محكمة إنصاف الإعلام والإعلاميين في أبوظبي

د. عبدالله العوضي: محكمة إنصاف الإعلام والإعلاميين في أبوظبي

  • 26 يوليو 2009

أحدث الإعلان بآخرة عن تأسيس نيابات ومحاكم متخصصة للتعامل مع قضايا الصحافة والإعلام، في إمارة أبوظبي، صدىً إيجابياً في الساحة الإعلامية المحلية التي تنتظر منذ عقود الخروج من قاعات المحاكم العامة إلى مكان يخصهم ويرعاهم للنظر في الدعاوى المتعلقة بقضايا النشر والمطبوعات. فوجود قاض مختص بمثل هذه القضايا مكسبٌ إضافي للوسط الإعلامي في المجتمع؛ لأن معظم ما يُنشر اليوم في وسائل الإعلام المحلية حمَّال أوجه، متعدد التفسيرات. وليس غير قاض متخصص يضمن عدم إجحاف حق الصحفي الحريص على إيصال الحقائق إلى أفراد المجتمع، من دون الخوض في خصوصيات الأشخاص ومتعلقاتهم الذاتية. وفي اعتقادي أنّ هذا الإجراء القانوني المستحدث يتعلق إجمالاً بالتنظيم والتقنين لضمان انسيابية العمل الإعلامي في المجتمع لجهة إنشاء بنية صحية لممارسة الإعلام لدوره المطلوب في المساهمة في عملية التنمية الشاملة وتنوير الرأي العام. كما أن هذا الإجراء يأتي في إطار الإصلاحات القضائية التي تتبناها حكومة أبوظبي في سبيل إيجاد قضاء نوعي متخصص، من شأنه سرعة الفصل في القضايا في زمن معقول وبكفاءة عالية.

وقد يقول قائل ـ بحق ـ أن دولة الإمارات لا تعج بقضايا الإعلام والصحافة، وما يتصل بها من قضايا النشر والمطبوعات، ما يستحيل التعامل معها إلا عبر محاكم متخصصة بهذا الشأن. فعلى مدار العقود الماضية، لم تشهد الساحة المحلية سوى بعض النزاعات والدعاوى المحدودة ذات الصلة بالقضايا الإعلامية، تعد على أصابع اليد الواحدة، وتكاد لا تذكر، وسرعان ما يتم تسويتها عبر المحاكم العادية، فضلاً عن أن المجتمع الإماراتي لديه من الحصانات الذاتية، في قيمه وتقاليده، ما يحد من الوقوع في قضايا الرأي أو الخوض في الأشخاص أو التشهير بهم. ومع ذلك، لا يجب أن تكون هذه الحجة، على وجاهتها، مبرراً لعدم تدشين قنوات قانونية خاصة بوسائل الإعلام، سوف تؤدي دوراً رائداً في قابل الأيام. بعبارة أخرى، فإنشاء محاكم إعلامية متخصصة قد لا يكون مطلباً آنياً، وإنما يتصل بأولويات مستقبلية؛ بمعنى أن تأسيسها يقع في باب الحيطة والاستعداد للمتغيرات المحتملة في المستقبل، في مجتمع يتصف بالديناميكية والحراك الدائم. كما أن بناء مؤسسات قانونية نوعية يعد من أهم سبل الوقاية من الوقوع في الأخطاء أو التمادي فيها، بزعم عدم وجود المختصين من القانونيين للاشتباك مع أهل الإعلام والصحافة. علاوة على ذلك، فإن وجود آليات خاصة للتعامل مع الوسط الإعلامي من شأنه أن يوفر دعماً للعمل الإعلامي، ويخلق درعاً واقياً لعدم الوقوع في مشكلات مع الأطراف المتأثرة بالنشر، ويضمن بيئة اجتماعية آمنة للتعامل مع المشكلات والمستجدات.

وقد يزعم البعض أن إنشاء محاكم متخصصة بوسائل الإعلام والصحافة ينطوي على مصادرة لحق المواطنين في التساوي أمام القضاء، أو يمثل جوراً على حرية الصحافة والتعبير. ويمكن تفنيد هذا الزعم بسهولة؛ فوجود محاكم مختصة بقضايا الإعلام يراعي الطبيعة الخاصة للعمل الإعلامي والصحافي، ويعمل على الحفاظ على وقت وجهد الإعلاميين والصحافيين. كما أنّ توافر قضاة متخصصين في المجال الإعلامي، إلى جانب تخصصهم في المجال القانوني، من شأنه أن يزيل جميع الصعاب والعراقيل أمام رجال الإعلام والصحافة،  من تأويل خاطئ للمادة المنشورة أياً كانت طبيعتها؛ مما يؤدي إلى حسن التعامل والفهم الموضوعي للدعاوى المرفوعة ضدهم، الأمر الذي يسهم في دعم الحرية الإعلامية والصحافية وليس الانتقاص منها أو الجور عليها. علاوة على ذلك، فإن حريات الرأي والتعبير والصحافة يصونها الدستور ويكفلها القانون، ولن يؤثر إنشاء محاكم خاصة بالصحافة والإعلام على ممارسة تلك الحريات؛ كونها معنية بالنظر في أية قضايا تصل إليها عن ارتكاب مخالفات أو تجاوزات لتلك الحريات. وعندما يتم إنشاء هذه المحاكم، سوف يتم التعامل مع قضايا الإعلاميين وفقاً لقانون المطبوعات والنشر، وليس ـ كما هو الحاصل اليوم ـ عبر قانون العقوبات. فضلاً على ذلك، فإن تدشين هذه المحاكم من شأنه تسريع إجراءات التقاضي التي يشكو الإعلاميين من بطئها؛ ذلك أنّ قضاياهم تتداول بين أروقة المحاكم العادية التي تعج بآلاف القضايا، لا تمثل قضايا الإعلام منها إلا جزءاً من الواحد في الألف. والأهم من ذلك أنّ بناء هذه المحاكم سيساعد في إبعاد رجال الإعلام، بكل تصنيفاتهم المهنية والفنية، عن الاحتكاك بالمتهمين في جرائم القتل والاغتصاب والمخدرات وغيرها في ردهات المحاكم العامة، أو أخذهم إلى مراكز الشرطة وتحقيقات النيابة مثل سائر المتهمين.

وعليه، نعتقد بأن المسؤولين الذين أطلقوا مشروع النيابات والمحاكم المتخصصة في قضايا الصحافة والنشر والإعلام مدركون تماماً للبعد الحضاري من العملية التنموية في مجتمع الإمارات، حتى وإن كانت هذه التجربة مقصورة حالياً على إمارة أبوظبي. فالعاصمة لابد أن تضرب المثال لسائر إمارات الدولة، على أي حال. وفيما بعد، يمكن تدارس هذه التجربة من كل جوانبها مع الأجهزة المعنية بذات الشأن في كافة الإمارات؛ فتتلاحق التجارب، ثم تعمم في الإطار الاتحادي. وإننا نثق بأن قيادات الدولة ورجالاتها يملكون من الوعي والرشد ما ييسر تعميم هذه التجربة، والتي تعتبر إضافة نوعية إلى بنية المجتمع. ويقيناً، فإن الوسط الإعلامي معني اليوم بالدفع نحو تعميم هذه التجربة لتشمل القضاء الاتحادي والمحلي في إمارات الدولة؛ من أجل أن تتوحد الإجراءات القانونية التي يتعرض لها صاحب القلم أو الرأي أو الصورة أو الخبر في كل أنحاء الإمارات.

إنّ القرار السيادي الخاص بإنشاء المحاكم الإعلامية المتخصصة قد صدر، والإجراءات الإدارية والتنظيمية لتنفيذه على أرض الواقع آخذة في التبلور. ومن ثم، فإن شطراً مهماً من مطالب أهل الإعلام، والمتعلق بوجود إطار قانوني خاص بهم، يكون مع تماس يومي لهمومهم وقضاياهم، على وشك التحقق. وأما بعد ذلك، فإن العهدة على الإعلامي، والذي يجدر به أن يتعامل مع قضايا النشر بروح من المسؤولية المهنية والأخلاقية، فهي وحدها التي تقيه عثرات الطريق الشائك، ولا نقول السالك؛ ومن ثم الوقوع تحت طائلة القانون. فالحل ليس في التوقف عن النشر أو الكتابة، وإنما بالمضي في العمل ما بين الأشواك حتى وإن كانت مؤلمة، والإيمان بأن ما يحمي حرية الصحافة والإعلام هو التزام أصحابها بميثاق شرف العمل الصحفي والإعلامي والتزامهم بالدستور والقانون. ذلك أن الهدف الأسمى هو الارتقاء بالمجتمع، من خلال الكشف عن الحقائق ونشرها بشتى الوسائل الإعلامية، بعد الاطمئنان على أن الدولة تنظم العلاقة بين الإعلاميين وكافة أطراف المعادلة المجتمعية التي تتأثر سلباً أو إيجاباً بمخرجات العمل الإعلامي./n  /n إننا لا نريد أن نستبق الأحداث، ولكن نقول بأن انتظار التجربة العملية لهذه المحاكم الجديدة في أداء الأدوار القانونية المتخصصة المنوطة بها أفضل من البحث عن مثالبها وعيوبها قبل أن ترى النور. نعم، إن أي تجربة جديدة تحمل في ذاتها عناصر الترقب والحذر، إلا أن المجتمع الذي يأخذ القوانين على محمل الجد، ليس من أجل المزيد من تشريع العقوبات، بل للمزيد من إحقاق الحق وإزهاق الباطل، سوف يقيم عالياً مثل هذه التجربة. وإننا نضع آمالاً كبيرة على هذه التجربة؛ لأنها عنصر مهم في بناء وتأصيل البنية التشريعية والمؤسسية لدولة الإمارات. ومن ثم، يجب أن ننأى عن الارتجال والتسرع في تنفيذها، وإنما يكون التأمل والتمهل ديدننا للوصول بهذه التجربة إلى غاياتها النبيلة. وعندما تشرع النيابات والمحاكم الإعلامية المتخصصة في ممارسة الأدوار المنوطة بها، نرجو أن تربأ عن النظر في أي قضية يكون مربط الفرس فيها الرأي والرأي الآخر؛ حتى نضمن السلامة التي لا يعادلها شيء، وعدم الانجرار نحو توجيه الاتهامات التي قد يطول أمد إثبات البراءة منها، وفقاً للإجراءات القانونية المعروفة في مثل هذه القضايا. فالمأمول هنا هو توفير الحماية القانونية للإعلاميين، سواء في الصحافة، أو الإذاعة والتلفزيون، أو عبر الوسائط المتعددة في عصر المعلومات والعولمة، وتمكينهم من أداء عملهم في بيئة يسودها الوضوح والاستقرار.

Share