محاولة اغتيال السفير السعودي: سبب أزمة مع إيران أم نتيجتها؟

  • 16 نوفمبر 2011

في 11 أكتوبر 2011 كشفت وزارة العدل الأمريكية عن محاولة إيرانية لاغتيال عادل الجبير سفير السعودية في الولايات المتحدة. وتشير التفاصيل إلى أن منصور أرباب سيار، الذي يحمل جنسية أمريكية– إيرانية مزدوجة تم تجنيده في مايو الماضي أثناء وجوده في طهران، بواسطة عدد من رجال الحرس الثوري منهم غلام شاكوري عضو فيلق القدس، وذلك من أجل تصفية الجبير مقابل  1,5مليون دولار. وقد تم الاتفاق على الاستعانة بأحد تجار المخدرات من أمريكا اللاتينية لتنفيذ المهمة، وقد التزم سيار بذلك، ونسق مع عضو في تنظيم كارتل زيتاس العالمي لتجارة المخدرات قبل أن يتضح أن هذا الرجل يعمل مخبراً في هيئة مكافحة المخدرات الأمريكية.

الرواية التي أحدثت دوياً هائلاً بحكم مركزية أطرافها الثلاثة إقليمياً ودولياً تتنازعها وجهتا نظر. تذهب وجهة النظر الأولى إلى أن إيران حاولت تنفيذ العملية؛ لأن منسوب التوتر في علاقتها مع السعودية وصل حداً غير مقبول خصوصاً بعد تطورات الأزمة البحرينية، ثم اتهام السعودية لإيران بشكل غير مباشر بالتسبب في أحداث الشغب في بلدة العوامية شرق المملكة. ولو كانت عملية الاغتيال قد نجحت لكانت أثبتت للعالم أن إيران قادرة على اختراق الأمن القومي الأمريكي، تماماً كما نجحت الولايات المتحدة في اختراق الأمن القومي الإيراني عن طريق فيروس "ستاكسنت" الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني، واختطاف علماء نوويين إيرانيين آخرهم شهرام أميري في 2009.  يضاف إلى ما سبق أن محمود أحمدي نجاد كان يحتاج في مواجهة العديد من المشكلات الداخلية مع معسكر المحافظين الذي يدعمه المرشد بقوة، إلى فتح جبهة خارجية ليسمح لأبخرة المعارضة بأن تتسرب من منافذها.

وتذهب وجهة النظر الثانية إلى التشكيك في صحة رواية الاغتيال من أساسها. ولقد عبر التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الأمريكية الذي أعده المرصد البحثي التابع لمركز الدراسات الأمريكية والعربية، والصادر في 26 أكتوبر الماضي عن وجهة النظر هذه بجلاء. وكانت أدلته على ذلك ما يلي: (1) طول الفترة بين اكتشاف المؤامرة في مايو 2011 واعتقال أرباب سيار في نهاية سبتمبر 2011، فبين هذين التاريخين تردد المتهم على المكسيك عدة مرات، وأرسل تحويلات بنكية. (2) كان من الأسهل على إيران ضرب المصالح السعودية و/ أو الأمريكية في إحدى دول النفوذ الإيراني ( لبنان- العراق- أفغانستان… إلخ) بدلاً من عبور الأطلنطي كي تطول تلك المصالح. (3) كان بوسع إيران الاستعانة بشبكة من مواطنيها في الولايات المتحدة بدلاً من تجنيد عميل مكسيكي غير مأمون الجانب. (4) من المستبعد أن يلفت تنظيم كارتل زيتاس انتباه السلطات الأمريكية إليه بتنفيذ جريمة على هذا النحو نظير مقابل مالي زهيد. وفي النهاية خلص التقرير إلى ترجيح أن الذي حدث لا يخرج عن أحد احتمالين: إما أن الاتفاق مع أرباب سيار كان يهدف لتكوين وحدة مخابرات داخل الولايات المتحدة، أو أن هذا الاتفاق كان يهدف لتهريب أموال إيرانية للخارج. ولم ينس التقرير الإشارة إلى أنه كما يواجه نجاد مشكلات داخلية صعبة، فإن أوباما يواجه مشكلات لا تقل خطورة وصلت بشعبيته إلى حدها الأدنى.

نحن إذن أمام زاويتين مختلفتين في النظر للرواية الأمريكية، هذا مع العلم أنه إن صحت وجهة النظر الأولى فإن ذلك سوف يمثل مفاجأة. ليس لأن تاريخ إيران يخلو من اتهامات مشابهة؛ إذ سبق اتهامها بالتورط في التعدي على بعثات السعودية في تركيا وبلجيكا ولبنان وتايلاند عامي 1989 و1990، كما سبق اتهامها بالتحريض على اغتيال أمير الكويت في ذروة حرب الخليج الأولى، فضلاً عن تصفية علماء العراق بعد احتلاله، وكذلك معارضين إيرانيين في الخارج. لكن وجه المفاجأة أن مردود هذه العملية خصوصاً في هذا التوقيت يبدو غير مناسب بالمرة. فالعملية كان مقرراً تنفيذها قبل أسابيع من صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الملف النووي الإيراني، وهو التقرير الذي كان من المتوقع أن يشكك في سلمية البرنامج النووي، وهذا ما حدث بالضبط. وبالتالي فإن المنطق يقول إنه لم يكن في صالح إيران استعداء المجتمع الدولي قبل صدور التقرير. ثم إن إيران كانت تعلم علم اليقين أنها سجلت هدفاً في المرمى الأمريكي باضطرار الولايات المتحدة للانسحاب، ولو جزئياً من العراق. وبالتالي فإن الجمهورية الإسلامية ما كانت لتوفر ذريعة للولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات عقابية ضدها بما يحد من القدرة الإيرانية على التمدد داخل العراق. وأخيراً فإن المؤامرة المذكورة، وكما أُعلن، كانت ستقترن بتفجير سفارتي السعودية وإسرائيل في الأرجنتين، وهذا كان يعني إضافة متغير بالغ التعقيد للمسألة برمتها، وهو ذلك المتصل برد فعل إسرائيل. ولقد قللت إيران من مردود اغتيال السفير السعودي بأسلوب شديد التهجم عندما ذكر عضو اللجنة البرلمانية لشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيراني محمد كريم عابدي أن "القوات العسكرية الإيرانية-  قادرة في حال عزمت طهران على اتخاذ أي خطوة ضد السعودية – على احتلال أراضي المملكة بكل سهولة". وغاية هذا التصريح الفج القول لماذا تلجأ إيران لاغتيال السفير السعودي إن كانت تملك القدرة على احتلال المملكة نفسها؟!!

في كل الأحوال، فإن المؤامرة، صحت أو لم تصح، أضافت مزيداً من الغيوم إلى سماء العلاقات الإيرانية– السعودية الملبدة أصلاً، أي إنها كانت نتيجة لسلسلة من الأزمات في تلك العلاقات ولم تكن سبباً لها. في هذا السياق أطلق بيان وزارة العدل الأمريكية موجة من الهجوم الإعلامي السعودي الشديد ضد إيران إلى الحد الذي اعتُبر فيه خطر إيران أكبر من خطر إسرائيل على الأمن القومي العربي. فلقد قارنت صحيفة الرياض في  عددها الصادر بتاريخ 23 أكتوبر 2011  بين إسرائيل وإيران، وذكرت أن الأخيرة تدخلت في شؤون لبنان، واحتلت أرضاً إماراتية، ومولت خلافات دموية في البحرين، وحرضت على الشغب في القطيف. أما إسرائيل فحاولت أن تبرهن على أن خصومتها هي فقط مع الجانب الفلسطيني، وتساءلت الصحيفة: لماذا تسعى إيران لتحتل موقع عداوة يجعلها الأولى قبل إسرائيل؟  

على صعيد آخر، حرصت المملكة على كسب التأييد الخليجي والعربي والإسلامي لموقفها. وبالفعل أدان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني المؤامرة الإيرانية، ودعا إيران لإقامة علاقتها مع المجلس على أسس من "الصراحة والوضوح والتعاون البناء وحسن الجوار". كما اعتبرت الجامعة العربية على مستوى مندوبيها الدائمين المؤامرة الإيرانية "انتهاكاً سافراً لكافة الأعراف والمواثيق الدولية". أما المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم فقد استغربت أن "يصدر هذا الفعل من عضو بالمنظمة ضد عضو آخر" .

إلى أين تذهب إذن العلاقات السعودية– الإيرانية؟ في حدود الأمد المنظور، فإن هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن تلك العلاقات في سبيلها إلى مزيد من التعقيد سياسياً ودبلوماسياً. أولاً لأن مستقبل الوضع في سورية سيفرض إعادة تشكيل التوازنات والتحالفات على مستوى المنطقة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إعادة كل الأطراف تقييم مواقفها. ثانياً لأن سقوط النظام السوري سيؤدي إلى مزيد من الضغط في ملف المحكمة الدولية في لبنان، وبالتالي فإن الساحة اللبنانية ستشهد استقطاباً سعودياً – إيرانياً متزايداً. ثالثاً لأن الانسحاب الأمريكي من العراق سيوفر فرصاً لإيران بالتأكيد لكن في المقابل سيخلق لها مزيداً من التحديات، منها التحدي الخاص باتجاه عدد متزايد من الأقاليم العراقية إلى الشكل الفيدرالي، وإيران يهمها إضعاف العراق وليس تفكيكه. رابعاً لأن الانتخابات التشريعية الإيرانية على الأبواب، وهذا يعني أن يحاول المحافظون تثبيت مواقعهم في مجلس الشورى من خلال المزايدة باستخدام الورقة الفلسطينية وربما البحرينية، وهذا يعني التناقض مع المصلحة السعودية على طول الخط. ليس صحيحاً أن الربيع العربي غيّر قواعد اللعبة في داخل النظم العربية وحدها، فالشاهد أنه في ظل صعوبة فصل الداخل عن الخارج لا تصبح علاقات الدول بمنأى عن التغير في قواعدها، وهذا قول ينطبق تماماً على مستقبل العلاقات السعودية– الإيرانية.

Share