مخاطر الإرهاب الإلكتروني تتزايد

مخاطر الإرهاب الإلكتروني تتزايد

  • 21 مارس 2004

يعتقد المتخصصون في مجالات مكافحة الإرهاب أن الخسائر الناجمة عن العمليات العديدة التي يشهدها العالم يومياً في إطار ما يعرف بـ "الإرهاب الإلكتروني"، تعد "هامشية وضئيلة جداً"، إذا ما قورنت بما يمكن أن يحدثه هجوم إرهابي إلكتروني على نطاق واسع ومخطط جيداً.

لقد برز مصطلح "الإرهاب الإلكتروني" وشاع استخدامه عقب الطفرة الكبيرة التي حققتها تكنولوجيا المعلومات واستخدامات الحواسب الآلية والإنترنت تحديداً في إدارة معظم الأنشطة الحياتية. وهو الأمر الذي دعا 30 دولة إلى التوقيع على "الاتفاقية الدولية الأولى لمكافحة الإجرام عبر الإنترنت"، في بودابست، عام 2001، عقب الهجمات التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر من العام نفسه، وفي ظل أجواء ترقب وتحسب دوليين من هجمات إرهابية متوقعة.

وثمة أنواع عديدة للجرائم التي ترتكب عبر الإنترنت، سواء ضد الأفراد، أو المؤسسات، أو الجماعات، أو الحكومات والمنظمات والدول؛ فبعضها يستهدف جني الأموال، أو إلحاق الخسائر بأطراف أخرى، أو ضرب قدراتها التنافسية، كما أن بعضها قد يستهدف التشهير، أو الحصول على إثارة غير مشروعة، وغيرها من دوافع الإجرام المعروفة، والتي يوفر لها الفضاء الافتراضي مجالاً رحباً، في ظل ما يكتسبه مرتكب تلك الجرائم من شروط حماية أوفر، وقدرة على التخفي، وانخفاض في حجم المخاطرة.

أما "الإرهاب الإلكتروني" فيعد أخطر أنواع تلك الجرائم، بالنظر إلى فداحة الخسائر التي يمكن أن تسببها عملية ناجحة واحدة تندرج تحت مفهومه. ويُعرّف "الإرهاب الإلكتروني" بأنه "هجمات غير مشروعة، أو تهديدات بهجمات ضد الحاسبات أو الشبكات أو المعلومات المخزنة إلكترونياً، توجه من أجل الانتقام أو ابتزاز أو إجبار أو التأثير في الحكومات أو الشعوب أوالمجتمع الدولي بأسره لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو اجتماعية معينة. ولكي يعتبر المرء إرهابياً على الإنترنت، وليس فقط مخترقاً، فإن الهجمات التي يشنها يجب أن تؤدي إلى عنف ضد الأشخاص أوالممتلكات، أو على الأقل تحدث أذى كافياً من أجل نشر الخوف والرعب".

وعقب أحداث 11 سبتمبر تصاعدت التهديدات والمخاوف من حصول هجمات إرهابية إلكترونية، خاصة بعد عمليات ناجحة كبدت المستهدفين خسائر ضخمة. ففي العام 2000، أدى انتشار فيروس الحاسوب "أي لافيو" إلى إتلاف معلومات قدرت قيمتها بنحو 10 مليارات دولار أمريكي، وفي العام 2003، أشاع فيروس "بلاستر" الدمار في نصف مليون جهاز من أجهزة الحاسوب. وقدّر "مجلس أوروبا في الاتفاقية الدولية لمكافحة الإجرام عبر الإنترنت" كلفة إصلاح الأضرار التي تسببها فيروسات المعلوماتية بنحو 12 مليار دولار أمريكي سنوياً.

وقد هيمن الذعر على المختصين بمكافحة "الإرهاب الإلكتروني" حين تمكن أحد القراصنة من السيطرة على نظام الكمبيوتر في مطار أمريكي صغير، وأطفأ مصابيح إضاءة ممرات الهبوط، ما هدد بحصول كارثة. وتعززت المخاوف حين زادت التهديدات بالهجمات ذات الدوافع السياسية، وخصوصاً بعد ظهور مصطلح "الجهاد الإلكتروني"، الذي تبنته جماعات عدة بغرض ضرب مصالح إلكترونية لدول مثل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبريطانيا، وغيرها.

ولم يقتصر الأمر على هذه الدول فقط؛ إذ بدا أن حجم التهديدات الإرهابية الإلكترونية يتزايد تلقائياً مع كل توسع وانتشار في استخدام تكنولوجيا المعلومات في مناطق العالم المختلفة، كما يبدو أن ممارسة أنشطة "الإرهاب الإلكتروني" لا تقتصر على إقليم محدد كما لا تستهدف دولاً معينة.

لقد حققت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تقدماً ملحوظاً في مجال استخدامات تكنولوجيا المعلومات، وحظيت دولة الإمارات العربية المتحدة خصوصاً بموقع ريادي في هذا المجال. وقد استدعى هذا التقدم اتساعاً في الثغرات التي تمّكن "الإرهابيين الإلكترونيين" من شن هجماتهم، وهو الأمر الذي حدا بخبراء دوليين إلى اعتبار أن "حكومات دول الخليج العربي عرضة لمخاطر كبيرة من الإرهاب الإلكتروني عبر الإنترنت"، مشيرين إلى أن "هذه المخاطر تتفاقم مع مرور الأيام لأن التقنية وحدها غير قادرة على حماية بيانات الحكومات بشكل كلي من الهجمات المتوقعة".

ويبدو أن وجود "الجدران النارية"، وتقنيات التشفير المتقدمة، لم يمنع حدوث الاختراقات، وسرقة أسرار الشركات، وإشاعة الاضطراب والفوضى في الأجهزة الحكومية، خاصة وأن خبراء عديدين يحذرون من استمرار عدد من المنظمات الإرهابية في "محاولات لتطوير أجيال جديدة من الفيروسات للقيام بهجمات إلكترونية على نطاق واسع على شبكة الإنترنت".

وتتركز المخاوف من هجمات "الإرهاب الإلكتروني" في عدد من السيناريوات؛ منها: تطوير فيروس يمّكن من السيطرة على أجهزة الهواتف في مجتمع ما، وجعلها تتصل كلها في وقت واحد برقم الطوارئ لشل عمل خدمة الطوارئ. وتزيد فداحة الخسائر في حال ترافق مع هذا الشلل تفجير قنبلة في سوق أو مبنى. كما يمكن توليد برنامج يمّكن من قطع التيار الكهربائي لفترة طويلة، أو السيطرة على نظام المراقبة الجوية وتوجيه الطائرات في أحد المطارات، بحيث تتصادم وتتحطم دون الحاجة إلى إرهابيين على متنها.

ويعطي التطور الكبير في الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات في إدارة مشروعات البنى الأساسية مجالاً خصباً لـ "الإرهابيين الإلكترونيين" لممارسة جرائمهم ضد نظم السيطرة والتحكم التي تؤثر في توزيع الكهرباء والمياه والاتصالات وشبكات البنوك والتجارة وغيرها.

ويعترف الخبراء الأمنيون المتخصصون بمكافحة الجرائم الإلكترونية بأن "الهجمات التي شنت حتى الآن غير معقدة إلى حد ما، غير أن ما تظهره عمليات المحاكاة من احتمالات شن هجمات أكثر اتساعاً وتنظيماً أمر يدعو للخوف".

لا شك أن مطوري تكنولوجيا المعلومات وخبراء الإنترنت مطالبون بملاحقة أنشطتهم التوسعية بأنشطة حماية وسد ثغرات لحماية هذا الفضاء الحيوي من أن يصبح ساحة إرهاب دامية. ويجب أن يهتم المجتمع الدولي بإبرام اتفاقيات تقنن التشريعات اللازمة لمكافحة تلك الجرائم، وتنظم الجهود الدولية لمحاربتها، بما في ذلك بحث إنشاء "نظام للإنذار المبكر من الهجمات الإلكترونية"، وتطوير برامج آمنة، وزيادة وعي المسؤولين التنفيذيين والعملاء بالحاجة إلى إجراءات أمنية أفضل.

ويجب تطوير قدرة الشركات والمنظمات والحكومات على التصدي للتهديدات الإلكترونية، وتوفير التقنيات اللازمة لمواجهتها، عبر تطوير أمن شبكات الحاسب باستخدام أنظمة التشفير المتقدمة و"الجدران النارية" في الشبكات، وأنظمة اكتشاف المخترقين عالية الدقة، والبرامج المضادة للفيروسات.

إن إنشاء إدارات لمكافحة "الإرهاب الإلكتروني" في أنظمة الأمن، خصوصاً في الدول التي تشهد تقدماً مطرداً في اعتمادها على تكنولوجيا المعلومات، أمر حيوي، خاصة وأن التطور الحاصل في هذا المجال يتسارع، والثغرات التكنولوجية فيه تتسع، وهو الأمر الذي يستلزم مواجهة كفؤة متخصصة للحد من احتمالات نجاح التهديدات الإرهابية في هذا المجال.

Share