيق هوامش المماطلة والتسويف، فإن إسرائيل لا تجد أمامها سوى احتمالين: إما الاستمرار في اللعبة الحالية كسباً للوقت وإحراجاً للإدارة الأمريكية لدفعها إلى الضغط على الجانب العربي- الفلسطيني، مع ما ينطوي عليه ذلك من سلبيات متزايدة في تعاطي إسرائيل مع الخارج. وإما فرط الائتلاف الحكومي الراهن والذهاب إلى انتخابات مبكرة كسباً للوقت أيضاً، وبالتالي إثباتاً لمن يهمه الأمر أن حكومة نتنياهو المتطرفة يمكن أن تخلفها حكومة أكثر تطرفاً. أما الاحتمال الثالث فاسمه "حرب"، وهو لا يغيب عن الحسابات الإسرائيلية، إلا أنه لا يتوقف على رغبة أو قرار إسرائيلي، وإنما على ظروف إقليمية- دولية يمكن أن تجدها إسرائيل ملائمة لخوض حرب بدعم من الدول الغربية الكبرى.

لكن إسرائيل تعرف جيداً أن أصدقاءها حول العالم ينظرون إليها اليوم بكثير من الحذر والارتياب، ولا يترددون في وصفها بالغباء والتهور والتطرف، كما أن لديهم تصوراً لمصلحتها – ولمصالحهم من خلالها- يختلف جذرياً عما تفعله. وهذا يعني أنهم، حتى لو ساندوها في أي حرب، سيطالبونها بعد الحرب بتنازلات أكبر لإقامة سلام حقيقي ودائم.

على الجانب الآخر، أي الفلسطيني، هناك انسداد أيضاً في الأفق السياسي. فبعدما أصبحت المفاوضات الخيار الوحيد المتاح دولياً، رغم الفتور العربي في تأييده، والتعنت الإسرائيلي حياله، تجد السلطة الفلسطينية نفسها مضطرة لإجراء مراجعة كاملة لمسيرتها. فـ"حل الدولتين" الذي يشكل العنوان الرائج لأي تسوية لا ينفك يفقد عناصر أرجحيته وإمكانات تحقيقه، تحديداً بسبب السياسة الإسرائيلية التي تفرغه من مضمونه سعياً إلى "الحل البديل" الذي يرواح بين "الأردن كوطن بديل للفلسطينيين" وبين "مناطق فلسطينية مقطّعة ومنفصلة ومتخاصمة" لا تمانع إسرائيل التخلي عن احتلالها ومسؤوليتها فيها في إطار خطة أمنية مفروضة دولياً. ولأن السلطة الفلسطينية ترفض أي حل لا يتضمن إزالة للاحتلال ودولة مستقلة متواصلة جغرافياً، فإن هذه السلطة قد تبلغ احتمال حل نفسها بنفسها لئلا تفرض عليها مسؤولية حلول تبلورها اللعبة الدولية وتؤمن لها تغاضياً عربياً بمثابة قبول للأمر الواقع.

وبين اعتدال السلطة في رام الله و"تطرف" سلطة "حماس" في غزة، لا بد أن إسرائيل تجد لها مصلحة في الحال التي تمثلها غزة أكثر مما تجدها عند السلطة التي ساهمت في التضييق الدولي عليها للمضي في مفاوضات مشروطة. ذلك أن "حماس" ليست متحمسة لأي تفاوض ما لم يعترف بها، وما لم تعط حصة في السلطة مساوية لتمثيلها في المجلس التشريعي، وحتى لو توفر لها ذلك فإنها تريد تغيير قواعد التفاوض. وإذ تستفيد "حماس" شعبياً من حصار غزة ومن فشل المفاوضات بين السلطة وإسرائيل، فإن الأخيرة تستفيد أيضاً من الانقسام الفلسطيني للتشكيك في جدوى أي مفاوضات. ومع شعور "حماس" بأنها حققت تغييراً في السياسة الإسرائيلية وهي محاصرة، فإنها رفضت مساعي المصالحة مع السلطة لشعورها بأن هذه الأخيرة تحتاج إلى المصالحة دعماً لموقفها في المفاوضات.

هذا الانسداد في الأفق السياسي دولياً وإقليمياً يعيد منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي إلى أسوأ أيام عهد جورج بوش، وأخطر ما فيه أنه يعزز وضع المتطرفين دولاً وجماعات، إسرائيل كما إيران، بما في ذلك بعض العرب. ولا شك أن المسؤولية الكبرى تقع هنا على الولايات المتحدة التي أصرت دائماً على الإمساك بكل الأوراق لكنها باتت عاجزة عن استخدامها لإيجاد الحلول أو لفرضها. وعندما تتصاعد احتمالات التفجير فهذا يعني أن واشنطن مفتقدة القدرة والمبادرة، على افتراض أن السلام والاستقرار هما أولويتان حقيقيتان لإدارتها.

Share