مخاطر الأزمة في منطقة اليورو

  • 25 فبراير 2010

عندما صدمت الأزمة المالية الاقتصاد العالمي في أواخر العام 2008، قامت الحكومات والمؤسسات الدولية حول العالم باتخاذ إجراءات فورية ومنسقة لتلافي حصول "هرمجدون مالي" مروع. في هذا الخصوص، أعلنت الحكومات في جميع أنحاء العالم عن رزمٍ للتحفيز الاقتصادي، والتي أنقذت المؤسسات المالية والصناعية العملاقة المضطربة مالياً، وزادت من الإنفاق الحكومي، وعمدت إلى تسهيل السياسات النقدية، وعززت الإقراض المالي من أجل إنعاش النمو الاقتصادي. وقد كانت كلفة هذه الرزم التحفيزية الضخمة هائلة بحد ذاتها. ولكن كان من المأمول بأن تخفف الحكومات تدريجياً من الحوافز، وتبدأ في تخفيض عبء الدين الذي يشكل قلب المشكلة الاقتصادية العالمية فور عودة الاقتصاد العالمي إلى نمط مستقر.

ولكن خلال فترة لا تتجاوز اثني عشر شهراً، بدأت الحكومات والاقتصاديون حول العالم، ولاسيما في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، بإدراك أهمية تخفيض المستويات المتصاعدة من الدين العام، وبصرف النظر عن الحالة الناشئة والهشة للتعافي الاقتصادي. ولهذا، وفي نوفمبر 2009، أقر الرئيس باراك أوباما بـ: "أنه من المهم الاعتراف بأنه إذا واصلنا زيادة الدين، حتى في ظل هذه المرحلة من التعافي، فإن الناس في فترة معينة قد يفقدون الثقة في اقتصاد الولايات المتحدة بطريقة تؤدي في الواقع إلى ركود مزدوج الانخفاض." وبناءً عليه، وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي رفع تقديره لعجز ميزانية العام 2010 إلى 1.5 تريليون دولار، فإن إدارته كشفت عن خطط لزيادة الضرائب على الأثرياء، وتخفيض النفقات في حرب العراق من أجل تقليل العجز في الميزانية ليصل إلى 533 بليون دولار عند نهاية فترة رئاسة أوباما الأولى. وما تجدر ملاحظته هنا أن الدين الوطني الأمريكي قد تجاوز عتبة الـ 12 بليون دولار، وهو ما يشكل 84% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

ولكن الدين المتزايد باضطراد في منطقة اليورو، ولاسيما في البرتغال وأيرلندا وإيطاليا واليونان واسبانيا، هو ما يثير قلق الحكومات والاقتصاديين والمستثمرين من إمكانية حصول موجة من العجز عن تسديد الديون السيادية، قد تطلق حالة ركود اقتصادي عالمي جديدة. وفي الحقيقة، فإن الأزمة التي ضربت أوروبا كانت شديدة جداً لدرجة أن أحد استراتجييّ مصرف سوسيتيه جنرال في باريس، أحد أعرق وأكبر المصارف في أوروبا، قد أعلن عن "تدهور حتمي" للعملة الأوروبية الموحدة أو اليورو. ولهذا، وفي بيان للمستثمرين، قال ألبرت إدواردز، المخطط الاستراتيجي بمصرف سوسيتيه جنرال، مؤخراً "إن أية مساعدة تُعطى لليونان لن تفضي إلا إلى تأخير عملية التدهور الحتمي لمنطقة اليورو". وبطريقة مشابهة، أعرب المستثمر الملياردير جورج سوروس عن قلقه على صحة الاتحاد الأوروبي في مقالة نشرت حديثاً بالفاينانشل تايمز، ورأى أن "المساعدة المؤقتة كافية لليونان، ولكن لا يزال هناك اسبانيا والبرتغال وايطاليا وايرلندا. وهذه جميعاً تمثل جزءاً كبيراً جداً من منطقة اليورو، بحيث لا يمكن مساعدتها بهذه الطريقة. إن نجاة اليونان يُبقي، مع ذلك، مستقبل اليورو في موضع تساؤل".

يعتقد العديد من خبراء الاقتصاد بأن الأزمة المالية الحالية التي تواجه الاتحاد الأوروبي تعود، في جزءٍ كبير منها، إلى الأخطاء البنيوية التي تركت بدون حل عند تأسيس هذا التكتل الاقتصادي. فيما يحاج البعض الآخر بأن السبب هو السياسات المالية الصارمة للمصرف الأوروبي المركزي، والتي ساعدت على ارتفاع قيمة اليورو ارتفاعاً كبيراً مقابل الدولار (40 بالمائة تقريباً منذ انطلاقته طبقاً لمصادر مستقلة)؛ ما ألحق الضرر بالاقتصادات ذات مستوى التصدير المنخفض، مثل اسبانيا والبرتغال وإيطاليا، التي كانت تعتمد في السابق على تخفيض قيمة العملة لجعل بضائعها رخيصة الثمن، ومن ثم قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. وهكذا، فإن دولاً مثل ايطاليا واليونان لديها ديون حكومية تزيد عن ناتجها المحلي الإجمالي (115 بالمائة و107 بالمائة، على التوالي). أكثر من ذلك، فإن اليونان تعاني من عجز في الميزانية تُقدر قيمته بـ 12.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي مهددة الآن بالعجز عن تسديد ديونها.

وعادة ما تلجأ الدول الغارمة أو المثقلة بالديون إلى تخفيض قيمة العملة، وتقليل معدلات الفائدة، وطباعة المزيد من النقود. وفي أسوأ الأحوال، تسعى هذه الدول إلى طلب المساعدة من المؤسسات والتكتلات الاقتصادية الدولية لتجنب الوقوع في شرك التعثر عن سداد الدين. بيد أن أي من خيارات السياسة النقدية الفائتة غير متوافر للدول الأعضاء في منطقة اليورو؛ لأن اتخاذ مثل هذه القرارات هو اختصاص حصري للمصرف الأوروبي المركزي. كما أن معاهدة ماستريخت، التي أنشئ بموجبها الاتحاد الأوروبي، تمنع أي عملية إنقاذ للدول الأعضاء الغارمة. بعبارة محددة، لا يملك الاتحاد الأوروبي حالياً أية وسيلة أو آلية، أو حتى أية إرادة سياسية وفقاً لبعض المراقبين السياسيين في بروكسل، لإنقاذ الدول الأعضاء المضطربة مالياً، والتي لديها قيم عجز كبيرة في الميزانية تفوق حد الثلاثة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد المفروض من قبل الاتحاد الأوروبي.

وحتى لو قام الاتحاد الأوروبي بإنقاذ الدول الأعضاء الغارمة، وبالأخص اليونان، فإن بعض الاقتصاديين والمستثمرين يعتقدون بأن المساعدة لن تساعد الأسواق الاقتصادية المريضة على الخروج من الأزمة الراهنة. ولهذا السبب، صرّح هيوغ هاندري، مدير الرئيسي لمحفظة الأوراق التجارية بشركة إدارة الأصول "إكليكتيكا" في لندن، لإذاعة بي بي سي بأن إنقاذ اليونان ? مثلاً- سوف يكون "اجتماع للفظتين متناقضتين"؛ لأن ضخامة الدين في هذا البلد أكبر من قدرة الاقتصاد اليوناني على خدمته.

وعليه، فليس من المستغرب بأن ألمانيا وفرنسا، وهما أكبر قوتين اقتصاديتين في الاتحاد، لديهما تحفظات بشأن إنقاذ اليونان؛ لأنهما أنفسهما تجاهدان للتغلب على حالة ركود اقتصادي شديدة. فألمانيا بدأت مؤخراً تعاني من صعوبات في دمج وإنقاذ 17 مليون نسمة اقتصادياً، هم سكان ألمانيا الشرقية سابقاً. كما أن دافعي الضرائب الألمان غير متحمسين لفكرة إنقاذ اليونان. ولهذا السبب، ولتجنب حصول حالة من العجز عن سداد الديون والانهيار الاقتصادي الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، فإن هناك قلقاً متنامياً من أن الدول الأوروبية الجنوبية، مثل اليونان، قد تضطر في أسوأ السيناريوهات إلى الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي من أجل الحصول على المساعدة من صندوق النقد الدولي، كما فعلت العديد من الدول الأخرى في أوروبا الشرقية مثل المجر ولاتفيا وأوكرانيا. وفي حالة حدوثه، فإن مثل هذا السيناريو سوف يكون صدمة قوية للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن احتمالات حصول هذا السيناريو الرهيب قد قلت بعد التعهدات الأخيرة من قبل الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي، والتي تقودها ألمانيا، بتقديم رزمة مساعدات لليونان، على الرغم من أن تفاصيل خطة المساعدة لا تزال غير واضحة.

وفي الواقع، فإن مشكلة الديون السيادية في منطقة اليورو قد تضاعفت بسبب معدل النمو شديد البطء للمنطقة عقب الأزمة المالية العالمية في 2008. ففي الأشهر الثلاث الأخيرة من عام 2009، على سبيل المثال، سجل 16 اقتصاداً معدل 0.1% من النمو، والذي نتج عنه انخفاض 4% من الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي. وقد وصف انهيار الأداء الاقتصادي للدول الأعضاء في التكتل بأنه "مخيب للآمال بدرجة مفرطة" من قبل هوارد آرشر الاقتصادي الرئيسي في مؤسسة IHS Global Insight. ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة المذكورة، سجلت ألمانيا نمواً مقداره 0.0%، والمملكة المتحدة 0.1%، وفرنسا 0.6%، وإيطاليا -0.2%، واسبانيا -0.1%، والبرتغال 0.0%، والمجر -0.4% ، ولاتفيا -3.2%. وهذه النسب الكئيبة من النمو تبعث آمالاً ضئيلة على قدرة التكتل الاقتصادي الأوروبي على الخروج من محنة الدين الحالي في القريب العاجل.

في عالم اليوم الذي يتسم بشدة الترابط والتعقيد، من الصعب توقع التأثير التراكمي لأزمة إقليمية على الاقتصاد العالمي. ومن الواضح أن أزمة منطقة اليورو (التي يقدر حجم اقتصاداتها بخمس الاقتصاد العالمي) مرشحة ليكون لها تأثير هائل وبعيد المدى على العالم، خاصة إذا ما تفاقم الوضع بسرعة. ومن المهم أن نلاحظ بأن الأزمة قد بدأت تأخذ منحى سيئاً مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في اليونان واسبانيا، والتبادلات اللاذعة بين الاتحاد الأوروبي واليونان، وكذلك تدخل المصرف الأميركي جولدمان ساكس في هذه المعمعة.

هناك كثير من الدروس التي يمكن للتكتلات الاقتصادية الإقليمية، مثل مجلس التعاون الخليجي، أن تأخذها من المشكلات التي يواجها الاتحاد الأوروبي حالياً. في هذا الخصوص، فقد لاحظ الاقتصادي جوزيف ستغليتز، الفائز بجائزة نوبل، أن التماسك والترابط السياسي بين الدول الأعضاء مهم جداً لنجاح هذا التكتل الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن المعاهدات وأطر العمل التي تربط الاتحادات الاقتصادية يجب أن يُمعن التفكير والتدقيق فيها كثيراً قبل تطبيقها. فعلى سبيل المثال، يجب وضع آليات احتياطية للطوارئ لمجابهة حالات الطوارئ غير المتوقعة في المستقبل. والأهم من ذلك، يجب عدم ترك أي من التناقضات المتأصلة من دون حل، أو أن يتم تجاهلها في عجل من أجل تشكيل الاتفاق؛ لأن مثل هذه التناقضات قد تعرض التحالف أو التكتل الاقتصادي للخطر في أوقات الأزمات.

Share