محطّة مهمّة في تاريخ العراق

  • 3 مارس 2010

الانتخابات التشريعيّة، التي ستجرى في العراق الأسبوع المقبل، ستشكل محطة مهمّة ومؤثرة في مستقبل العراق، ليس لكونها تعقَد في ظلّ مجموعة من التحديات المختلفة التي واجهت البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية، وكادت تهدّد بإرجائها، ولكن لأنها تأتي قبل أشهر من بدء انسحاب القوات الأمريكيّة في أغسطس المقبل أيضاً. وهذا يعني أن الحكومة العراقيّة التي ستأتي بها هذه الانتخابات هي التي ستتولّى إدارة شؤون العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب، وستقع على عاتقها مسؤولية إثبات أنها قادرة على تسيير الأوضاع، وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد.

برغم الأزمات المختلفة التي تصاحب هذه الانتخابات، سواء تعلّق الأمر باستبعاد بعض المرشّحين، وتهديد بعض القوى السياسية بعدم المشاركة فيها، أو تعلّق الأمر باستمرار بعض أعمال العنف من جانب "القاعدة" وبعض الجماعات الأخرى، فإن هناك إصراراً من جانب القوى السياسية المختلفة على إنجاح هذه الانتخابات، والمضيّ قدُماً نحو ترسيخ العملية السياسية في البلاد.

هذه الانتخابات، والنتائج التي ستسفر عنها، ستسهمان بلا شكّ في تحديد مستقبل العراق خلال الأعوام القليلة المقبلة، لعاملين رئيسيين. الأول، يتعلّق بكون برامج القوى السياسيّة الرئيسيّة التي ستخوض هذه الانتخابات ترفع شعار المواطنة، وتبتعد عن الطائفيّة، وهو ما يشير إلى أن فوز إحداها في هذه الانتخابات، ونجاحها في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، قد يعيدان تشكيل العمل السياسيّ في البلاد وفقاً لمعايير وطنية خالصة، وبعيداً عن التحزبات الفئوية والعرقية التي كلّفت العراقيين ثمناً فادحاً لها خلال السنوات الماضية. وإذا كانت انتخابات المحافظات التي جرت في يناير من العام الماضي أعطت مؤشراً إلى تمسّك العراقيين بالوحدة الوطنية، حيث تراجع التصويت على أساس طائفي بشكل واضح، ما أدّى إلى تراجع ملحوظ للأحزاب الدينية عكَس رفض العراقيين البرامج والأطروحات ذات الطابع المذهبيّ، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة ستشكل اختباراً مهماً أيضاً لاستمرار تمسّك العراقيين بخيار الوحدة الوطنية في مواجهة النزعات التي تحاول إحياء الخلافات الطائفية مجدّداً.

أما العامل الثاني، الذي يضاعف من أهميّة هذه الانتخابات، فيتعلّق بطبيعة التحديات التي سيتعيّن على أي حكومة عراقية مقبلة التعاطي معها في الفترة المقبلة، وهي تحديات لا تقتصر على الداخل فحسب، كالتوترات الكردية العربية، والخلاف بشأن وضع مدينة كركوك، وكيفيّة تحقيق التوافق حول طبيعة النظام السياسي العراقي، وشكل العلاقة بين طوائفه المختلفة، وإنّما تنصرف إلى التحديات الخارجية أيضاً، كإنهاء ملف الحدود مع بعض دول الجوار، وكيفية العمل على استعادة علاقات العراق العربيّة المختلفة. العراق الآن يبدو أمام مفترق طرق، ونجاحه في إجراء الانتخابات التشريعيّة المقبلة، وتشكيل حكومة جديدة تحظى بالتوافق الوطنيّ تكون قادرة على مواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية بالشكل السليم الذي يحفظ الأمن والاستقرار في البلاد، ويضمن الإسراع في تحقيق المصالحة السياسية والوئام الوطني، هذا كلّه يشير إلى أنه يخطو نحو الطريق السليم الذي يعيد إليه مكانته كطرف عربي فاعل ومؤثّر في المنطقة.

Share