محرقة غزة وذاكرتنا المثقوبة وأوهام السلام

د. أحمد منيسي: محرقة غزة وذاكرتنا المثقوبة وأوهام السلام

  • 5 مارس 2008

العدوان الوحشي الذي قامت به إسرائيل ضد قطاع غزة أكبر من محرقة وأفظع من جريمة، فلماذا يندهش بعض الناس من مصطلح "محرقة" الذي استخدمه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فيلنائي؟ فسواء كان اللفظ الذي استخدمه الوزير المذكور يعني بالعبرية "محرقة" أو "كارثة"، فإن تاريخ إسرائيل مع الفلسطينيين بشكل خاص ومع العرب بشكل عام، هو تاريخ متخم بالمحارق المتواصلة، منذ مجزرة دير ياسين مروراً بمذبحة مدرسة بحر البقر ومجزرة قانا وصولاً إلى المجازر اليومية في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي هذا السياق نشير إلى تقرير منظمة (بتسليم) الإسرائيلية لحقوق الإنسان، لعامي 2006 و2007 والذي أكد أن القوات الإسرائيلية قتلت 816 فلسطينياً من بينهم 152 قاصراً و48 طفلاً دون سن الرابعة عشرة. ونُقل عن يوفال ديسكن، رئيس وكالة الأمن الإسرائيلية، إبلاغه لمجلس الوزراء الإسرائيلي عن اغتيال إسرائيل لما وصفهم بـ "1000 إرهابي" في قطاع غزة خلال العامين الماضيين. وفي الوقت الذي تمارس فيه إسرائيل مجازرها ومحارقها ضد الفلسطينيين في غزة، تقوم بتنفيذ "محرقة استيطانية" في الضفة الغربية لقضم مزيد من الأراضي وضمها إلى دولة إسرائيل.

محرقة غزة، ليس سببها، كما تزعم إسرائيل، صواريخ حماس؛ فالمحارق بند أساسي في استراتيجية إسرائيل لإدارة صراعها الوجودي مع العرب، ولنتذكر هنا، كيف أن العصابات الصهيونية قد أبادت قرى فلسطينية بأكملها قبل إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 للتمهيد لإقامة هذه الدولة على الأراضي الفلسطينية المغتصبة، وكيف واصلت إسرائيل، بعد قيامها، إبادتها لمناطق كاملة وتهجير سكانها إلى مناطق أخرى داخل وخارج فلسطين. إن إسرائيل لم تكن أبداً في حاجة إلى مبرر لكي تقتل وتدمر وتعربد؛ فهذه الممارسات البربرية كانت قائمة قبل ظهور قضية الصواريخ، ولكن الاحتلال يستغل الآن هذه القضية كذريعة لاقترافه المجازر اليومية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، وهو يحدد مطالبته بوقف إطلاق الصواريخ على مستوطناته المحاذية لقطاع غزة في الجنوب الفلسطيني مقابل وقف أو تخفيف الحصار عن القطاع، وليس غريباً أن يكون هذا منطق المحتل، حين يعتبر أن المشكلة ليست في الاحتلال، ولكنها في المقاومة.

 إن قضية الصواريخ تناقش بشكل مغلوط أو مغرض في كثير من الأحيان، حيث إنه يمكن تفهم ضرورة وقف هذه الصواريخ إذا كان ذلك سبيلاً لوقف الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية المتواصلة، واللجوء لوسائل أخرى للمقاومة، ولكن هذا ليس هو الحاصل؛ فالعدوان الإسرائيلي مستمر بوجود الصواريخ وبدون وجودها، وكما قلنا، فإن تل أبيب لم تكن في حاجة أبداً إلى ذريعة لكي تبرر استمرار عدوانها على الشعب الفلسطيني. فإسرائيل لها رؤيتها الخاصة لتحقيق التسوية السياسية، وتتمحور هذه الرؤية حول ضرورة إجبار العرب والفلسطينيين على القبول بما تطرحه تل أبيب لتحقيق هذه التسوية. وهذه الرؤية تستلزم بالضرورة القضاء على المقاومة وكل قوى الممانعة الرافضة للاستسلام لهذه الرؤية. وبطبيعة الحال، فإنه من الغباء أن تتصور تل أبيب أنه بإمكانها تحقيق هذا الهدف.

 إن المطلوب هو أن يقبل الجانب الفلسطيني بما هو مطروح إسرائيلياً فقط، وهذا الطرح لا يوقف صراعاً ولا يحقق تسوية، وبطبيعة الحال، فإن هذا الطرح لابد أن يعزز موقع المقاومة في المشروع الوطني الفلسطيني. إن إسرائيل تواصل مجازرها، وهي تعلم أنها لن تدفع ثمناً باهظاً لأراوح الشهداء التي تزهقها، وهذه مشكلة كبيرة، ومن المؤسف أن الانقسام الداخلي الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس يجعل الأمور أكثر تعقيداً، فإذا كان الرئيس محمود عباس قد قرر وقف المفاوضات مع إسرائيل في اليوم الثالث لمحرقة غزة، فإن جملة التصريحات التي خرجت عن السلطة الوطنية في رام الله اتجهت لتحميل حماس المسؤولية كاملة عن المجزرة الإسرائيلية، متناسية أن السبب الأصلي هو هذا الاحتلال الإسرائيلي البغيض، ورفض إسرائيل الانخراط في تسوية سياسية تنهي حالة الصراع وفقا لما تنص عليه الشرعية الدولية في هذا الصدد، ومتناسية أيضا أن المقاومة حق مشروع لكل الشعوب المحتلة، وأنها تغدو أكثر أهمية إذا ما كان المحتل يرفض منطق التسوية ويعمل بشكل وحشي على كسر إرادة الصمود والتحرير.

 لقد استغلت تل أبيب الخلاف بين فتح وحماس منذ البداية وعملت على تعميقه بشكل أكبر، ومن المؤسف أن الطرفين انساقا دون وعي وراء هذا المخطط، ولعل إسرائيل هي التي حالت دون تجاوب السلطة الوطنية مع دعوات عقد حوار وطني مع حماس، وهي الدعوات التي وجهتها أكثر من دول عربية وأعلنت حماس استعدادها لهذا الحوار، ولكن أبو مازن وضع العراقيل أمامه، حينما فرض شروطاً مسبقة لهذا الحوار، الذي كان من المفترض أن يبدأ أولاً لتناقش فيه كل القضايا. ولاشك أن إعادة اللحمة للصف الوطني الفلسطيني هي بيت القصيد. ولعل محرقة غزة تكون جرس إنذار لمن يهمه الأمر. فهذا الحوار يجب أن يبدأ اليوم قبل غداً، أما في حالة استمرار حالة الفصام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وغزة، فإن ذلك يعني مزيداً من التداعيات الكارثية على الفلسطينيين وعلى القضية الفلسطينية.  

 وإذا كانت محرقة غزة، وسلوك إسرائيل العدواني المتواصل يجب أن يمثلا دافعين قويين لتجاوز حالة الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، فإنهما وفي الوقت نفسه يجب أن يدفعا إلى مراجعة الرؤية العربية الخاصة بعملية التسوية السياسية، انطلاقاً من فهم حقيقة ما يحدث على الأرض، وليس انطلاقاً من فهم افتراضي لما هو حاصل في الواقع.

 إن المجازر والمحارق الإسرائيلية المتواصلة بحق الفلسطينيين أرضاً وشعباً، واستمرار احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية واحتلالها لمزارع شبعا اللبنانية، كل هذا يؤكد، لمن يظنون أنه بالإمكان إرساء سلام عادل ودائم مع إسرائيل، أن إسرائيل لا تريد سلاماً، وأنها دولة احتلال يعدّ من أسوأ أشكال الاحتلال عبر التاريخ الإنساني حديثاً وقديماً. فالعرب، من خلال مبادرات فردية وجماعية أحياناً، يمدون أيديهم للسلام، ولكن تل أبيب تستغل مقولة أن السلام بات خياراً استراتيجياً للعرب، وتواصل مجازرها بحق الشعب الفلسطيني، وتواصل مساعيها لتفرض مزيداً من الأمر الواقع بالاستيطان، ولتعزز مواقعها دولياً.

محرقة غزة أعادت التأكيد مجدداً  أن الولايات المتحدة، بِمنْحِها المشروعية السياسية للجرائم الإسرائيلية، من خلال إعاقتها لصدور قرار إدانة من مجلس الأمن لإسرائيل، لا يمكن أن تكون "راعياً للسلام"، ولن تقوم بممارسة أية ضغوط على إسرائيل لإجبارها على إعادة الحدود الدنيا من حقوق الشعب الفلسطيني على الأقل، من أجل إقامة الدولة الفلسطينية وإنهاء هذا الصراع التاريخي المزمن بين العرب وإسرائيل. المحرقة أيضا بيّنت مجدداً الأزمة التي يعيشها ما يسمى بمعسكر السلام في الوطن العربي، سواء كانوا من النظم الحاكمة أو من المثقفين الذين يدعون للتطبيع. فهذا المعسكر، يبدو في نهاية المطاف، مستسلم للتصور الإسرائيلي لتحقيق التسوية السياسية، وهو لا يمتلك، أو لا يرغب في امتلاك بدائل لكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل غير استجداء إسرائيل والراعي الأمريكي غير النزيه والمنحاز تماماً إلى جانب تل أبيب.  

 إن إسرائيل لديها رؤيتها الخاصة لإدارة الصراع مع العرب، وفي سياق هذه الرؤية هناك خطط بعينها وسلوكيات وخطوات يتم تنفيذها، في مقابل كسل استراتيجي على الجانب العربي، وربما كانت المقاومة، وإنْ تحفظ بعضهم على ممارساتها أحياناً، هي الطرف الوحيد الذي يدرك بشكل واقعي حقيقة هذا الصراع وما تريده إسرائيل. فالمقاومة ترفض الاستسلام للمنطق الإسرائيلي، وبالتالي تسعى إسرائيل إلى محاولة إبادة هذه المقاومة، وهذا ما عمدت إلى تحقيقه في الحرب التي خاضتها ضد لبنان صيف العام الماضي، ولكنها فشلت، وربما كانت محرقة غزة تمثل محاولة لاستعادة قوة الردع الإسرائيلية في مواجهة المقاومة في فلسطين ولبنان معاً.

 إن محرقة غزة، وعلى الرغم من أنها أزهقت أرواح أكثر من مائة شهيد، فإنها أكدت مجدداً صمود المقاومة الفلسطينية وعزيمتها القوية، وهي في الوقت نفسه أكدت بربرية الاحتلال الإسرائيلي ووحشيته، كما أثبتت في الوقت نفسه أيضاً فشل المساعي الإسرائيلية الرامية للقضاء على المقاومة، فرغم ما خلفته المحرقة من خسائر بشرية ومادية، انسحبت قوات الاحتلال، وهي قد تعاود عدوانها الوحشي على غزة، ولكنها لن تستطيع تحقيق هدفها الخاص باجتثاث المقاومة الفلسطينية، مثلما فشلت في محاولتها للقضاء على حزب الله، فالمقاومة ستظل باقية، وستثبت للمتخاذلين أنها الأداة الأهم لتحرير الأرض وإعادة الحقوق المسلوبة على غرار ما حصل في تجربة تحرير الجنوب اللبناني من براثن الاحتلال الإسرائيلي، وعلى نحو ما حدث في غزة ذاتها، حين هربت منها قوات الاحتلال، بعد أن صارت غزة مستنقعاً لها.

 إن الأطراف العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع إسرائيل وقعت في خطأ استراتيجي كبير؛ لأنها بنت مواقفها تجاه الكيان الإسرائيلي على فرضية أنه أصبح جاهزاً لتسوية نهائية ومقبولة من جميع الأطراف المنخرط معها في الصراع. ولاشك أن محرقة غزة قد أسقطت الخيار الذي انساقت فيه السلطة الفلسطينية عقب عقد اجتماع أنابولس، والذي استغلته إسرائيل لمحاولة تصفية المقاومة، وفي الوقت نفسه، الضغط على أبو مازن للانخراط في مشروع تسوية سياسية، يتضمن عدم تخلي إسرائيل عن القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل أو الانسحاب لحدود 1967 أو تنفيذ حق العودة، وفقاً لمخطط التسوية المطروح لدى تل أبيب. في ضوء ذلك كله، فقد آن الأوان للقيام بمراجعة جذرية لعملية التسوية السياسية، على نحو لا يركن لمقولة أن السلام خيار استراتيجي، وبشكل يعزز مكانة المقاومة بشتى أنواعها في سياق هذه العملية. وهذا هو الطريق الوحيد الذي ينبغي سلكه في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، وربما يكون هو السبيل الوحيد لتدشين التسوية السياسية، عبر إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها للأراضي العربية المحتلة، وليس من خلال استجدائها، بعد أن ثبت أن هذا الاستجداء لن يحقق التسوية ولن يوقف الصراع. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات